من تاريخية مناهضة الأحلاف العسكرية
حلف بغداد - في ذكرى إنهياره
حوار مع الباحث الاكاديمي د. عقيل الناصريشكل تكوين الاحلاف العسكرية، الغربية خاصة، ظاهرة في فترة الحرب الباردة التي بدأت بقوة منذ نهاية الأربعينيات في القرن المنصرم.. وقد شملت الشرق الأوسط وكان حلف بغداد الأكثر بروزاً وخطورةً بالنسبة للمصالح الوطنية لدول المنطقة ولقواها الديمقراطية الطامحة للتغير. كانت لنا هذه الوقفة التاريخية مع الباحث بالشأن العراقي المعاصر د. عقيل الناصري:
السؤال الأول: حلف بغداد .. لمن كان موجهاً وما هي أهدافه؟
¤ أفرزت الحرب العالمية ثانية جملة من الظواهر على المستوى الدولي تمحورت في بروز الكتلة (الاشتراكية)السابقة وانتشار الأفكار التحررية والديمقراطية التي استلهمت طموحاتها من هزيمة الفاشية وانتصار فكر المساواتية والعدالة الاجتماعية وفكرة الحرية ، بكل جماليتها الرومانسية والواقعية، ليس على النطاق المحلي لكل بلد، خاصة في العالم الثالث، بل على عموم المعمورة واشتدت صيرورة القضاء على الاستعمار والتبعية للمراكز الرأسمالية، وخاصة المتطورة منها.
في الوقت نفسه خلقت هذه الصيرورة نقيضها الموضوعي والمتمثل في اشتداد نزعتي المركزية والتمركز لقواها على المستوين الداخلي والعالمي وخلقها للجدار العازل بينها وبين هذا الوليد الجديد- المعسكر الاشتراكي. ومن هذا الظرف انطلقت المراكز الرأسمالية على لملمت أطرافها وتكوين أحلاف إقليمية ذات هدفين :
- داخلي .. يكمن في عرقلة صيرورات التغيير التي كان العالم الثالث على وجه الخصوص، حبلى بها وكبح كل من حراكية التقدم الاقتصادي/ السياسي، وتهيئة مستلزمات النهوض العام.
- خارجي.. تطويق المعسكر الاشتراكي، بصورة خاصة، وحصره ما أمكن ضمن حوديته المرسومة لها من جهة واستنزاف فائضه الاقتصادي من خلال التركيز على المجهود الحربي واستقطاع ما أمكن من هذا الفائض المخصص للتطوير المدني.
هذه الأهداف استوجبت في الوقت نفسه إرساء جزء من أعباء الدفاع عن الرأسمالية على عاتق بلدان العالم الثالث وتخصيص بعض من مواردها، على قلتها وندرتها، لهذه الغاية.. كما هي تعني في الوقت نفسه أن هذه الأحلاف قد أوكلت لجيوش هذه البلدان مهمة هي من خارج اختصاصها وليس لها علاقة بالمصالح الحقيقية لهذه البلدان. خاصة إذا علمنا أن بريطانيا في تلك الفترة كانت أعباء تكاليفها في الحفاظ على مستعمراتها ومصالحها، باهظة الثمن، ولذا أشركت هذه البلدان العالمثالثية في تحمل قسط منها من جهة وطالبت الولايات المتحدة بالحلول في هذه البلدان خوفا من ( الدب الروسي) حسب تعبيرات الحرب الباردة في حينها ، فيما أطلق عليه " مسألة شرق السويس". إن استقراء تاريخ العراق السياسي المعاصر يوضح عمق هذه النظرة ومدى تطابقها.. مع حلف بغداد في مضامين توجهاته العامة، وكذلك في الدفاع عن مواقع المراكز الرأسمالية.
السؤال الثاني: يشاع أن وثائق الحلف قد استولت عليها السفارة الأمريكية في بغداد ظهيرة يوم 14 تموز 1958.. ما مدى دقة ذلك؟
¤ تشير الكثير من الآراء إلى العكس من ذلك.. حيث حاولت حكومة الثورة الاستفادة من هذه الوثائق وتصويرها في مقر الحلف.. وأشيع آنذاك أنها طلبت من السكرتير الثقافي للحلف ( امسى بعد تموز أحد اقطاب التوجه القومي المعادي لمضامين ثورة تموز)منحها مفاتيح خزائن الوثائق.. لكنه أبى ذلك مما حدا بالحكومة من استقدام خبراء من مصر الناصرية، عندما كانت في قممها النيرة في محاربة الحلف، وتصوير هذه الوثائق التي تم الاستفادة منها في سياقات الحرب الباردة وحرب المصالح.. بعدها أعلنت حكومة الثورة في 24 آذار 1959، انسحابها من الحلف مما ترتب عليه تسليم هذه الوثائق للحلف بعد نقل مركزه إلى خارج العراق و تغيير أسمه.
في الوقت نفسه حاولت الولايات المتحدة ، العضو المراقب في الحلف، الضغط بكل قواها على حكومة الثورة وبكل السبل منع فضح جوهر سياسة الحلف وتأثيره على الأوضاع الداخلية والإقليمية والدولية من خلال وثائقه. لكنها لم تفلح في ذلك نتيجة المساندة الشعبية التي حظيت بها الثورة من أغلب القوى الاجتماعية وخاصة الحية منها.. وكذلك المساندة المادية والمعنوية من قبل مصر النصرية ، في قممها التحررية، والمعسكر الاشتراكي.
بمعنى آخر لا أرى العقلانية في طلب الولايات المتحدة في الاستيلاء على الوثائق التي تمتلك هي نسخها، إلا في التصور أن فعلا الاستيلاء يراد به هنا عند استيلاء الآخرين من خارج الحلف على الوثائق. وهذا ما تم في الواقع، وخاب أمل الامريكان وكان غيضهم شديد من قاسم,, حيث هدده وزير خارجيتها بالقول :" سنحطم رأس زعيمكم ". مخاطبا وزير خارجية عراق قاسم هاشم جواد .
السؤال الثالث: هل هناك تأثيرات إقليمية ودولية مارسها الحلف على حكومات الدول المنظوية تحت لواءه وما شكل هذه التأثيرات؟
¤ إن عملية الانظواء بحد ذاتها لم تكن على قدر من المساواتية بين الدول المنتمية للحلف.. حيث كان للكبار رؤيتهم الاستراتيجية وتاثيراتهم القوية وخططهم التي هي فوق المصالح الوطنية للصغار.. فاقدي القدرة على التحكم بهذا القدر أو ذاك، بالقرار المركزي للحلف. كما أن هؤلاء الصغار لم يكن لهم القدرة على الرفض الكامل ..إذ كانوا الى حد معين مسلوبي القدرة في اتخاذ القرار المستقل.. وأن وجدت لديهم فهي مناطة بالمسائل الثانوية أكثر مما هي عليه بالرئيسية منها، ما بالك بالأراسية من القرارات!!.
كما أن أغلب الشركاء الصغار كانوا تابعين سياسيا واقتصاديا للشركاء الكبار مما افقدهم قدرة المساومة في اتخاذ القرار.. والصغار كانوا مدينيين للكبار في بقاءهم بالسلطة سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة ..إذ ان تركيبة اقتصادهم وقاعدته المادية والاجتماعية وتبعية اقتصادهم لاقتصاديات الكبار هو قيد أخر في هذا المجال.
ظروف الصراع الدولي والإنقسام الإقليمي والحرب الباردة وصراعات الزعامات بين الرؤساء المحوريين وخاصة بين السعيد وناصر .. كانت من العوامل التي سعرت هذا الصراع وتحديد مجالات وفعالية توجهاته. ناهيك عن الظروف الداخلية لكل قطر .. فإذا أخذنا العراق كمثل.. رأينا إن فعل عقد الحلف كان ذو تاثيرات سلبيية عميقة في عملية التطور السياسي حيث اغلقت العشرات من الصحف والجمعيات وتعمقت الاعتقالات واسقطت الجنسية عن عراقيين اصلاء لهم جذور، وطنية وانتماء للعراق، تفوق أولئك الذين اصدروا هذه القرارات وربطوا مصير العراق بعجلة مصالح رأس المال العالمي.
السؤال الرابع :هل اسهمت ثورة 14 تموز في تفكيك وإسقاط الحلف؟
¤ كان العامل الأراس في تهديم الحلف هو ثورة 14 تموز .. ليس كفعل تغييري قادته الانتلجنسيا العسكرية- الذراع المسلح للطبقات الوسطى، بل كمنظومة تدابير اجتصادية / سياسية / ثقافية اسهمت في تغيير واقع العراق السياسي وغيرت من المهام المستقبلية له والتي كانت في مجملها المطلق بالتضاد التناحري مع توجهات وماهيات حلف بغداد.. سواءً في مضمونه العسكري أو في توجهاته الفكرية وفضاءات تحركه الاقتصادي وتحالفاته الاقليمية والدولية والتي تصب في مجملها في مضمار مضاد لحركة التاريخ في ارتقائها الحلزوني.
ان موقع العراق وجغرافيته السياسية كان لها الدور الأمثل في اسقاط الحلف وفي تبعثر وتشتت مركزية فكرته وفي بعث التناقضات الثانوية بين اعضاءه الى السطح لينهار الحلف بعد ترميمه وتغير اسمه.. لكن الجوهر كان لثورة 14 تموز.
إن التاثيرات التي احدثتها الثورة في مضامينها الاجتصادية كانت، كما قلت سابقاً في حديث مع جريدة طريق الشعب، بمثابة ثورة فرنسية جديدة في القرن العشرين.. من حيث المضمون والتأثير النسبي لعموم دول المنطقة وكذلك من حيث التركيبة الطبقية للسلطة في أخطر بقعة في العالم، أو انها أمست الأخطر بالنسبة للمراكز الراسمالية العالمية وعلى رأسها الدول المحورية في حلف بغداد وهذا يفسر لنا في الوقت نفسه ، مدى تأثير ثورة تموز على العقل السياسي لمخططي السياسة في المراكز الرأسمالية، وعلى الانتقام منها سواءًعن طريق التدخل المباشر أو/و غير المباشر ( من خلال سياسة الترهيب والترغيب) أو الاسقاط الدموي لها.. وهذا ما تم في الانقلاب التاسع والثلاثون حيث ذبحت الثورة وغيبت قسرا قبل أن تحقق ذاتها وتستكمل مضامينها وتحقق أفق تاريخيتها.
وبنظرة جدلية نلاحظ أن ثورة تموز قد استكملت بعض من ذاتيتها المغيبة، من خلال ليس اسقاطها لأسوء حلف عسكري/ ثقافي في المنطقة آنذاك فحسب، بل من خلال ممارسة هذا الحلف (المنسي) فكرة الاسقاط القسري للثورة بأيدي عراقية ، لكن بفكر مخطط غربي التكوين أمريكي الجنسية يصب في فحواه في العود غير العلمي لمهمات تلك المرحلة من الحرب الباردة.لقد اعترف العديد من منفذي الانقلاب أو بعضهم على وجه الدقة في ماهية جوهر انقلابهم وتلاقيه الفكري والعملي مع مضامين حلف بغداد في محاربته للفكر التقدمي وفي مضامين منطلقه من أولوية عراقية العراق، وفي خدمة مصالح راسمال العالمي.. وهذا ما تم في حينه وما اعقبه من نتائج لا نزال نعاني منها. إذن الرابطة بين تموز وإسقاطها القسري .. يمكن تفسيره في بعض أوجهه بين انهيار حلف بغداد وامكانية ترميم جثته الميتة. وتأسيساً على ذلك يمكننا الإقرار بأن ثورة 14 تموز " أنزلت بالاستعمار في العراق بوجه خاص وفي الشرق الأوسط بوجه عام ، ضربة زلزلت كيانه وشبهت بسقوط الباستيل، وكادت أن تفقد صوابه حتى أوشك أن ينزلق إلى التدخل المسلح لولا خوفه من اندلاع نار حرب عالمية لم يعدّ لها العدة. وقد جاءت الضربة مفاجئة وحاسمة ...(1)".
السؤال الخامس: ماذا كانت مواقف هذه الدول إزاء الثورة وما هي محاور هذه المواقف؟
¤ توضح تاريخية ثورة 14 تموز أن تحقق الثورة كانت نتاج تفاعل العامل الخارجي المؤيد للثورة، مع العوامل الداخلية التي قامت بها السلطة الجديدة، وكونتا عوامل سببيةموضوعية مشتركة أدت في نهاية المطاف إلى إستقرار الوضع وكبح جماح التدخل الخارجي. كما يمكن النظر إلى هذه العوامل من حيث أهميتها ونسبية قوتها التأثيرية والقول إنها كانت نتيجة تفاعل عوامل أرأسية وأخرى رئيسة ساهمت كليهما، بالتكامل الجدلي، بصورة حاسمة في كبح فكرة التدخل الخارجي ووأد الثورة، سواءً عِبرَ الغزو الخارجي، أو الثورة المضادة في الداخل، رغم التلويح بإستخدام القوة وذلك عندما طلبوا تسهيل مغادرة الجنود والرعايا البريطانيين لأن مثل هذه الخطوات غالبا ما تتخذ قبيل الإقدام بعمل عسكري.. وهذا ما فسرته حكومة الثورة على الأقل (2). وهو تفسير يحمل بذرة الوجاه فيه. وعليه وحسب معيار الأهمية النسبية والقوة التاثيرية يمكن أن نوعز اسباب نجاح الثورة إلى جملة عوامل متداخلة هي:
العوامل الأرأسية:
- عمق وسعة التأييد الشعبي الذي غطى مساحة العراق: جغرافياً واجتماعيا وقومياً؛
- القضاء على أقطاب الحكم الثلاثة الكبار، الملك وولي العهد والسعيد (3)؛
- موقف الإتحاد السوفيتي والكتلة الإشتراكية؛
- موقف الجمهورية العربية المتحدة.
هذه العوامل مجتمعة أسقطت إمكانية تبرير التدخل وكبح جماح الغزو المزمع، بالتفاعل الجدلي المتزامن مع جملة من العوامل والإجراءات الداخلية والخارجية، منها :
العوامل الرئيسية:
- الإنقسام في المواقف بين دول حلف بغداد نتيجة تضارب المصالح ثم الرؤى؛
- الكفاءة والسرية في التحضير والإعداد للثورة؛
- السرعة الخاطفة في إنجازها؛
- السيطرة المبكرة على الفرقة الثالثة وإعتقال قائدها المناط به حماية بغداد؛
- إعتقال رئيس أركان الجيش والسيطرة على معسكر الرشيد؛
- الإحباط والإجهاض الفوريين لحركة الثورة المضادة في معسكرات الديوانية والمسيب والناصرية والسيطرة على مقر الفرقة الثانية في كركوك؛
- سرعة تجاوب كتل حركة الضباط الأحرار وسيطرتهم على وحداتهم وتأييدهم للثورة؛
- إنعدام وجود شخصية بارزة من الحكم السابق، تقود حركة الثورة المضادة؛
- النشاط السياسي الواعي الذي عبرعنه البيان الأول والمقابلات مع الدبلوماسيين الاجانب وتهدئتهما لهم؛
- الإعلان عن تطمينات الثورة للغرب حول تدفق النفط إلى الأسواق العالمية (4)؛
- عدم وجود شخصية يسارية رديكالية في مجلس الوزراء (إقرأ شيوعية؟) (5)؛
- كان للتعيينات العليا في 14 تموز أثرها المباشر على التطورات التي عقبتها؛
- تأكيد الثورة على إحترام ميثاق الأمم المتحدة ومؤتمر باندونغ والاتفاقيات الدولية المبرمة مع كافة الدول؛
- الخطاب السياسي الهادئة للثورة والمتسم بالحيطة والحذر، الخالي من العداء اللفظي للغرب ومصالحه؛
- عمق التأييد الشعبي الذي أحاطته شعوب البلدان العربية ودول الجوار للثورة، و تعاطف حركات التحرر والقوى التقدمية في العالم معها؛
- دعوة قيادة الثورة لبعض شيوخ العشائر والاقطاعيين الكبار إلى المجيئ إلى بغداد، بغية إغلاق منافذ تحركهم المحتمل ضد الثورة؛
- حجز بعض الشخصيات المحورية السياسية الحاكمة وبعض كبار ضباط الجيش (6)؛
- هيأت الثورة الظرف لبروز عدم الرضى والسخط ضد النظام السابق ونخبته السياسية ، مما كبح فرص المقاومة لمن ممكن أن يقاوم؛
- تخوف الحكومات الغربية من أن يؤدي غزو العراق إلى تقوية نفوذ القوى الرديكالية وخاصةً اليسارية في عموم الشرق الأوسط والعراق على الأخص؛
- الإعترافات المبكرة والسريعة من بعض الدول بالنظام الجديد؛ (7)
- التحذير الذي أطلقه السفيران الأمريكي والبريطاني لحكومتيهما، بضرورة أما القيام بإنزال كاسح وسريع وبقوة متفوقة كثيراً، وإلا ستؤدي إلى حدوث خسائر كبيرة في الأرواح لرعايا الأمريكان والاوربيين. (8)
أثمرت هذه العوامل مجتمعة، وما افرزته ردود الفعل الدولية، المؤيدة للثورة أو المعارضة لها ، في حل واحدة من أهم المعاضل التي كانت في مركز تفكير اللجنة العليا للضباط الأحرار.. إلا وهي كبح التدخل الخارجي المحتمل، والذي من أجله أرسلت صديق شنشل إلى جمال عبد الناصر للإستفسار منه عن مدى جدية التدخل الخارجي وإمكانية تنفيذه. كما أرسل عبد الكريم قاسم لعبد الناصر، رسولان منه وباسمه الشخصي، من خلال الحزب الوطني الديمقراطي ( محمد حديد وحسين جميل كلٌ على انفراد). وكلف الحزب الشيوعي، الذي أوفد (في البدء عامر عبد الله ومن ثم بمعية سلام عادل)، لمعرفة موقف الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية وللاستفسار منهما عن إمكانيات مساندة الثورة عند نجاحها من خلال كبح محاولات التدخل الخارجي المحتمل.
في الجانب الآخر كانت منظومة الدول الغربية وحلف بغداد ومن يدور في فلكه من دول المنطقة قد أصيب، كما قلنا، بصدمة كبيرة إختلفت نسبتها بين دولة وأخرى، مما أجبر أحد قادتها المتشائمين الكبار، على وفق منطقهم النفعي، من القول: " سوف نفتح صندوق كل الشرور. ولكن علينا أن نفتحه وإلا فإن البديل مواجهة كارثة كاملة..."، طالما أن الثورة، أوصلتهم، حسب مذكرات آيزنهاور، "... إلى مفترق الطرق. فمنذ سنة 1945 وسياستنا تقوم على ضرورة الوصول إلى منابع البترول وضمان سيطرتنا عليها بدون أية عوائق من جانب أي طرف. وأن يتحقق ذلك سلمياً إذا أمكن. والآن فإن علينا أن نناضل لكي نمنع ناصر من السيطرة على هذا المورد، وإلا أعطيناه المال والنفوذ والقوة التي يتمكن بها من تدمير العالم الغربي. لقد كان علينا في نقطة ما على الطريق أن نواجه هذه المشكلة، وقد وصلنا إلى هذه النقطة الان (9) "، يعني يوم 14 تموز1958.
كان لثورة 14 تموز عواقب وخمية على هذا المعسكر، الذي أخذ يبحث عن كل السبل الممكنة لإجهاض صيرورة الثورة من خلال التدخل المباشر وإعادة عجلة التاريخ إلى ما كانت عليه في العراق وإعادة رسم الشرق الأوسط على وفق رغبات المصالح الأمريكية التي تقوم خطتها ، حسب وليم قاندت، إستناداً إلى مقابلات خاصة أجراها مع كبار المسؤولين الأمريكيين: " على تدخل واسع عُهد فيه إلى تركيا غزو الأراضي السورية وإلى إسرائيل ضرب ج.ع.م. وضم الضفة الغربية. كما عهد إلى القوات البريطانية إحتلال الأردن والعراق (10) ".
كما كان من نتائج الثورة على دول هذا المعسكر هو:
- الوهن غير المعلن لفعالية دوله، نتيجة التناقضات الثانوية بينها وتعارض مصالحها، خاصةً بين قطبيه الرئيسيين: بريطانيا والولايات المتحدة، التي رغبت في الاستحواذ على عموم المنطقة، وتجلى ذلك عندما رفض آيزنهاور مساعدة بريطانيا لإستعادة وضعها في العراق، مما أدى إلى أن يتأثر البريطانيون بالقرارات المتخذة في واشنطن أكثر من تأثرهم من سياسة عبد الناصر أو السوفيت.
- كما أنخفضت حدة تأثيرات حلف بغداد وضمور فعاليته ومن ثم تلاشي وجوده لاحقاً.
- أصبح (مبدأ ايزنهاور) في مهب النسيان والإضمحلال.
- والأهم هو ضمور مكانة ودور بريطانيا في الشرق الأوسط عامة، وركوعها لإرادة واشنطن وسياستها بعد خروجها مهزومة من حرب السويس خاصةً. إذ كانت ثورة تموز المسمار الأخير في نعشها الذي أرخ لإفول أمبراطوريتها. لهذا السبب رفضت، بدورها أن " تنفرد تركيا في دخول الأراضي العراقية وتتولى إسقاط ثورة 14 تموز بمعونة أمريكية فذلك سيؤدي في نظر لندن، إلى تصفية النفوذ البريطاني في العراق وإنتقاله كلياً ضمن الساحة الأمريكية-التركية. وقد كان الدور الموكل إلى تركيا في خطة التدخل الشامل التي أتفق عليها ينحصر في سوريا، لذلك رأت بريطانيا أن منع قواتها من دخول العراق وإيكال هذه المهمة إلى القوات التركية ينطوي على نوايا أمريكية مريبة بالنسبة للمصالح البريطانية (11) ".
السؤال الأخير: كيف سيكون وضع العراق، بصورة عامة، لو عاش هذا الحلف؟
¤ قبل البدء باإجابة على هذا السؤال لابد من الاشارة الى جوانب الصراع التناحري الثانوي بين المركز الراسمالي البريطاني والأمريكي.. حيث عملت هذه الأخيرة على طرد الأول من مناطق نفوذها في منطقة الشرق الاوسط.. وحاولت القيام بأكثر من محاولة انقلابية في العراق أثناء الحكم الملكي .. في تحقيق هذا الهدف.. إحدى هذه المحاوت اماط اللثام عنها صديق شنشل كما وردت في عمل المبدع ، ليث الزبيدي، عن ثورة 14 تموز.
من جانب آخر السؤال ينم عن حالة سكونية لعملية الصراع الإقليمي والدولي.. ضمن عملية الاحتمال .. وإذا سرنا مع منطق السؤال سنصل الى احتمالية تشدد الصراع على المستوى الداخلي .. وما الاشكال المظهرية الدستورية والاتفاق مع الأردن وغلق ابواب التداول السلمي للسلطة وتعمق الاضطهاد للقوى الديمقراطية سيعمق عملية الصراع من جانب داخليا و ربما يهدد النظام من جانب أخر.. في الوقت نفسه أن قيادة السلطة العراقية سواء المتمثلة في نوري السعيد أو عبد الإله ، آن الآوان لها ان تترك الفعل السياسي ، وهذا ما شعرت به قوى حلف بغداد قبل غيرها.. بمعنى إن شيئُ ما سيطرأ على واقع العراق المحتمل.
أما محيث شكلية النظام.. فأعتقد ضمن هذه الاحتمالية بكونه لا يولد حالة تستقطب قوى الطبقة الوسطى وتغير آلية الحكم ولا يستطيع من تغيير معادلات التنمية المرغوبة التي تستجيب للقوى الاجتماعية الفقيرة والمنتجة في الوقت ذاته.. وهذا العجز سيعمق واقع الصراع الاجتماعي .. لأن نخبة الحكم تعتمد على قاعدة اجتماعية عفى عليها الزمن وليس بمقدورها نقل العراق إلى سكة الحداثة والتطور. رغم ما ينتاب هذه المرحلة الانتقالية من صراع وتناقض ومن حراكية عمودية وافقية ستقلب المفاهيم والقيم وستعمق الصراع الخفي بين مفاهيم الحضارة المدينية وقيم العشيرة والريف .
هذه الرؤية هي في جوهرها ضمن الاستعارة الفكرية الاحتمالية.. هي بالتضاد من اليقينية.. التي هي من افكار المجتمعات الساكنة.
كلمة أخيرة .. كانت ثورة تموز نقطة تحول في تاريخية العراق حيث هيأت سبل التغيير المادؤ والروحي لعراق المستقبل .. وما الصراعات الاجتماعية التي اعقبتها إن هي إلا دليل على حيويتها العضوية.. وكل الانجازات التي تحققت بعدها مدينة لتموز ولقواها الاجتماعية.
(1) عبد الفتاح إبراهيم، معنى الثورة، ص. 50، مصدر سابق.
(2) حول ذلك راجع المقابلة التي أجراها السفير البريطاني مع عبد الكريم قاسم يوم 15 تموز، في الوثائق البريطانية، ج.1،ص.73. كذلك محمد حديد، مذكراتي، ص. 320، حيث يقول عن المقابلة التي جرت معه يوم 16 تموز : " وما أخبرني بذلك حتى إستبد بي شعور بأن عملية سحب الرعايا ربما هي تمهيد للقيام بتدخل عسكري ضد الثورة ". مصدران سابقان. ويبدو لي أن عدم سحب الجنود والرعايا كان مرتبطاً بإنعدام إمكانية غزو العراق الذي كانوا يعدون له.
(3) وحسب تعبير مكميلان، رئيس الوزراء البريطاني. " أصبح من المستحيل إعادة العهد القديم". ويشير آيزنهاور في مذكراته:" إن إمكانية ثورة مضادة في العراق كانت تعتمد إلى حدٍ كبير على قيادة نوري السعيد، الذي كل ما نعلم عنه أنه قد يكون قتل. وإذا كان قد ولى فإن مسألة العمل المضاد في العراق تخرج كلياً من الصورة ". القولان مستلان من نجم محمود، المقايضة، مصدر سابق ص. 54. ومع ذلك " سمعت أصوات احتجاج وإستنكار في مركز لوائي الديوانية وكركوك إلا أنها خُنقت في غضون يوم واحد. وفي مدينة الموصل انطلقت تظاهرة مؤيدة للملك في الصباح الباكر يعتقد أن المحرضين عليها هم الملاكون الكبارفي المدينة. لكن لم تترك أنباء بغداد أي شك في حقيقة الموقف هناك إختفى المتظاهرون من أجل الملكية... وما أن حل وقت الظهيرة حتى راحت الموصل تردد هتافات بغداد بمناصرة الجمهورية ". أوريل دان، العراق، ص. 48، مصدر سابق.
(4) يقول محمد حديد في مذكراته حول هذه النقطة أن قيادة الثورة " لم تكن مستعدة لإثارة قضية النفط في بداية قيامها، لكي لا تستفز الشركات والحكومات المعنية، بل أرادت أن تطمئن الرأي العام العالمي والأوساط الاقتصادية والمالية، فأصدرت بياناً خاصاً في يوم 15تموز (يوليو) وضعته بالاشتراك مع ممثلي الأحزاب الوطنية، وجاء فيه أنه نظراً لأهمية النفط للاقتصاد العالمي، فإن حكومة الجمهورية العراقية تعبّر عن رغبتها في رؤية استمرار وإنتاج وتدفق النفط إلى الأسواق التي يتم بيعه فيها. وأضاف البيان أن حكومة الجمهورية العراقية تحترم تعهداتها مع الأطراف المعينة...أن حكومة الجمهورية العراقية ستعمل في الوقت نفسه، على الحفاظ على مصالحها الوطنية الحيوية، وتأمل أن تستجيب الأطراف المعنية الراغبة في استمرار وجود هذا المورد الحيوي لمصلحة الاقتصاد الوطني وكذلك الاقتصاد العالمي. وكان لذلك البيان أثر جيد في الحد من الاضطراب الذي أصاب الأسواق العالمية جراء قيام ثورة 14 تموز". مذكراتي،ص. 425، مصدر سابق.
(5) تدلل الوثائق البريطانية، على أن بعثاتها الدبلوماسية في بلدان الشرق الأوسط كانت تستفسر بإلحاح لمعرفة إن كان بين قادة الثورة ومجلس الوزراء بعض من القادة الشيوعيين، لكي تتعكز عليه لغزو العراق. ومن الجدير بالذكر أن الزعيم قاسم، كما قيل، قد اتفق مع قيادة سلام عادل على أن لا يعين وزيراً شيوعياً في حكومة الثورة، والاكتفاء بوزير ذو نزعة يسارية.. فكان الإختيار للمفكر الاقتصادي إبراهيم كبة. وهذا التفسير يكاد أن يكون منطقياً، وإلا كيف يمكن أن يطلب قاسم من الحزب الشيوعي التعاون معه ودعم الثورة عند إعلانها ويخبرهم بموعد الثورة، ولا يعين وزيراً منهم في حكومة الثورة؟.
(6) " بلغ عدد المحالين على التقاعد من الضباط خلال شهري تموز وآب 1958مائة وأثني عشر نشرت إحالتهم في الجريدة الرسمية.. عدد كبير من هؤلاء أعيد استخدامهم وأسندت اليهم مناصب مدنية رفيعة. وبنهاية شهر تموز بلغ عدد المطرودين من مديرية الأمن والإدارات التابعة لها خمسة وأربعون موظفاً...". وقد "... إعتقل النظام الجديد حوالي مائة شخص بينهم أعضاء أسرة الاستربادي التي أخفت نوري مدة قصيرة بعد الانقلاب. ووضع الحجز على أموال حوالي سبعين من كبار الساسة والضباط ...". مستل من آوريل دان، العراق في عهد ، ص.63, 64، مصدر سابق.
(7) تشير أحدى الوثائق البريطانية أنه " بمرور الأيام سوف تعترف دول أخرى بالحكومة الجديدة، وهذا من شأنه أن يزيد صعوبة التدخل...". مستل من الوثائق البريطانية،ج.1، ص. 44، مصدر سابق.
(8) أرسل السفير الأمريكي يوم 15 تموز1958، إلى حكومته الرسالة التالية: " لقد ناقشت أنا وزميلي السفير البريطاني في بغداد الموقف المحلي والاحتمالات الطارئة المتوقعة. وكان تقديرنا المشترك بالساعة 900، حسب التوقيت المحلي في بغداد كالاتي: إنه من رأينا المدروس، مالم تنفذ عمليات الإنزال الحليفة في العراق بشكل كاسح وسريع وبقوة متفوقة كثيراً، فمن المحتمل جداً أن تؤدي إلى حدوث خسائر في أرواح الأمريكان والأوربيين بشكل عشوائي( ويبلغ عددهم حوالي خمسة آلاف، منهم ألفان من البريطانيين وحوالي ألفين من الأمريكان) وإلى أعمال سلب ونهب لممتلكاتهم من قبل الغوغاء الذين لا يستطيع الجيش أن يسيطر عليهم كليا، وإن كان الجيش راغباً في ذلك. وتتضمن عمليات الإنزال الحليفة في الأردن مجازفة بأنه قد تحدث أيضاً مثل تلك الأعمال من القتل والنهب". مستل من المصدر السابق، ص. 49.
(9) مستل المقتبسان من محمد حسنين هيكل، سنوات الغليان، ص.353و 350، مصدر سابق.
(10) نجم محمود، المقايضة، ص. 53، مصدر سابق. ووليم قاندت مؤرخ أمريكي، وأحد المطلعين على السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة. وتؤكد، أحدى الوثائق البريطانية مؤرخة في 15 تموز، على هذه الخطة عملياً. إذ قبيل ثورة 14 تموز: "وكل ما قد حصلت عليه الوزارة المذكورة بعض التقارير قبل ثلاثة أو أربعة أيام، التي تشير إلى تحركات لقطعات ونقليات عسكرية على الحدود السورية بالقرب من إنطاكية والاسكندرونة وقد بقى الاتراك ملتزمين بوعدهم...". مستل من الوثائق البريطانية، ج.1، ص. 48.
(11) المصدر السابق، ص. 53.