| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

عبدالرحمن دارا سليمان
sulimaner@yahoo.fr

 

 

 

                                                                                     الأحد 4/12/ 2011



المرحلة الإنتقالية في العراق : إقامة دائمة

عبد الرحمن دارا سليمان

كانت الأزمات العديدة التي يتخبط فيها العراق منذ إنهيار النظام الديكتاتوري عام 2003 ستبدو طبيعية، لو أنّها كانت ناتجة عن صراعات سياسية داخلية تدور حول المهام الرئيسية للمرحلة الراهنة أو حول طبيعة الإجراءات الديمقراطية اللازمة وعن كيفية بناء المؤسسات الجديدة ووضع الأسس والقواعد الصلبة التي تتطلبها عملية الإنتقال.

ذلك أنّ ما شهدته المجتمعات الأخرى خلال موجات الديمقراطية التي إجتاحت الكثير من البلدان في عقود الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، من حرب ضروس بين النظامين القديم والجديد وخصوصا في مراحلها الأولى، قد أظهرت بصورة واضحة وعلى كافة الأصعدة والميادين، بأن ّالفترة الفاصلة بين ولادة الجديد وموت القديم تكون دون شكّ، من أصعب وأخطر المراحل في تاريخ المجتمعات على الإطلاق حيث لا يتوانى خلالها النظام القديم عن إستخدام أبشع أسلحته وكلّ ما تبقى بحوزته من وسائل وأدوات وتحالفات سابقة، للحفاظ على وجوده وإقصاء نقيضه والحيلولة دون ظهوره وإستقراره في الحياة السياسية، في محاولة أخيرة لإجهاض ولادته.

بيد أنّ ما يختفي وراء إبراز الخصوصيات المحلّية في العراق على حساب تفكيك الفكرة الوطنية، من مصالح آنية لقوى وقيادات صاعدة وفئات سياسية داخلية مدعومة بقوّة إقليميا ودوليا، هو ما يجعل الأوضاع العراقية لا تبدو كغيرها، وتظهرها مثل لحن نشاز وخارج  تماما عن السياق التاريخي المعروف، كما يتيح المجال بنفس الوقت، لإنزلاق هذه القوى السياسية الموكلة اليها إدارة المرحلة الإنتقالية، الى نكوص وإرتداد وإنحرافات خطيرة ناجمة عن مصالح وأوهام ومطبّات نظرية وعملية، تعتقد وتتصرف من خلالها بوجود قوانين خاصّة بالتحوّل الإجتماعي هنا، ومغايرة للمسارات العامّة التي خطتها المجتمعات من قبلنا هناك.

وإذا كانت طبيعة القوى التي تقود المرحلة الإنتقالية، مرتبطة تمام الإرتباط ، بكيفية إدارة هذه المرحلة وبعملية إتخاذ سلسلة  من الخطوات الضرورية لإنجاز وإستكمال مهامّها وذلك من خلال توسيع نطاق الحرّيات العامّة وكفالتها قانونيا والإلتزام بها عمليا، من أجل ضمان التأييد الشعبي للقطاعات الإجتماعية ومشاركتها في القرار السياسي، وهو أمر بديهي ومن السهولة فهمه، فإنّ الملموس منذ إنهيار النظام الديكتاتوري، هو الإستبعاد التدريجي المنظم للقوى والشخصيات السياسية والإجتماعية صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير والإنتقال الى النظام الجديد والدفاع عنه، وهو ما لا يمكن فهمه بذات السهولة من قبل أوساط إجتماعية واسعة.

ولا شكّ أنّ إزالة الإلتباس الحاصل في فهم الأوضاع ومحاولة تحليلها بصورة سليمة، لا يكون بردّ الأمور الى مجرّد إخفاقات بسيطة وعابرة في المسار السياسي يمكن تلافيها مستقبلا، ولا في إختلاق أعداء وهميين للعملية السياسية الدائرة في البلاد، وإنّما في الكشف عن الشبكة الواسعة من المصالح والعلاقات الإقليمية والدولية التي تتلاعب بالمصير العامّ وتسعى الى ترتيب الأوضاع السياسية بما يضمن إستمرار نفوذها وسيطرتها الدائمة على توجيه وصناعة القرار الداخلي وتحويل النخبة السياسية الحاكمة الى أدوات لتنفيذ تلك المصالح والأجندات والتعبير عنها في المواقف السياسية الداخلية والخارجية، الأمر الذي سيقودنا الى وضع كلّ شيء تقريبا موضع الشكّ والسؤال.

وسيتّضح الأمر أكثر بمعرفة القوى الحقيقية التي تقطع الطريق أمام التحوّلات الديمقراطية وما تشهده السياسة والدولة والمجتمع من صراعات وأزمات عديدة تبدو خارجة عن السيطرة عليها، وتعمل في الوقت نفسه، على عرقلة التوصل الى الإتفاق الداخلي على رؤية موّحدة للمرحلة الإنتقالية والتوافق على صياغة معالمها الأساسية، وتعمل أيضا على إدامة وتجديد الأزمات والتخبط الفكري والعملي الذي هو الناتج الطبيعي للتحايل على القواعد والأسس القانونية والإلتفاف على إستحقاقات المرحلة الجديدة والإلتزام بها للحيلولة فعلا دون تعميم الفوضى وإنتشاره في الحياة السياسية المعطلة هذا اليوم.

والحال فإنّ تردّد الكثير من القوى السياسية الفاعلة بين التعلّق بالنموذج الإسلامي في الحكم أو التمسك بالقيم الحديثة لبناء الدولة ليس هو العقبة الرئيسية أمام إعادة التركيب السياسي في المرحلة الجديدة فحسب، ولكن يمثل أيضا، جوهر المراهنة عليها من قبل المصالح الغربية عموما والأمريكية تحديدا، والسبب العميق لمساندتها ودعمها للوصول والإحتفاظ بالسلطة درءا لمخاطر التحوّل الديمقراطي الحقيقي الذي يعني من بين ما يعني السيادة الكاملة على القرار والتحكّم بالثروات والإعتماد على الإرادة الشعبية. وكما شهدنا خلال الأعوام الأخيرة، سيقود هذا التردّد حتما الى الإرتداد السياسي من الناحية العملية والتهرّب شيئا فشيئا، من النصوص الدستورية الملزمة على التوجهات الأساسية للدولة الجديدة، لتجد نفسها وبفعل المصالح الضيقة التي إستجدت، قد ساهمت بوعي أو بدونه، في إستمرار الدولة كسيحة ومخترقة وغارقة في الأزمات التي تهزّها وتتخبط فيها وتعجز تماما عن السيطرة عليها سياسيا ومعالجتها بغير الوسائل الأمنية وأدوات القمع.

غير أنّ الأوهام الجديدة للقوى المنتفعة من الأوضاع الراهنة لن يكتب لها النجاح طويلا  لإنّها أولا، لا تقوم سوى على مبادئ سطحية وأسس هشة تسعى الى تكريس "البزنس" السياسي والمضاربة ونهب المال العامّ وإزالة الحدود بين السياسة والتجارة وتهميش القوى الحقيقية وتقريب المحازبين والموالين وإشاعة التجهيل والإفقار والفساد المالي والإداري، وهي بمجملها تساهم في خلق دورة جديدة تضيع معها معالم الطريق لعقود قادمة أخرى، وثانيا، لأنّ التاريخ لا يعرف الرحمة ولن يغفر أبدا لمن يقف في  طريقه المفضي للحرية والكرامة الإنسانية، ليؤكّد منطقا وحيدا في نهاية المطاف مفاده: أنّ الأرض سيرثها الطيّبون.

 

 










 

 






 

 

free web counter

 

=