|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الجمعة  17  / 4 / 2015                                عدنان عاكف                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

" يا سارق من عيني النوم " !!

عدنان عاكف

لاحظ مرافق المرحوم حافظ الأسد ذات ليلة ان النور في غرفة الرئيس بقي مضاءً حتى الصباح.. أدرك الضابط بحسه الاستخباراتي ان شيئاً في غاية الأهمية يقلق فخامته. وهو يعرف ان لا شيء يمكن ان يقلق فخامته مثل أحوال الرعية. في الليلة التالية تكرر المشهد، ومن ثم تكرر في الليلة الثالثة.. في الصباح دخل الحارس ووقف متسمرا أمام فخامته. لاحظ الرئيس ارتباك مرافقه فأستفسر عن الأمر:

- سيدي الرئيس! هل من خَطـْبٌ ؟ أراك مهموماً جداً. النور بقي مولعاً في غرفة سيادتكم منذ ثلاثة أيام !

نهض فخامته وتوجه نحو مساعده وقاده برفق نحو النافذة وراح يحدثه عن همومه وآلامه وكيف انه يشعر أحياناً بالعجز أمام بعض المشاكل المستعصية .

- " شبيك لبيك الوطن بين ايديك يا سيدي " !! سترى كيف سنحول خلال دقائق مشاكل العالم المستعصية الى بقلاوة !

- يفترض بك ان تعرف اني لا أكره شيئاً في حياتي بقدر كرهي للبقلاوة. المشكلة لا تكمن في المشكلة ذاتها، بل فيّ أنا ! هل فهمت ؟

- نعم سيدي فهمت كل شيء. وبعد صمت ثقيل لا أحد يعرف كم دام قال الرئيس :

- أنت فاشل حتى في كذبك! ليس بمقدور مخلوق ان يفهم ما قلته تواً، سواي ! وليس من المستبعد اني لم أفهم جيداً ما كنت أريد قوله. المشكلة تكمن في طباعي وفي أحاسيسي.. على أية حال ليس المهم ان تفهم، ولكن اسمعني جيداً. ما يقلقني كثيراً هذه الأيام هي أحوال أصحاب الدخل المحدود، وأكثر من يقلقني بالذات هو المواطن المسكين، معدوم الحيلة، الذي لا يزيد مرتبه الشهري عن 2000 ليرة. قل لي أنت: ماذا عليّ فعله من أجل ان ينام ضميري ويدعني أنام قرير العين ؟؟

في الصباح الباكر استفاق سكان منطقة المرجة في دمشق على صوت النشيد الوطني، مع مجموعة من الأغاني الثورية التي تعزف أيام الثورات والانقلابات، والحروب الخاسرة مسبقاً. واستغرب السكان من الحشود العسكرية التي تحيط بالمركز، الذي كان يخضع لتفتيش دقيق.. كان على كل مواطن الاجابة على السؤال التالي :

- ما هو دخلك الشهري ؟ وكانت الاجابات تتوالى بذكر مبالغ تتراوح بين 2500 ليرة ومجموعة من الآلاف، التي يصعب على المرافق استيعابه. لكنه فهم انها أكثر من الحد الأدنى المطلوب. فجأة يتوقف أحد المواطنين ، كان يبدو عليه ان دخله من السنين نحو سبعين عاماً. يتقدم نحوه الضابط المرافق ويسأله :

- ما هو دخلك الشهري؟ تلعثم العجوز قليلاً ، ثم قال :

- 1538 ليرة في الشهر.. وان ارتأيتم استقطاع الألف ليرة فليس لديّ ما يمنع ذلك.. نحمد الله على كل شيء، فالأسعار رخيصة جداً.

لم يشعر المرافق بالسعادة كما شعر بها الآن. انقض على العجوز برفق ، وسحله الى العربة بكل حنية ومودة ، ورفعه بكلتا يديه ورماه برفق، ما بعده رفق، داخل العربة.. وقبل ان تنطلق العربة صفعه بقوة على وجهه وقال:

- أيها الارهابي الحقير ! أنت من أقلق فخامة الرئيس وسرقت النوم من عينيه...

انطلقت العربة العسكرية الى جهة مجهولة وهي تحمل الارهابي العجوز، في حين واصلت الفنانة الكبيرة شادية في ساحة المرجة تشدو بصوتها العذب :

يا سارق من عينى النوم ان نمت دقيقة تصحينى
وبقالى كام ليلة ويوم .. يا سارق النوم من عيني

بعد ان أراح الرئيس ضميره وارتاح في نومته الأزلية انتقلت الشكوى من تأنيب الضمير الى الكثير من مسؤولينا، وخاصة بعد العاشر من حزيران ليلة سقوط نينوى.. لقد شكل احتلال داعش للموصل، بالسرعة والطريقة التي تم بها، مفاجأة كبيرة بالنسبة لنا جميعاً. لكن مفاجأتي كانت أكبر بكثير من ردة فعل الجهات الرسمية، على المستويين التنفيذي والتشريعي، وخاصة وزراء الحكومة الجديدة، التي وعد رئيسها المكلف باحداث تغيير جذري، واعتماد مبدأ الكفاءة والخبرة والنزاهة..

لقد جاءت ردود الأفعال على عكس ما كان يتوقعه الشعب، ومخالف لكل منطق يتسم بالحد الأدنى من الحكمة والمعقولية. لا بل والأدهى من ذلك شكلت ردة الفعل هذه انقلاباً على تصريحات المسؤولين أنفسهم، بعيد استلامهم " الجناطي الوزارية ". بعد انفضاض الاجتماع الأول لمجلس الوزراء، والذي شكلت خلاله لجنة وزارية من وزراء المالية والتخطيط والنفط لمعالجة الازمة الاقتصادية الناجمة عن خواء الميزانية.. وخلال أقل من اسبوع تداولت وسائل الاعلام تصريحات لأكثر من مئة مسؤول ، جميعها وبدون استثناء، أكدت على أهمية تجاوز الخلافات بين الكتل السياسية المتناحرة ، والعمل الجاد سوية من أجل محاربة الفساد واقتلاعه جذرياً من البلاد.. وانتقلت أجواء التفاؤل الى العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، لتمنحها القليل من الطراوة والنداوة ووصل الغزل بين الحكومة ومجلس النواب، ذروته – التي لم تعرفها ديمقراطيات عريقة مثل امريكا وبلدان اوربا الغربية – عندما تنازلت الحكومة بجلالة قدرها، عن صلب واجبها التنفيذي، وطالبت مجلس النواب الاسراع في البحث عن مصادر وموارد مالية جديدة غير تقليدية، لدعم الاقتصاد ودعم الجهود للقضاء على الارهاب، . وعلى اثر ذلك عقد مجلس النواب جلسة استشارية تشاورية للبحث عن استراتيجية عصماء ، تكون قادرة ان تضع العراق المنتفض على السكة الصحيحة التي ستوصله الى دحر الغزاة ومن ثم مواصلة خططه التنموية التي قادت البلاد الى الفقر والخراب..

لم يكذب مجلس النواب خبر، ولبى طلب الحكومة الجديدة، وشرع بمرحلة تفكير عميقة، وعلى اثرها تمخض فولد أول خططه العملاقة، والتي تمثلت بعقد أول مؤتمر للإستثمار. وخلال أقل من لمح البصر عقد المؤتمر، بمشاركة الوزراء والنواب، وخرج بقرارات يمكن تلخيصها بمجموعتين :

الأولى البدء بحملة معادية للقطاع العام وللعاملين في مؤسساته، واتهامهم بانهم المتسبب الحقيقي في كل ما تعانيه البلاد. لم استطع ان أفهم كيف استطاعت تلك الكتل والأحزاب التي عاثت في البلاد فساداً، ان تتجاوز خلافاتها المستعصية على الحل، وتتفق بتلك السرعة على شعار موحد : العمل السريع على تصفية القطاع العام .. كنت بحاجة لمن يجلي عني الغُمّة.. لديّ الكثير من المعارف والأصدقاء المثقفين والمتبحرين في أمور السياسة والفكر، لكني لم أكن في حالة تسمح بمزيد من الثرثرة الفلسفية.. بعثت برسالة مقتضبة الى صديق وطلبت منه ان يسأل والدته العجوز، التي أطلت على الثمانين، سؤالاً واحداً فقط : ما هو سر هذه الحملة ضد القطاع العام ؟؟ فجاءني الرد بسرعة تفوق سرعة سقوط الموصل:

" أبوي ما يقدر إلا على أمي " !! وذكرتني بالنكتة السورية التي رويتها لكم، وكانت قد سمعتها مني بعد عودتي الى العراق عام 2003. وهي بالفعل يمكن ان تنفع في فهم سر هجوم سياسيينا على مؤسسات القطاع العام !


 



 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter