|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الجمعة  11  / 9 / 2026                                 د. أحمد فاتح محمد                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

 خطابات ترامب وسقوط العقلانية المؤسسية في واشنطن

د. أحمد فاتح محمد
(موقع الناس)

لم يعد سراً أن المشهد السياسي الأمريكي المعاصر يشهد تحولاً جذرياً يتجاوز بكثير مجرد التنافس الحزبي التقليدي. إننا أمام منعطف استراتيجي خطير يؤشر على خروج دونالد ترامب من عباءة اليمين التقليدي ليتحول إلى إعصار سياسي يجسد "اليمين المدمر" في أبشع صوره. ومن يتابع بدقة الخطابات الأخيرة لترامب بمناسبة الانتخابات النصفية لعام 2026، ولا سيما خطابه الاستثنائي في دالاس، يدرك على الفور أننا نشهد وصول اليمين المدمر إلى أعلى مراحله التدميرية . هذا النموذج الجديد لا يكتفي بتصفية إرث الدولة المؤسسية، بل يمتد ليعصف بالمنظومة الديمقراطية وبشروط العدالة الاجتماعية والقواعد المستقرة للنظام الدولي بأسره.

إن أولى الشواهد على هذا السقوط المريع للعقلانية المؤسسية في واشنطن هو التفريغ الممنهج لشبكة التحالفات الدولية من مضمونها الاستراتيجي، وهو ما يمثل تراجعاً خطيراً عن قيم التضامن الدولي والتعاون المتعدد الأطراف. لقد أثبتت خطابات ترامب الانتخابية الأخيرة أنه لا يقيم وزناً للمؤسسات الدولية أو الشراكات عابرة القارات، بل يصر على إدارة السياسة الخارجية الأمريكية بمنطق الابتزاز المالي العاري و"رأسمالية الكازينو". عندما يخرج زعيم دولة كبرى ليعد الناخبين بعطايا مالية عشوائية مباشرة كـ "منحة الـ 5000 دولار"، ويطالب الجماهير بإعلان الولاء الشخصي المطلق له والتظاهر بأنه هو نفسه في ورقة الاقتراع، فإننا نكون أمام عملية تجريف ممنهجة لجوهر الديمقراطية الدستورية القائمة على سيادة القانون وفصل السلطات وفكرة التعددية الحزبية .

بيد أن هذا الجموح الترامبي المنفلت من كل عقال لا يتوقف ضرره عند حدود المصالح الجيوسياسية لأمريكا أو حلفائها، بل يمثل ضرراً كارثياً على الحضارة الإنسانية كاملة. إن إشاعة الابتذال السياسي، ومأسسة الجهل والتهرب الممنهج من الالتزامات البيئية والدولية كمعاهدات المناخ، كلها تشكل ارتداداً خطيراً بالبشرية نحو نوع من الأنانية القومية الشرسة والربح الفوري على حساب مصير الإنسانية المشترك والمكتسبات الديمقراطية التي ناضلت من أجلها الشعوب . إنها محاولة واعية لتسليع الوجود البشري وإفراغ الديمقراطية من محتواها الأخلاقي والاجتماعي، مما يهدد شروط البقاء السلمي والتنمية المستدامة على هذا الكوكب.

إن شعار "أمريكا أولاً" يتبدد زيفه عندما نرى كيف تستخدم البروباغندا الشعبوية كمسكنات رخيصة لتخدير الوعي للجماهير وتوجيه غضبها نحو المهاجرين والآخر المستضعف، بينما تجري في الكواليس أضخم عملية نهب مقونن للممتلكات العامة عبر تفكيك شبكات الأمان الاجتماعي والصحة والتعليم لصالح كارتيلات النفط والمال وأباطرة التقنية في وادي السيليكون.. وأمام هذا الانهيار المنظم يبرز الأفق التحرري والديمقراطي كحتمية تاريخية؛ إذ لم يعد نضال القوى الحية والشعوب معركة انتخابية عابرة، بل هو دفاع وجودي لاستعادة المجال العام، وتعميق الديمقراطية لتشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، وإعادة بناء التضامن الإنساني في مواجهة تحالف الابتذال السياسي وتوحش رأس المال.
 


 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter