عادل كنيهر حافظ
الأربعاء 22/4/ 2009
كيف احتفل بعث العراق بعيد ميلاده الحادي والستينعادل كنيهر حافظ
من المعروف ان حزب البعث هو حزب غير تقليدي كما يقول مؤسسه ميشيل عفلق لذلك من الطبيعي ان تكون احتفالاته التي يقيمها بمناسبة اعياد ذكرى تأسيسه هي تبعا لذلك استثنائيه وغير تقليديه , وهو الان يؤكد بما لا يدع اي مجال للشك ذلك التميز الموضوعي عندما احيا مناسبة عيد ميلاده في يوم السابع من نيسان بتفجير سبعة سيارات في مدينة بغداد ذهب ضحيتها ما يقارب المائه والخمسين انسان بين قتيل وجريح ، الحال الذي ادخل الحزن والاسى في قلوب المئات بل الالاف من افراد عوائل المغدورين واقاربهم واصدقائهم . ثم راح يتبجح منتشيا بما فعل معلنا على موقعه في شبكة الانترنيت ( ان الامن والاسقرار سوف لا ولن يتحقق في العراق والبعث متواجد ويقود المقاومة الشريفة....) وهذه المقولة اخذتها قناة الشرقية وبثتها على لسان احد البعثيين المنتمين شكلا لواحدة من الكتل البرلمانية وهي ان الامن والاستقرار لا يمكن تحقيقه الا بمصالحه وطنيه حقيقيه تشمل الجميع وكأنها تقول بكلمتي الحقيقيه والجميع ان الاستقرار في العراق مرهون بارادة البعث واتباعه...,وهكذا يقودنا المشهد الدامي لضحايا التفجيرات البعثية والتغطية الاعلامية لذلك المشهد البالغ الهمجية والسادية والاجرام الى مدى خسة ونذالة وعدم وطنية الفاعل ومن غطاه اعلاميا وتسميته انهيار امني بدلا من نعته بالفعل الاجرامي . الامر الذي يجعل المواطن العادي في حيرة متسائلا عن تلك الثنائية الغريبة ثنائية القتل والاحتفال بعيد تأسيس البعث !! الا ان الامر غير عصي الفهم لكل متتبع لاسباب وخلفية تأسيس حزب البعث ونشوئه في بعض البلدان العربية , وكيف هي حركته ومسيره في سياق وجوده السياسي ومراحل تطوره , وماهي علاقاته مع المجتمع وقواه السياسية والعسكرية , وماهي آفاق تطوره اللاحق , حيث لا يجد ثمة غرابة في سفك دماء الابرياء بدم بارد من حزب تأسس بدوافع وضرورات مكافحة اليسار والشيوعية التي كسبت شعبية كبيرة في بعض البلدان العربية مثل سورية ولبنان وفلسطين والعراق كما يشير الى ذلك الدكتور منير السماوي ص86 في كتابه الموسوم ميشيل عفلق ,وهذا الامر وجد تعبيره العملي بما قام به حزب البعث من مجازر للشيوعيين العراقيين واصدقائهم منذ اواخر الخمسينات حتى مطلع الالفية الثالثة اي قرابة نصف قرن وسيف البعث يعمل في رقاب الشيوعيين حتى في ايام التحالف معه مما اضعف الحزب بالاضافه الى اخطائه الذاتية الى الحال التي معها لا يمكنه ان يوصل حتى خمسه من اعضائه الى قبة البرلمان العراقي بعد ان كان اكبر قوة سياسية في العراق واكبر حزب شيوعي في الشرق الاوسط والحزب الذي له شرف المساهمة الكبيرة في تحرير العراق من الاستعمار البريطاني ومن حكومة نوري سعيد العميلة واخراجه من حلف بغداد وحرمان شركات النفط من التنقيب في باقي الاراضي العراقية بموجب قانون رقم ثمانين وتوزيع الاراضي على الفلاحين بعد اخذها من الاقطاع وغيرها من الخطوات الوطنية لثورة الرابع عشر من تموز المجيدة التي اغتالها البعث بانقلاب شباط الاسود بعد ان تآمر عليها بمساعدة المخابرات الامريكية واقام محلها نظامه سئ الصيت الذي اقامه على جماجم اكثر ابناء العراق وطنية واستعداد للتضحية في سبيل الوطن واولهم قائد الثورة المرحوم الشهيد عبد الكريم قاسم وماجد محمد امين ووصفي طاهر وجلال الاوقاتي وفاضل عباس المهداوي وداود الجنابي وسلام عادل والحيدري ومحمد العبلي ومئات من الابرار الاخرين . وعلى الرغم من سقوط نظام البعث المشؤم بعد تسعة اشهر الا انه ترك جرحا غائرا في جسد الشعب العراقي نتيجة لما قامت به قطعان الحرس القومي من اعتداءات على كرامة المواطنين وشرفهم وسلب اموالهم. تلك الفواحش التي يشير الى بعضها كتاب المنحرفون الذي اصدرته دائرة التحقيقات في زمن حكومة عارف التي اقصت البعث من الحكم . وبدلا من ان تجتمع قيادة البعث بعد ان اقصيت من الحكم وتراجع سياستها لتتعظ من اخطائها وتتحالف مع المعارضة العراقية لتكوين جبهة عريضة يحتد بها في المفاوضات مع حكومة عارف التي كانت تريد عمل شئ تظهر فيه اخلاصها للوطن والشعب , راح ازلام البعث سادرين في غيهم يتآمرون على حكومة عارف وظل البعث على مواقفه السابقة حيث يقوم بأعمال دونية تسئ للاخلاق والذوق والمقدسات الدينية ويتهم القوى الوطنية الاخرى بأرتكابها كما يقول الاستاذ حسن العلوي كنا نمزق القرآن الكريم ونشيع بأن الشيوعيين الكفرة قد مزقوا كتاب الله ...! . الا انهم وبعد ان ركبوا القطار الامريكي كما يقول الركابي وصالح السعدي تمكنوا من العودة للحكم ثانية . وكان المرتجى والمؤمل ان يستفيد البعث من تجاربه حسب اقوال بعض قيادييه لكن الحياة دلت على عكس الاقوال حيث اوغل البعث في سياساته المدمرة التي تنطلق من وتستند على وتعود الى نفس المبدأ وهو مبدأ الحفاظ على السلطة . ذلك المبدأ يفسره صدام حسين في حديثه لجلاسه في اجتماع الجبهة الوطنية الثالث ( اننا في حزب البعث نخاف على السلطة من ضلنا لاننا في السلطة حزب وخارج السلطة زمرة ثم توجه الى السيد عامر عبدالله الذي ابدى استغرابه من ذلك الحديث قائلا انتم الشيوعيين في كل الاحوال حزب وان منظمة حزبكم في مدينة البياع هي اكثر عددا من المجموعة التي صححت ثورة17 تموز في يوم 30 تموز . ) هذا ما سمعته مباشرة من احد الحاضرين لذلك الاجتماع والذي لا يزال حيا يرزق . وما قاله صدام قد تجلى تبعا في سياق سياسات البعث الاجتماعية والاقتصادية وتعامله السياسي والاداري لمؤسسات الدولة المدنية والعسكرية وعلاقاته مع المنظمات والاحزاب والقوى السياسية في داخل الوطن وخارجه ومع المحيط الاقليمي والدولي . ودلتنا تلك السياسات على ان مبدأ الحفاظ على السلطة هو الذي منع من اشتراك اي حزب في السلطة ودفع البعث لتصوير كل قوى واحزاب العراق بأنها متآمرة عليه وخائنة للوطن تبعا لذلك , لذلك يحق له ان يستخدم كل اساليب القمع والتنكيل والاقصاء ضدها , ويفلسف ميشيل عفلق تلك السياسات في احدى مقالاته وبعد توقيع ميثاق الجبهة الوطنية مع الشيوعيين بحوالي عشرين يوماً قائلا( نحن نناضل ضد عدوين رئيسيين هما الامبريالية والشيوعية لكننا نناضل ضد الشيوعيه اولا ونضالنا ضد اي حزب شيوعي في اي بلد عربي هو لمنعه من كسب شباب الوطن لجانبه لاننا نريد ان نكسب هؤلاء الشباب لنضالنا ضد الامبريالية...) ثم يجمع صدام رجال الصحافة البعثيين ليطلب منهم ان يجدوا له افضل الطرائق والسبل لمحاربة الحزب الشيوعي العراقي كما يقول الاستاذ حسن العلوي في احاديثه لاحدى الفضائيات وذلك بعد عشرة ايام من توقيع ميثاق العمل الجبهوي مع الحزب الشيوعي ....) ثم يخاطب صدام مندوبي المؤتمر القطري التاسع قائلا (نحن كنا نؤجل قيام وتشكيل المجلس الوطني لاننا لم نكن متأكدين من التحالف مع الشيوعيين لذلك لا نريد ان نعطيهم منبر يناضلون من خلاله ضدنا...)!! . وهكذا يتعزز مبدأ الحفاظ على السلطة حتى يعلو على مبادئ الوطنية والحرية والديمقراطية والوحدة والاشتراكية والشرف والقومية وكل ما كتبه البعث في ادبياته من مبادئ واهداف يناضل من اجلها لا بل سحق تلك المبادئ والاهداف في سياق نضاله من اجل البقاء في الحكم . وتوسل في ذلك المسار ابشع واخس وانذل الوسائل والطرق حتى افرغ العراق من القوى والاحزاب الوطنية بعد ان نصب لها المشانق وتعدى ذلك الى ارتكاب اكبر جريمة ضد الشعب العراقي عندما ازهق وعوق اكثر من مليون شاب عراقي في حربه غير المبررة ضد الجارة المسلمة ايران وما نتج عنها من تدمير لبنية الشعب الذي تجاوز فيه عدد الارامل المليونين ارملة وقرابة الاربع ملايين يتيم من الاطفال ثم هجم على كردستان واستباح المدن والقرى واحرق الزرع وقتل الضرع ودفن ابنائها وبناتها احياء بعد ان شوى اجساد اطفال حلبجه بنيران السلاح الكيمياوي وتمادى في جرائمه الى العبث بالطبيعة وتجفيف الاهوار ولم يكتفي بالحروب التي كلفت العراق ما لا يعد ولا يحصى وجعلته مديونا بحوالي 240 مليار دولار وانما تعداها ليجتاح البلد الجار العربي المسلم وهو دولة الكويت الشقيقة التي وقفت حكومتها مع صدام في الحرب ضد ايران . وبعدها قمع انتفاضة الشعب ضده بعد الهزيمة المذلة وما تبعها من هدر لسيادة العراق في بنود معاهدة صفوان وقبلها من تنازل عن نصف شط العرب لايران في معاهدة الجزائر المذله واعطاء قسم من الاراضي الحدودية الى المملكة الاردنية ثم غض الطرف عن بعض الاراضي الحدودية في كردستان التي ضمتها ايران الى حدودها مثل منطقة دوله تو وغيرها وقبلها تنازل عن مناطق في الربع الخالي وبعض المناطق الحدودية مع الكويت, وبدلا من ان يهدئ من روع الشعب العراقي المفجوع ,راح يضطهد الناس ويطرق على ظهر الشعب حتى اوصله الى الحال الذي يقبل معها بالاحتلال الخارجي للبلاد على ان يتخلص من حكمه المحلي الذي ضاق به ذرعا .ولكن بعث العراق لم يغادر امانيه الضالة في العودة للحكم وتقاسم مناصب حكم الدولة ومؤسساتها على اساس الشرعية (الثورية ) وليس الشرعية الدستورية . هذا بدل الاعتذار للشعب والاعتراف بالخطيئة والتنازل عن اسم البعث وجمع ما تبقى من منتسبي الحزب والاعتراف بالعملية السياسية والدخول فيها تحت مسميات اخرى اصر بعث العراق على سياساته المضرة بالشعب والوطن وراح يستقدم رجال القاعدة الارهابيين ويسكنهم في بيوت منتسبيه ويقدم لهم الطعام ويشخص لهم الهدف ويدلهم على مكانه ويطلبون المساعدات المادية والمعنوية والاعلامية واللوجستية , ليبدأ مسلسل القتل العشوائي لجماهير الشعب العراقي بالجملة وعلى الهوية وتهجير السكان الشيعة من مناطقهم الامر الذي حدا بالمليشيات التابعا للسطا والمواليا للشيعا ان ترد عليهم بالمثل ليراق مزيدا من دم العراقيين وتصل البلاد الى حافة الحرب الاهلية لولا غيرة وشهامة ابناء العشائر ومبادرتهم للوقوف بوجه المجرمين من رجال القاعدة والعرابين من ازلام صدام وتحسين الوضع الامني رغم محاولات البعث واتباعه السير على ذات الطريق المؤذي للشعب والوطن وظنه بانه الطريق الذي يوصله الى دست الحكم . وجرائم البعث في العراق لا تدع اي مجال للعجب والاستغراب ان يفجر سبعة سيارات ويملأ الارض دما لضحايا لا يعرفون سبب قتلهم وذلك بمناسبة ذكرى تأسيسه الحادية والستين وان شاء فهو لا يتوانى عن تفجير سبعين الف سيارة بين ابناء الشعب العراقي وحرق مدن باهلها اذ اوصله ذلك الى كرسي الحكم .اما مصلحة الوطن والشعب العراقي فهي امور تافهة قياسا الى ذلك الكرسي والحديث عنها يشبه الهرطقة في قاموس البعث العراقي . وبهذه المناسبة قد برهن بعث العراق وبمنتهى الالمعية والجلاء لاؤلائك المتأنقين ومحفوفي الوجوه الذين يخفون انتمائهم اليه عندما يظهرون على الفضائيات المؤمنة تماما بالقومية العربية وامجادها... برهن لهم انه (حزب من طراز جديد ) عندما جعل اشلاء الضحايا البريئة تتطاير في الهواء والدماء تسيل انهار , بمناسبة عيد ميلاده الميمون !! .
11 نيسان