موقع الناس http://al-nnas.com/
يوميات ايرانية
( 24 )
عادل حبه
الأحد 12/11/ 2006
مفارقات سجنية
*
انتهت اجواء البهجة والفرح التي سادت السجن، ليستقبل
السجناء سنة جديدة من الأسر والمعاناة. وبدأت تركيبة السجن بالتغير بعد ان دخل
المزيد من الوجوه الجديدة على المجتمع السجني، اثر تزايد نشاط المعارضة الايرانية
وملاحقة الاجهزة الامنية لها واصطيادها. كان اول من انضم الى قافلة السجناء اثنان
من اعضاء "المجمع الاشتراكي" الذي كان يتزعمه خليل ملكي. لقد كان السيد خليل ملكي
احد قادة حزب توده ايران، ثم اختلف بشدة مع الحزب ورفع لواء الخصومة معه لاسباب
تتعلق بسياسة الحزب الداخلية اوعلاقته بالاتحاد السوفييتي والحركة الشيوعية، الى ان
اسس ما سمي بـ "نيروى سوم" او "القوة الثالثة"، ثم تغير الاسم لاحقاً الى "جامعة
سوسياليستها"؛ اي "المجمع الاشتراكي". وقد اصبح هذا التنظيم عضواً في "الجبهة
الوطنية"-المرحلة الثالثة- والتي ترأسها الدكتور محمد مصدق رئيس الوزراء الايراني
الذي اطاح به الانقلاب الذي اشير اليه آنفاً. كان الضيفان الجديدان هما آقلي زاده
وشايگان، وبدا عليهما انهما ينحدران من فئة المثقفين من الطبقة الوسطى. التحق هذان
السجينان الجديدان بغرفتنا التي اصبحت، خلافاً للغرف الاخرى، تضم العديد من
التيارات السياسية الايرانية، اضافة الى اعضاء في الحزب الشيوعي العراقي. فقد ضمت
الغرفة ممثلي الحزب الديمقراطي الكردستاني والفرقة الديمقراطية الآذربايجانية وأحد
العائدين من الاتحاد السوفييتي وهو مهندس كهرباء. كما ضمت الغرفة بعض اعضاء "نهضت
آزادي" وابرزهم مجتبى مفيدي، وعدد آخر من السياسيين الايرانيين من التيار الديني،
وكان آخرهم اعضاء "مجمع الاشتراكيين". لقد شرع القادمان الجديدان منذ اليوم الاول
بالنقاش مع السجناء اليساريين حول حزب توده ايران والاخطاء التي ارتكبها!!، وتزكية
الحركات السياسية الاخرى التي كانت تتحمل المسؤولية فيما آل اليه الوضع في ايران،
وخاصة الجبهة الوطنية التي كانت السلطة بيدها. وإنقسمت الغرفة الى شقين، الفريق
الاول كان يدافع عن حزب توده ايران دون ان يتجاهل اخطاء الحزب، هذا الحزب الذي كان
محضوراً منذ عام 1949 بعد اتهامه بمحاولة اغتيال الشاه وحتى في فترة المرحوم
الدكتور محمد مصدق الذي كان على صلة مستمرة مع الحزب، الا انه لم يرفع هذا الحظر.
اما الفريق الثاني فكان ينسى او يتجاهل كل اخطاء الآخرين ويلوم حزب توده ايران
ويلقي المسؤولية عليه وحده عن مسار الاحداث. كان النقاش يتعالى احياناً ولا يخلو من
تعصب وعصبية، ولكن سرعان ما يخفت وتعود البسمة على شفاه الجميع، عندما يتذكرون انهم
ضحية استبداد واحد ووحيد هو الاستبداد الشاهنشاهي، وانهم "ضيوف" هذا الاستبداد في
هذا الجب اللعين. انهم يدركون جيداً انهم يعيشون في غرفة واحدة وما عليهم الا
احترام الرأي والرأي الآخر، أي تطبيق الديمقراطية بدون ان يؤمن البعض بها، فللضرورة
احكام. وعلى هذه الصورة يفرض على السجين التعامل ديمقراطياً مع المخالفين له
بالرأي، وتتحقق الحكمة القائلة:"رب ضارة نافعة".
كان يجلس الى جانبي في الغرفة سجين في منتهى الصمت والهدوء. و للاسف تخونني الذاكرة
الآن، ولا استطيع ان اتذكر اسمه. انه شاب من اهالي سمنان في محافظة خراسان. وكان
هذا السجين قد غادر إيران في نهاية الاربعينيات او بداية الخمسينيات الى الاتحاد
السوفييتي اثر تعرضه للملاحقة بسبب انتمائه الى حزب توده ايران. ولكنه عاد الى
بلاده طواعية بعد ان حصل على شهادة في الهندسة الكهربائية من جامعة لومونوسوف في
موسكو. وحكمت عليه المحكمة العسكرية في طهران بالسجن لمدة عشر سنوات لهروبه الى
الاتحاد السوفييتي، وهو ما يعني التجسس بعرف كل الحكومات الايرانية. كما وجهت
المحكمة الاتهام اليه بعضوية حزب توده ايران المحظور ايضاً. كان هذا المهندس يقضي،
عند قدومنا الى السجن، الشهور الاخيرة من سجنه. كان يلتزم الصمت على الدوام ولا
يجيب على اي تساؤل ولا يعلق على اي كلام او حدث. فقد كان غالباً ما يحتضن كتاباً ما
وينغمر في قرائته دون ان يولي اي اهتمام بما يحدث في الغرفة على الاطلاق. وانفرد
هذا السجين بإدارة شؤونه اليومية، فهو لم يشارك في اي من "المشاعيات"، وفضل العيش
لوحده. كنت احاول ان اتحدث اليه الا انه كان يتجنب الحديث، ويكتفي فقط بالجواب على
تحياتنا صباحاً عند استيقاظنا من النوم. حاولت التحدث معه باللغة الروسية التي قدرت
انه يتكلمها، ولكنه كان يتجاهل بأدب كل مبادراتي. اعجبني أدب هذا الانسان ووسامته
وعزة النفس لديه، ولكني كنت في حيرة من سلوكه الغريب. فالسجين يحتاج عموماً الى من
يفتح قلبه ووجدانه له ليخفف من معاناته، في حين كان هذا الانسان النبيل يتفادى
بإصرار الاختلاط او الحديث سوى مشاركته في بعض الاحيان بلعبة النرد. في احد
المناسبات اقترب مني العزيز غفور ابراهيمي، وهمس في إذني عن توفر قدر من النبيذ،
الذي صنعه من "الكشمش"، في معيته. وسألني ان كنت اميل الى تناول قدر منه ام لا.
اجبته بالايجاب وطلبت منه كأسين صغيرين لا كأساً واحداً، بحيث استغرب غفور من ذلك.
اخذت الكأس الثاني وقدمته الى المهندس السجين الذي بادرني يالسؤال: ما هذا؟. اجبته
على الفور وباللغة الروسية انه "ڤينو"؛ اي نبيذ. لم يرفض الرجل، وجرع النبيذ بسرعة
وبدون تردد وحتى الثمالة وعلى الطريقة الروسية. وسرعان ما تفتحت قريحته وأساريره
وابتسم. وعندها فقط راح جاري يروي آلامه ومعاناته. فبعد وصوله لاجئاً الى الاتحاد
السوفييتي، انخرط الشاب في دورة لدراسة اللغة الروسية، ثم تم قبوله للدراسة في
جامعة لومونوسوف في فرع الهندسة الكهربائية. وتعرف اثناء دراسته على زميلة له في
غاية الجمال والثقافة. وتطورت علاقات الزمالة هذه الى علاقة رومانسية بين شاب وشابة
يحب احدهم الآخر، ربما بأمل الزواج وتكوين العائلة وتحقيق احلامهما في ذلك شأنهما
في ذلك شأن سائر عباد الله. وفي احد الايام اختفت الحبيبة ولم يعد لها أثر حتى عند
اوليائها. اصيب الشاب العاشق بالصدمة دون ان ينتابه اليأس من لقاء حبيبته من جديد.
وبعد أسبوعين حضرت الطالبة من جديد الى الجامعة، ولكن في هيئة وسلوك غير عاديين،
وقد بانت عليها انها قد تعرضت الى ممارسة مشينة، واصيبت بالهلوسة أو بمس من الجنون.
كانت تبكي على الدوام عند طرح اي سؤال عن سر اختفائها المفاجئ، الى ان باحت لحبيبها
بالسر. فقد جرى اختطافها من الشارع من قبل زبانية "بريا"، وزير داخلية ستالين الذي
اعدمه نيكيتا خروتشوف بعد وفاة ستالين، ثم كالعادة اغتصابها. ولا يعود هذا التعامل
المخجل مع هذه الشابة الى كونها تنشط في منظمة سرية معادية للنظام او زل لسانها
وتفوهت بعبارات تتضمن استيائها منه، بل بسبب من كونها جميلة اراد هؤلاء الزبانية ان
يحققوا عبرها رغباتهم المريضة الشريرة. ان هذه الممارسة البغيضة تشبه بما يحدث من
قبل ازلام الانظمة الاستبدادية في بلداننا من الذين يعتبرون الدولة وكأنها ضيعة لهم
يصولون فيها ويجولون ويعبثون دون أي حسيب او رقيب ولا مسائلة قانونية. ومع مرور
الوقت اصيبت الشابة بالجنون كلياً، وقيدت الى مستشفى المجانين. لقد ادى هذا الحدث
المرير الى اصابة الحبيب بالخيبة والصدمة العصبية، وغامر وقرر مغادرة الاتحاد
السوفييتي والعودة الى بلاده. وها هو أمامي قابع معنا في سجن قصر يعد ما تبقى من
مدة محكوميته ليباشر حياته من جديد ومن الصفر. خلال حديث هذا الجار الذي تفوه
أخيراً ببضع كلمات، شعرت بألمه وخيبته من أن يحدث مثل هذه الواقعة في ظل نظام كان
يأمل في ظله تحقيق كل الاهداف الانسانية النبيلة. وبعد هذا الانفتاح توطدت العلاقة
بيننا سواء في مجال الحديث باللغة الروسية تارة او تبادل الكتب باللغة نفسها او
اللعب بالنرد مما أثار إنتباه الجميع.
لا تكاد تخلو تلك الايام من الاصغاء الى حكايات مؤلمة ومضحكة من السجناء حول
اعتقالهم وتعذيبهم والحكم عليهم من قبل المحاكم القراقوشية الايرانية؛ أي "ديوان
بلخ" كما يسميها الايرانيون. وكان اكثر ما يثير الضحك من هذه القصص الطريفة هي
الرواية التي تنقل عن السجناء الكورد الذين اعتقلوا في عام 1959، ومن بينهم
العزيزغني بلوريان، معلمي القادم باللغة الكوردية، وعزيز يوسفي وعبد الرحمن قاسملو
وآخرين. وكان من بين المعتقلين شخصية تدعى جوانمرد قاضي، وهو من عائلة الشهيد قاضي
محمد. فقد "اعترف" هذا الشخص بفعل التعذيب بكل ما طلب منه الجلادين الساواكيين بدءأ
من "التجسس" لحساب الاتحاد السوفييتي، وهو الاتهام الذي إعتاد الجلادون فرضه على
ضحاياهم من تشديد الاحكام عليهم، وانتهاءاً بـ "إعتراف" مضحك يشير الى انه غادر
الاتحاد السوفييتي على متن غواصة سوفييتية تغلغلت الى داخل كردستان ايران..!!، ورست
على شاطئ بحيرة أرومية في محافظة آذربايجان الغربية؟؟. وصدق حتى الحاكم العسكري
الأمي هذه التلفيقات المضحكة دون ان يدقق في الجغرافيا. فهذه المنطقة لا يفصلها عن
الاتحاد السوفييتي اي بحر او معبر مائي أو جدول كي تستطيع الغواصات السوفييتية
إختراق حريم كردستان إيران. ولم يعترض حتى جوانمرد قاضي في المحكمة على ذلك لدفع
البلاء، وسارت الامور على هوى ميشتهيه جهاز الساواك، وحكم على المسكين بأحكام
طويلة.
في مساء احد الايام وفد الى السجن معتقل جديد على جسمه لباس رث، وتبدو عليه علامات
الوهن والتعب وربما من أثر التعذيب. جلس هذا المسكين في الرواق بإنتظار تدبير مكان
له في أحد الغرف. أثار مظهره العطف والفضول لدى السجناء في آن واحد. وحاولت
الاقتراب منه والسؤال عن سر قدومه الى قاطع السياسيين في سجن قصر. كان يحاول تفادي
الاسئلة التي اطرحها وتجاهلني. ولكن بعد ان ضيفته بقدح من الشاي، بدء بسرد حكايته.
اعتقل هذه العامل البسيط من قبل ازلام الساواك لشكوك حوله بكونه احد النشطاء
اليساريين المعارضين. وبعد "المزاح الثقيل" لرجال الساواك معه، طلبوا منه شتم كل من
كارل ماركس وفردريك أنجلز، لجس النبض حول ما إذا كان ينتمي او يتعاطف مع جهات
يسارية. تردد هذا الرجل في الشتم بدعوى انه لايعرف هؤلاء الناس. ولكن "المزاح"
استمر معه مما اضطره الى ان يحلف لهم بالله ورسوله والائمة المعصومين انه "لايعرف
ماركس ولا أنجلز ولا لينين!!". ضحك الجلادون وقالوا اننا لم نطلب منك ان تشتم
لينين! إذن انت تودوي وشيوعي كامل العيار. ثم قدموه الى المحكمة العسكرية التي حكمت
عليه بثلاث سنوات كاملة، سنة واحدة لخاطر عيون كل من ماركس وأنجلز ولينين. ضحكت
وقلت له لماذا تذكرت لينين وهم لم يطلبوا منك شتمه؟. اجاب الرجل بمرارة :الذنب ليس
ذنبي بل ذنب الشيوعيين الذي يطبعون ويرفعون صور ماركس وأنجلز ولينين سوية في مناسبة
او غير مناسبة، مما دفعني الى الظن بأنهم ذكروا اسم لينين أيضاً وطلبوا مني شتم
هؤلاء الثلاثة جميعاً؛ أي ماركس وانجلز ولينين، وزلّ لساني وذكرت اسم لينين!!.
وهكذا قضى هذا السجين ثلاث سنوات من عمره جراء زلة لسان و يصبح ضحية لـ "ذنب"
الشيوعيين وتقاليدهم وإصرارهم على رفع صور الثلاثة سوية على حد قول عاملنا ذي الحظ
العاثر.
تتوفر الفرصة للسجين في سجنه الإطلاع على الكثير من سلوك البشر بحسناته وعيوبه على
حد سواء. ولذا يعد السجن مكاناً فريداً في هذا الاطار. وكان من بين هذه المفارقات
المضحكة هي تلك المزايدات القومية أو المناطقية بين السجناء من ممثلي مختلف
القوميات. بالطبع إنه لمن الطبيعي ان يعتز الانسان بشعبه او بقوميته او مدينته، وهو
شعور واحساس إنساني مبرر ومفهوم. ولكن ما هو غير مبرر هو التعصب الذي غالباً ما
يطغي على حديث البشر حول هذا الاعتزاز والتفاخر القومي. عاش في الغرفة المجاورة لنا
سجين آذري اسمه رفعت، وهو من المحكومين بسبب علاقته بالفرقة الديمقراطية
الآذربايجانية. وعلى الرغم من ظاهر الوقار والهدوء والجدية الذي يبدو عليه، الا أن
هذا الظاهر يخفي وراءه شخصية أخرى تتميز بالطرافة وحب النوادر والنكات وإثارة
الآخرين كي يسود جو من المرح والضحك. كان غالباً ما يثير بعض اصدقائه الكورد الذين
يشاركونه الغرفة نفسها. ويبدأ رفعت على سبيل المثال بتعداد محاسن كل ما هو آذري بما
فيه "مشمش مرند" الآذربايجاني الذي يتميز بالفعل بالطراوة والطعم اللذيذ. عندها
يأتي الرد سريعاً وبإنفعال من معروف، السجين الكوردي من أهالي مهاباد، ليرد على
رفعت ردأ مفعماً حول محاسن المشمش في مختلف بقاع كردستان ايران وافضليته على المشمش
المرندي. وتستمر هذه المزايدات وصولات التفاخر وتطول بين السجناء الى أن يفاجئ رفعت
الطرف الكوردي بمفاجئة جديدة. فقد طرح رفعت بقدر من الحيلة والدهاء والضحك ايضاً
التحدي التالي: ان مومسات تبريز هن افضل مومسات في ايران!! هنا التزم معروف الصمت
ويتجمد في مكانه. فهذا شئ لا يمكن التفاخر به قومياً. عندها سكت معروف حيراناً، إذ
كيف له ان يرد على حريفه وينبري له ويواجه تحديات "مفاخر" مدينة تبريز. ولكن وبعد
حين يتقدم معروف الى "الميدان" وصاح بأعلى صوته وبعصبية وإنفعال :لا ياسادة ان افضل
المومسات هن من مدينة مهاباد!!، وغادر الغرفة على عجل وسط ضحكات وتعليقات السجناء
الساخرة والمندهشة من هذا "التفاخر" القومي.
كان يوم السبت من كل اسبوع هو اليوم المحبب للسجناء عموماً. ففي هذا اليوم يخرج
السجناء من قاطع رقم 3 ليذهبوا الى التمتع بالحمام الاسبوعي مخترقين الباحة
الرئيسية للسجن. كما ان هذا اليوم يرتبط بتهيئة افضل الاكلات المحببة للسجناء وهو
"آب گشت"؛ أي "ماء لحم" على الطريقة العراقية. ولا يخلو هذا اليوم من بعض الطرافة.
فعندما نخرج من القاطع في طابور منتظم، نتجه يساراً في محوطة السجن الرئيسية، ثم
نتجه يساراً أيضا لنصل الى الحمام الكبير الذي يتسع لأكثر من 200 شخص. وقبل أن نصل
الى الحمام يواجهنا مبنى جديد ضخم هو سجن النساء، الذي لا يحيطه الا جدار واطئ
نسبياً قياساً بالجدران التي تحيط بالقواطع الأخرى. وهذ يجعل من الممكن بالنسبة
للسجينات رؤية كل من يتجه الى الحمام. وفي نفس يتسنى للسجناء رؤية "الحواري"
السجينات اللاتي غالباً من المتهمات بالمواد المخدرة والسرقة. وأصبح من المعتاد ان
نسمع صيحات "الحواري"، وهن يتلفظن بكلمات "الاعجاب" و "العبارات المكشوفة" ويعرضون
عن بعد مفاتنهن أمام السجناء السياسيين. وتتصاعد الإثارة عندهن، وهن المحرومات من
الجنس الخشن، الى حد توسلهن ولو بزيارة "شفهية" لهن أو تلويح باليد من قبل "آقايان
سياسيها"؛اي "السادة السياسيون". اما رد الفعل لدى طابور "السادة السياسيين" فكان
يتسم عموماً بالوقار والمتانة، حفاظاً على سمعتهم كسياسيين وعدم خدشها أو إثارة
"الشبهات" حولهم خاصة امام حراس السجن. ولا يبدي هذا الطابور اية ردود فعل تخفف من
هيجان "السيدات" القابعات في سجن قصر. الا أننا كنا نرى بعض السجناء، وخاصة من ذوي
الاحكام الثقيلة والذين حرموا لسنوات طويلة من رؤية مثل مشاهد الجنس اللطيف، وهم
ينتهزون الفرصة لإلقاء اطول نظرة على "السيدات" والتمتع ولو عن بعد بالأيادي
البيضاء التي تلوح لهم. كما كان هناك البعض من التيار الديني السياسي ممن يكتفي فقط
بترديد التعاويذ والآيات التي تعوذ من الشيطان الرجيم كي تبعد الابالسة وتنجيهم من
الوسواس الخناس و يحافظوا على إيمانهم ولا ينزلقوا الى مطب ملذات الدنيا الفانية.
وبعد اتمام مراسيم الحمام التي تمتد الى أكثر من ساعة في العادة، يعود الطابور مرة
أخرى بكامل وقاره متجهاً نحو القاطع رقم 3 وسط "تهليل وإعجاب" اكثر من قبل بنات
حواء وإطلاق كلمت "حمام العوافي"، خاصة بعد ان بانت على "السادة السياسيين" مظاهر
النظافة والأناقة.
مرت أسابيع وأسابيع على عيد النوروز لنفاجئ في أحد الامسيات بقراءة اسم افراد
المجموعة العراقية الواحد تلو الآخر للتوجه في صباح اليوم التالي لمواجهة الادعاء
العام العسكري؛ أي "دادستان آرتش". إن هذه الدعوة تعني بالدرجة الاولى الاستعداد
للمثول امام المحكمة العسكرية. إذن حسم الامر وتبددت الشكوك حول مصيرنا، حيث لم يعد
أمامنا الا مصير واحد و هو المثول امام المحكمة وانتظار الحكم. هذا الامر قد قلل من
حالة القلل وحالة الانتظار المتعبة من ناحية، ولكنه وضعنا في حالة نضرب فيها
الاخماس بالاسداس حول طبيعة حكم المحكمة القادم. في اليوم التالي استيقظنا صباحاً
ولبسنا ملابسنا وخرجنا الى ادارة القاطع، "زير هشت"، ليجري التفتيش المعتاد وقراءة
الاسماء ولننتقل الى الادارة الرئيسية للسجن عند البوابة الرئيسية لسجن قصر. فتحت
الابواب الضخمة لنجد سيارة نقل السجناء العسكرية عند البوابة مباشرة، وحشرنا داخلها
لنجد امامنا عدداً من السجناء وبينهم بعض المعممين. ادركنا انهم من المتهمين
السياسيين ويتوجهون معنا الى النيابة العسكرية في وسط مدينة طهران. سلكت السيارة
طريقها وفي ظل حراسة عسكرية مشددة نحو الشارع الرئيسي في طهران وهو شارع پهلوي،
شارع ولي عصر حالياً، بدون ان تعصب اعيننا. كنا نرى الناس تسير في الشوارع لاول مرة
منذ اعتقالنا قرابة السنة. وخلال توجهنا الى النيابة العامة عبر هذا الشارع بدء
السجناء من التيار الديني يرددون ضاحكين تارة "لا اله الا الله" وتارة "استغفر
الله". استغربنا من هذا الترديد المستمر وهم يحدقون في خارج السيارة من خلال الفتحت
الصغيرة المكرسة للتهوية. هذا التكرار أثار فضولنا نحن المجموعة العراقية من هذا
الترديد الممل، اعتقدنا ان ذلك ضرب من الهتافات السياسية التي اعتاد السياسيون
الاسلاميين اطلاقها. عندها أنبرى العزيز سعيد وسأل أحد المعممين باللغة العربية عن
سبب ذلك؟. وعلى الفور نصحنا هذا الرجل بأن نوجه ابصارنا خارج السيارة. وبالفعل
نظرنا من خلال الفتحات الصغيرة الى حشد من الناس يقوم اما بالتبضع او التجوال،
وبينهم ارتال من الصبايا اللاتي يلبسن موضة ذلك الزمان "الميني ژوب"، الى جانبهن
أخريات "ملتحفات" بـ"الچادور"؛ اي العباءة الايرانية. وأدركنا أنه عندما يرى هؤلاء
السجناء الفتيات المارات بالميني ﮊوب تتعالى اصواتهم بـنداء "لا اله الا الله" أي
العجاب بهذا المنظر، اما اذا مرت النساء من اللواتي يلبسن الچادور، فيتعالى نداء
آخر هو "استغفر الله" تعبيراً عن الاستياء. علت الابتسامة على شفاه الجميع وهم
يمارسون اويشاهدون دعابة "المؤمنين".
وصلنا الى مقر النيابة العامة العسكرية بعد حين، لنرى وضعاً استثنائياً وإستنفاراً
غير عادي في المبنى الكبير. نقلنا مقيدين الى أحد الغرف، وشاهدنا خلال ذلك مجاميع
من السجناء تتجه الى غرف أخرى مجاورة. عرفنا بعد ذلك ان هناك مجموعتان اخريتان يعد
العدة لهما بالمحكمة؛ اي المجموعة المتهمة بإغتيال رئيس الوزراء حسن علي منصور
والمجموعة التي حاولت إغتيال الشاه. إذن ستجري ثلاثة مرافعات في آن واحد، احدها
مكرسة للنظر في قضيتنا نحن المجموعة العراقية. بعد حين دخل الغرفة احد ضباط الجيش
ليطلعنا على الاتهام ومجريات المحكمة وغيرها من الشكليات. وتبين أن الاتهمات تتضمن
التجسس والنشاط ضمن مجموعة تنادي بالاشتراكية ثم التزوير وعبور الحدود بصورة غير
شرعية. ثم أشار الضابط الى أن أقصى حكم في هذه الإتهامات هو الأعدام رمياً بالرصاص.
كنت أنا المتهم الاول ويلي ذلك المتهم الثاني كاظم المالكي والثالث سعيد المسعودي
والرابع محمد الحمداني والخامس محمد حسن عيدان والاخير محمد علي سيادت. طلبنا ان
نوكل لنا محامي من أحد البلدان العربية. ولكن الضابط رد بحزم وقال انها محكمة
عسكرية وسوف تعين المحكمة محامي خاص بكم. وتلى علينا اسم المحامي وهو العقيد
المتقاعد شاهقلي، احد افراد مجموعة المحامين التي عينها الادعاء العسكري الإيراني
للدفاع عن المرحوم الدكتور محمد مصدق بعد الاطاحة به. اكملت الاجراءات الشكلية
سريعاً على امل ووعد بأن نطلع على ملف التهام والتهم الموجهة وموعد المحكمة. وهكذا
قادونا من جديد الى سجن قصر.
*
تخونني الذاكرة الآن، وبعد مرور حوالي اربعة عقود، في
استذكار اسماء الذين عايشوا هذه الذكريات، وعذراً للقارئ الكريم على هذا النقص .
يتبع