عادل كنيهر حافظ
السبت 22/5/ 2010
الانتخابات العراقية , وصراع القوى حول المناصبعادل كنيهر حافظ
كانت الانتخابات في العراق, تمثل كرنفال سياسي , احياه العراقيون بكل مشاربهم , وكانوا محل حسد الشعوب المجاورة , رغم المأسي التي يعيشونها . بيد ان صراع القوى حول نتائج الانتخابات , هو الذي سرق الفرحة من العراقيين , وزرع الشك والريبة , والحيرة والتحسب , من قادم الظروف .....
حيث تتصارع قوى ثلاث رئيسية , هي : قوى الامريكان , قوى محيط العراق العربي والاقليمي , وقوى الشعب العراقي , ,احزاب وجماهير .1- قوى الامريكان , الأمريكان يريدون ان ينسحبوا مطمئنين ,ويسجلوا نصرا على الارهاب , يبررون به غزوهم للعراق , امام الرأي العام الدولي عموما ,والرأي العام الامريكي دافع الضرائب التي كان مجموعها المليارات , لتمويل تلك الحرب .
والانسجاب المطمئن يقتضي : أ - ان تكون في العراق حكومة قادرة على رص الصف الوطني , ومن خلال الانفتاح الاوسع على القوى المعارضة للعملية السياسية , لاسيما حزب البعث . ب - ان تكون للعراق علاقة طيبة مع محيطه العربي والاقليمي , وخصوصا دول الجوار . ج - ان تكون الحكومة القادمة , لديها العزم والاصرار على تحجيم التدخل الايراني في الشؤون العراقية .
وهكذا خواص للحكومة القادمة ,يتوسمها الامريكان , في القائمة العراقية , بأكبر قدر عن غيرها , ويعتقدون ان الدول العربية وخصوصا سوريا والسعودية ومن ورائهم دول الخليج , سيؤيدون حكومة برئاسة الدكتور اياد علاوي , لان هذه الدول تعرف مواقف علاوي منها , وتؤيد قائمته ,بسبب معرفتها لمكونات هذه القائمة , وبسبب بغضها وعدم اطمئنانها لقوائم الشيعة التي تعتبرها موالية لايران ...وكذلك يرى الامريكان ان قائمة علاوي ستنفتح اكثر, على المعارضة المسلحة وبالخصوص حزب البعث , وهذا ما يعتبرونه قوة للجبهة الداخلية , واخماد سلمي لنار الارهاب , لذلك سعوا بأن تكون اصوات القائمة العراقية تؤهل وصول اكثر من 110 نائب الى قبة البرلمان العراقي , ليكون تحكمها اقوى في تشكيل الحكومة , ومن اجل ذالك كانت كثير من مخرجات الانتخابات ذات طابع امريكي .
2- قوى محيط العراق العربي والاقليمي , لعبت هذه القوى دورا مؤثرا في دعم قوائم انتخابية على حساب اخرى , فالسعودية وسوريا ودول الخليج وبعض الدول العربية وتركيا , ايدت ودعمت بقوة القائمة العراقية , لانها ترى في هذه القائمة , دعماً للسنة العرب ,وانفتاحاً على حزب البعث , وتحجيماً للتدخل الايراني . اما تركيا فهي تدعم القائمة العراقية , لانها تعرف ان فيها صقور يناصبون الحركة الكردية العداء , ويقفون ضد مطالب الكرد الاخرى. وفيما يتعلق الامر بأيران فأنها تتدخل من اجل تكتل شيعي قادر على فسح المجال امامها , لتلعب دورا حاسما في مستقبل العراق القادم ,
3- قوى الشعب العراقي , المنتخبة والمنتخبة :اولا- طبيعة انتخاب القوى والاحزاب السياسية الفائزة , والتي هي اربع قوائم كبيرة , جرى انتخابها بطبيعة طائفية , قومية وحزبية , القائمة العراقية رغم انها بعثية ,لكن طبيعة التصويت لها ذا طبيعة بعثية ودعم من طائفة العرب السنة . الائتلاف العراقي ودولة القانون ,جرى التصويت لهم بطابع طائفي شيعي , واخيرا قائمة التحالف الكردستاني , التي صوت لها الاخوة الكرد بطبيعة قومية . وعموم تلك القوى تشترك في : أ - عدم القناعة الراسخة , بضرورات الديموقراطية ,الامر الذي افضى الى عمل تلك القوى على ازاحة كل الكتل والمكونات الصغيرة وتشتيت اصواتها من خلال جعل العراق دوائر انتخابية متعددة , ثم تخفيض المقاعد التعويضية , واخيرا التلاعب والتزوير.... , الحال الذي حرم القوى اليسارية والليبرالية , صاحبة المشروع الوطني , والرؤى المستقبلية الواضحة , من المساهمة في ترشيد وتوجيه عمل الدولة . ب - عدم القناعة التامة بعملية التداول السلمي للسلطة , لذلك نرى استخدام كل طرف للكثير من ادواته للانتقاص من الطرف الاخر , والبروز على حساب الاخرين .
ج - عدم قناعة تلك القوى , بأن يكون فريق منها في المعارضة الايجابية , والاخر في الحكومة , وانما تريد كلها في الحكم , العمل الذي يضعف الى حد كبير أليات الرقابة البرلمانية على عمل موسسات الدولة التنفيذية , ويدع ابواب الفساد مشرعة على مصراعيها ... . د - هذه القوى والاحزاب السياسية الفائزة في الانتخابات , لم تصل بعد الى الفهم القاضي , بأن ادارة السلطة هي مجال لخدمة الشعب والوطن , وانما ترى فيها , مجال للجاه والثروة ... لذلك ترفض فكرة ان يكون فريق منها معارضة برلمانية . هـ - استعداد كل من تلك القوى , للمساومة على مصالح الشعب والوطن , من اجل دعمها وترسيخ اقدامها في الحكم , واقرب مثال على ذلك هو ما قام به وفد العراقية الذي زار ايران , كما رواه الدكتور احمد الجلبي لفضائية العراقية يوم 13-5 عن ما قاله الوفد للايرانيين وهو الموافقة على اتفاقية الجزائر , والتنازل عن نصف شط العرب , والسماح بتوسيع التجارة والتعامل مع الشركات الايرانية , ودعم ايران قدر الممكن في المحافل الدولية .... وربما يكون الائتلاف العراقي قدم اكثر من تلك التعهدات التي قدمتها العراقية لايران , عند زيارته للسعودية وسوريا لاجل دعمه .. ,ثانيا - ماهية الجماهير المنتخبة , لتلك القوى والاحزاب السياسية . بالرغم مما يحسب لهذه الجماهير على اقبالها الملفت للانتخابات .الا ان ذلك لا يلغي ,خاصية ضعف الوعي السياسي , التي تدمغ السواد الاعظم من تلك الجماهير . وهذا الضعف في وعي الناس السياسي هو ليس سوءة او نقيصة او جنحة مخلة بشرف المجتمع , وانما هو شئ مؤسف من الارث القذر لنظام البعث المقبور , وهو نتيجه منطقية لعدة اسباب تراكمية , لا يسمح المجال لذكرها , وقد تكرس ضعف الوعي وتحول الى كوابح جمعية بين ابرزها :
# العشائرية , حيث يجري انتخاب النائب للبرلمان , لا على اساس ولائه الوطني وقدرته على انجاز واجبه البرلماني بكفاءة واخلاص , وانما كونه من ابناء العشيرة التي ينتمي اليها الناخب ,
# الرمزية , يجري توجه الناخب لاختيار مرشح الحكومة الذي يطل عليه من شاشة التلفاز بين الفينة والاخرى , ويرى فيه الوالي الاقوى الذي يحقق له المعجزات , بغض النظر عن اخلاصه الوطني وما قدمه من منجزات للشعب ...,
# الولاء للقومية , حيث يصار الى التصويت للمرشح من ذات القومية التي ينتمي لها الناخب , واضعا النزاهة والكفاءة للمرشح , في خانة الكماليات ...,
# المذهبية والطائفية , وهنا يتم تأشير اسم المرشح في القائمة على اساس انه ينتمي لنفس المذهب والطائفة التي يكون الناخب من ابنائها , صارف النظر عن مقاييس الوطنية والمهنية ... .
# المنفعة , وفي هذا المجال ينظر الناخب الى المرشح للبرلمان ,بقدر ما يمكن ان يقدمه من فائده او مساعدة في حال فوزه بمقعد البرلمان , وذلك بمثابة رد للجميل . لا بقدر ما يمكن ان يقدمه ذلك المرشح من خدمة للشعب والوطن .|
وعموماً هكذا وعي لا يمكن ان ينتج برلمان اصيل في الوطنية والتفاني في خدمة الشعب . لاسيما وان 81 مرشحا فقط من اعضاء هذا البرلمان البالغ 325 قد وصلوا الى العتبة الانتخابية ,
ولكن طريقة القائمة {نصف مغلقة } التي تقضي ان التأشير لاحد مرشحين القائمة المعنية يعني ايضا انتخاب للقائمة لكل اعضائها ,هو الذي اوصل 244 نائب لم يحصلوا على العدد المطلوب من الاصوات , حتى ان احد المرشحين في قائمة دولة القانون , لم يحصل الا على 260 صوت , مع ذلك اصبح عضوا في البرلمان ,مستفيدا من اصوات القائمة التي ينتمي اليها ,في الوقت الذي اصبح فيه زعيم الحزب الشيوعي العراقي حميد مجيد موسى خارج البرلمان رغم ان الذين صوتوا له جاوز عددهم الخمسة عشر الف , لان اصوات القائمة التي ينتمي اليها لم تمكنه من الفوز بعضوبة البرلمان الجديد .
وعلى ذلك كله , يمكن القول ان نتائج الانتخابات كانت تعبير طبيعي عن ماهية القوى المنتخبة , وماهية المواطن الذي انتخبها , بالاضافة الى جهد القوى والاحزاب العراقية المتنفذة في اغراء المواطن , ورشوته ,ووعده خيرا في حال فوزها , وهكذا جاءت القوائم الفائزة , همها الاول هو الحصول على القدر الاكبر من كراسي المسؤولية وخصوصا المراكز الاولى في الدولة , ولا تفكر بأن تكون مصلحة الوطن والشعب هي الفيصل , في توجهاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية , وعليه لا تضع اي من تلك القوائم الفائزة في حسابها أن تكون في المعارضة الايجابية , لان وعيها المتدني , لا يؤهلها الى معرفة ان المعارضة هي مساهمة مهمة في ترشيد الحكم , ووجود معارضة برلمانية هو قوة للبرلمان في مراقبة عمل الحكومة , ايضا لم تصل القوى السياسية الفائزة في الانتخابات ,الى مفهوم ان الحكم هو خدمة وطنية للشعب , وليست مجال للاسترزاق وحمع الثروة , ولا يعرفون ان توني بلير وماركريت تاتشر ,كانوا يكسبون اكثر من خمسة اضعاف رواتبهم في رئاسة الوزارة البريطانية . , لان الناس تهتم بخدمة الوطن كل من خلال رؤى ومصالح حزبه وطبقته....
لذلك لا يتفاءل المرء خيرا عند المرور على لوحة صراع القوى السياسية المنتخبة في العراق , ولا يمكنه التفكير بحكومة قوية مدعومة ومراقبة من برلمان قوي , يعج بالمعارضة البناءة . لان مستوى وعي تلك القوى لم يصل بعد الى قبول الى ان يوافق قسم منها في المعارضة والاخر على دست الحكم , وعليه تشير الممكنات الواقعية الى ان العراق سيشهد خلال الفصل التشريعي المقبل ,ولادة حكومة محاصصة جديدة بأسم محوّر هو {حكومة مشاركة وطنية }