د. عبدالجبار منديل
Salal17@yahoo.com
الثلاثاء 15/4/ 2008
تأسيس وتوحيد الدول وتفتيتها – العراق نموذجا
د. عبد الجبار منديل *
salal17@yahoo.com
لعل اكبر مفارقة في العصر الحديث هي كيف بدأ القرن العشرون مع العرب وكيف انتهى بهم . بدأ وكل العرب يطالبون بلإنعتاق من نير الإستعمار . في البداية الإستعمار العثماني وبعد ذلك الإستعمار الغربي ( البريطاني والفرنسي والإيطالي ).. وانتهى وهم يتوسلون بدول الإستعمار القديم بأن تصلح بينهم وتحل مشاكلهم وتعمل على ترسيخ وحدة وتماسك كل دولة من دولهم .
ما الذي حدث للعالم ؟ هل نزع الذئب القديم جلده واصبح حملاً وديعا ولبس رداء الحكيم المصلح ام العرب هم الذين تغيروا واصبحوا يؤمنون بأنه ليست لديهم القدرة على ادارة شؤونهم بأنفسهم ؟
اللبنانيون يستنجدون بالدول الكبرى لكي تصلح بينهم وتنصف بعضهم من بعض، المغاربة يستنجدون بالغرب لكي يصلح بين دولهم ويحل مشاكلهم الحدودية والسياسية . العراقيون يستنجدون بكل العالم لكي تخلصهم من ( الإخوة الأعداء ) – جيرانهم الأشقاء وجيرانهم الأصدقاء ويخلصهم من عنت كل طائفة تجاه الطائفة الأخرى وظلم كل معسكر داخل الطائفة للمعسكر الأخر ضمن الطائفة الواحدة .
ابناء المغرب العربي جميعا والذين ضحى بعضهم بمليون شهيد من اجل نيل الإستقلال وطرد الفرنسيين من ارضهم بات حلم الفرد منهم ان يلحق الفرنسيين الى بلادهم ويحصل على الجنسية الفرنسية او على الأقل الإقامة في فرنسا في حين انه عندما كان لديهم في الخمسينات من القرن الماضي الجنسية الفرنسية والجواز الفرنسي كانوا يمزقونها ويأنفون من استعمالها .
ما الذي حدث في عالم اليوم ؟ اين أحلام الإستقلال وبناء الدولة النموذج ؟ ومن هو المذنب ؟ ومن هو الملوم ؟ هل الملوم العرب ام ان الملوم هو الإستقلال الذي جاء رداءه اكبر من حجمهم ؟ لماذا لايجد ابناء البلد الواحد لغة مشتركة او يفتقدون اللغة المشتركة ؟ لماذا يبحثون دائما عن نقاط الإختلاف ويتجاهلون جوانب التماثل و الإئتلاف ؟ لعل احد الأسباب هو انه التربية العائلية والعشائرية والوطنية لا تربي الناس على احترام الأخر بل التقليل من شأن الأخر والرفع من قيمة الذات بأكثر مما تستحق . او الإستهانة بالأخر كائنا من يكون والمبالغة في تمجيد الذات كائنة ما كانت .
في عام 1917 عندما اعلنت الهدنة اثر الحرب العالمية الأولى كانت القوات البريطانية التي احتلت العراق قد وصلت الى تكريت . ولكنها على الرغم من الهدنة المعلنة استمرت في مسيرتها حتى شمال الموصل اي حتى حدود دولة العراق الحديث . وفي تلك الأيام التاريخية الفريدة اتفقت مصالح الدولة البريطانية وهكذا خدمت الدولة العظمى المحتلة العراق من حيث تشعر او لا تشعر وساندت العراق في ضم ولاية الموصل على الرغم انه عند اعلان الهدنة كانت هذه الولاية خارج حدود العراق الحالية ثم تم تأسيس الدولة الجديدة وإجتازت هذه الدولة مختلف العقبات واستمرت موحدة حتى الوقت الحاضر . ولكن هنالك حاليا رياح غريبة تهب على هذه الدولة تحت عناوين ومسميات مختلفة . ومهما كانت النوايا خلف هذه العناوين او الشعارات فإن الحقيقة تقول أنها تستهدف وحدة البلد شئنا ذلك ام لم نشأ وسواء اكان ذلك بحسن نية او بسوء نية وسواء عن علم ونوايا مبيتة ام عن جهل .
ان بناء الدولة لا يكون بالولاء للجزء على حساب الكل او ولاء للعائلة او العشيرة او الطائفة على حساب الوطن لأن هذه المتوالية سوف تنتقل بالتتابع حيث سوف تكون بعد ذلك الولاء للعشيرة على حساب الطائفة ثم الولاء للعائلة على حساب العشيرة وهكذا فإن مبدأ التفتت سوف ينتقل من مرحلة اعلى الى مرحلة ادنى الى ان يتفتت كل المجتمع ومن يظن ان التفتت يمكن ان يقف عند حد فهو على خطأ . كأن يقف عند حدود القومية او عند حدود الطائفة او عند حدود العشيرة . ولعل التاريخ العراقي في المرحلة التي اعقبت سقوط بغداد على ايدي التتار خير دليل على ذلك . فطوال سبعة قرون بقي المجتمع العراقي يتفتت ثم ينحدر الى المزيد من التفتت حتى لقد تحول الى شراذم ونسيت هذه الشراذم اصولها وفروعها . بحيث لم يبقى من اثر للمجتمع الأول إلا بعض الملامح البعيدة .
ومع ان الترميم طاول الكثير من ملامح المجتمع العراقي في ظل دولة العراق الحديث التي بدأت في سنة 1921 إلا ان رياح التفتت عادت تهب مرة اخرى و تحت مختلف المسميات . ومن يتخيل انه سوف يكون بمنأى عن رياح التفتت اذا ما تفتت العراق فانه واهم لأن التفتت سوف يشمل الجميع . وكذلك فان من يظن بان هنالك من سوف يربح في بورصة الشعارات المتصاعدة فانه على خطأ ايضا . لأن من يربح او يبدو انه يربح اليوم سوف يخسر غداً ومن يخسر اليوم سوف يخسر غداً ايضاً . فليس هنالك من مستقبل امام اصحاب الشعارات الكبيرة والكثيرة إلا الخسارة . وسوف يحدث ذلك بشكل متسارع اذا بقيت الجموع سادرة في غيها الجماعي وفي هوسها الجماعي بالشعارات والعناوين المختلفة . ولن يتوقف ذلك الا اذا اقتنعت هذه الجموع وأذعنت بأن ترعوي الى جادة العراق الواحد والموحد .* اكاديمي عراقي / كوبنهاغن