| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأربعاء 11 / 11 / 2015 يوسف أبو الفوز كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
الشعب الفنلندي من جديد يرفض عضوية حلف الناتو !
هلسنكي - يوسف أبو الفوز
(موقع الناس)
في آخر استطلاع للرأي نظمته هيئة الاذاعة الفنلندية YLE حول عضوية فنلندا في حلف شمال الأطلسي أظهر أن 55٪ من الفنلنديين يعارضون ذلك. هناك انخفاض طفيف ارتباطا بالعام الماضي حيث النسبة كانت 58 % بالمئة. انخفض التأييد للعضوية من 26 % إلى 22% . وازداد عدد الأشخاص الذين هم على الحياد بشأن هذه القضية في نفس الفترة من 16 % إلى 23%. هذا يقودنا الى مجموعة من الاسئلة منها: لماذا يعود هذا الموضوع الى الواجهة الان ؟ لماذا يواصل الفنلنديون الحديث عن هذا الموضوع ؟ ومن دون اتخاذ اي قرار؟ بالاضافة الى التراكم التأريخي من حقبة الحرب الباردة، وحاليا الازمة السورية، الازمة في اوكرانيا والصراع على الموارد الطبيعية في منطقة القطب الشمالي، فأن جميع هذه العوامل تقود الى عودة موضوع حلف الناتو في كل مرة !
أعتقد ان هذا الموضوع ، سيظل دائما يحتفظ بحيويته، لأنه مرتبط بالعديد من العوامل السياسية والاقتصادية التي تاتي قبل الاسباب العسكرية. في الانتخابات البرلمانية الاخيرة في فنلندا أبريل/ نيسان كان موضوع حلف الناتو احد الموضوعات الانتخابية التي سلط عليها المرشحون الكثير من الضوء. وفي شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي بدأت وزارة الشؤون الخارجية الفنلندية بإعداد تقريرها عن السياسة الخارجية والسياسة الأمنية للبلاد وفقا لبرنامج الحكومة ولاجل تعزيز موقف فنلندا الدولي، ولتأمين الاستقلالية وسياستها الإقليمية في سبيل أمن فنلندا ، وكذلك لتحسين أمن ورفاهية الشعب الفنلندي . واحدة من النقاط المهمة في التقرير هي تقييم الاثار لاحتمال دخول فنلندا لحلف الناتو !
لا أحد يمكن ان ينسى أهمية عامل الجغرافيا. وهذا يعني ان فنلندا عليها الاهتمام والانتباه الى موقف الدول المجاورة وخاصة روسيا والسويد. في السويد نما الشعور لدعم التحالف العسكري مع حلف الناتو. في استطلاع للرأي اجرته صحيفة سفينسكا داك بلاديت Svenska Dagbladet السويدية في سبتمبر/ ايلول الماضي كانت النسبة لصالح العضوية في حلف الناتو 41% من المشاركين. وقبل ذلك بعام كان المناصرون 31% .
ان فنلندا ، وفي أطار العلاقة مع حلف الناتو، لها تنسيق عال مع جارتها السويد، فقد شاركا فعليا معا في انشطة عديدة للحلف. وزير الدفاع السويدي بيتر هولت غفست Peter Hultqvist تحدث عدة مرات عن توثيق التعاون بين فنلندا والسويد في سياستهما الدفاعية، وان البلدين يسعيان للتعاون في اعداد التقييمات بشأن القضايا المتعلقة بحلف الناتو. رئيس لجنة الدفاع في البرلمان الفنلندي ايلكا كانيرفا Ilkka Kanerva قال لصحيفة "هلسنكى سانومات" Helsingin Sanomat ان البلدين يعدان تقاريرهما الامنية الخاصة على أساس المباديء الخاصة بهما،وأن الاخذ بالاعتبار ما يحدث في البلدان المجاورة، على الجانب الاخر، سيضيف مصداقية أكبرعلى التقارير .
ماذا على الجانب الاخر من الحدود الشرقية .. عزيزي القاريء؟ انها روسيا ! الجار الاكبر لفنلندا، حيث الحدود بينهما تمتد لاكثر من الف وثلاثمئة كيلومترا عبر غابات وبحيرات متشابكة. كما أن المصالح الاقتصادية والسياسية والاجتماعية متشابكة تأريخيا . هذا يجعل فنلندا تفكر بعمق لرد الفعل الروسي لكل خطوة سياسية تقدم عليها .
أن تضارب المصالح الاقتصادية والسياسية بين حلف الناتو وجمهوريات الاتحاد السوفياتي انتقل وتحول الى تضارب المصالح بين الحلف وروسيا. في العقود الاخيرة نجح حلف الناتو ان يضم الى عضويته العديد من البلدان في اوربا الشرقية. هذا التطور جعل روسيا تتخذ العديد من الاجراءات السياسية مع اقتراب حلف الناتو من حدودها، وفي حال ان فنلندا أنضمت الى الحلف مستقبلا .
في فنلندا ظلت قوى اليسار الفنلندية تعارض أي تطور نوعي في العلاقات مع حلف الناتو. القوى السياسية اليمينية التقليدية في فنلندا لها موقف أيجابي من الانضمام للحلف. في الخطب السياسية تبنت الحكومات الفنلندية سياسة "لا لإغلاق الباب". وهذا يتمثل في عدم الانضمام للناتو في المستقبل القريب ولكن في الوقت نفسه عدم إغلاق الباب في التنسيق والتعاون مع الحلف في نشاطاته. وتبعا لهذه السياسة شاركت فنلندا في قوة حفظ السلام في افغانستان، وعدد من المناورات العسكرية للحلف. وقد أغضبت التدريبات العسكرية الجارة روسيا . البعض من الاحزاب اليمينية الفنلندية ، يدعو مباشرة للدخول في عضوية الحلف . النائب بيرتي سالولاينين Pertti Salolainen من حزب الاتحاد الوطني الفنلندي (يمين) ونائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الفنلندي يقول : ان المجموعة البرلمانية لحزبه تعتقد ان فنلندا والسويد يجب أن ينسقا مع بعض ويتقدما معا بطلب العضوية لحلف الناتو .
أن نتائج اخر استطلاع في فنلندا تقول حتى لو ذهبت السويد الى عضوية حلف الناتو، فأن الشعب الفنلندي يجد السلام دون الحاجة للدخول في تحالف عسكري، الذي من شأنه ان يرفع الميزانية العسكرية للبلاد ويشكل عبئا اضافيا على الاقتصاد. أن الشعب الفنلندي يمكنه الاختيار، ان يضع جانبا تاريخ الحروب والصراعات في المنطقة، لكنه لا يستطيع تجاوز الجغرافيا، لأنها تملك دائما حقيقة واقعة، ولا توجد وسيلة للهروب من العلاقات السلمية بين الدول والشعوب المتجاورة. ومن أجل المحافظة على المنجزات الديمقراطية للشعب الفنلندي، فأن السلام مطلوب في المنطقة وضروري جدا .
تجدر الاشارة الى ان العلاقة بين فنلندا وروسيا تأريخية ومرت بمنعطفات كثيرة. من عام 1809 وحتى عام 1917 كانت فنلندا جزءا من الإمبراطورية الروسية. خاضت القوات الفنلندية ضد الاتحاد السوفييتي اثنين من الصراعات العسكرية: حرب الشتاء (1939-1940) وما عرف بحرب الاستمرار (1941-1944). بعد الحرب العالمية الثانية أعتبرت فنلندا نفسها دولة محايدة . في فترة الحرب الباردة حاولت أتخاذ موقفا وسطا بين الكتل الغربية والشرقية. وكانت العلاقة مع الجارة الكبيرة دافئة وباردة على حد سواء ، وتتقلب مع مرور السنين . بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، انضمت فنلندا إلى الاتحاد الأوروبي في عام 1995، والذي وضعها بشكل فعال كجزء من المعسكر الغربي. فنلندا الان تستورد كميات كبيرة من السلع والضروريات الأساسية من روسيا، مثل الطاقة والوقود. روسيا تستورد كمية كبيرة من البضائع الفنلندية، مثل المنتجات الخشبية، ومختلف الخدمات، مثل تكنولوجيا الاتصالات.