عبدالرزاق الصافي
دور النخب السياسية في اطالة ازمة الحكم في العراق
عبد الرزاق الصافي
شهدت العملية السياسية في العراق منذ العام 2003 حتى اليوم العديد من الازمات . ولعل اعقد هذه الازمات ما يشهده العراق منذ انتخابات العام الماضي ، التي جاءت بمجلس النواب الحالي الذي يحوي كتلاً نيابية متصارعة ، اظهرت عملياً انها لاتثق ببعضها البعض ، وبالتالي يصعب الاعتماد على ما تتفق عليه اليوم ليكون موضع التطبيق السليم غداً ، بما يعني تعاونها جميعاً في خدمة البلاد ، كل من موقعه في العملية السياسية ، وفقاً لقواعد العمل السياسي المعمول بها في النظم البرلمانية الديمقراطية في العالم . فبسبب من الوضع الخاص للعراق والمرحلة الانتقالية التي يمر بها، الذي حتم ضرورة اشراك كل القوى السياسية التي شاركت في النضال ضد النظام الدكتاتوري السابق وكل مكونات الشعب العراقي ، تشكلت الحكومات منذ العام 2003 حتى اليوم تحت مسميات "التوافق" و"الوحدة الوطنية" و"الشراكة " . هذه المسميات التي عنت في الواقع العملي مع الاسف الشديد، المحاصصة الطائفية والقومية ، والتي جعلت هذه الحكومات تفتقر، في غالب الاحيان ،للكفاءات المطلوبة ، لأنها لم تستهدف وضع المواطن المناسب في المركز المناسب ، بسبب من سعي النخب السياسية التي تصدرت المشهد السياسي لتحقيق المكاسب الفئوية الضيقة على حساب المصلحة الوطنية العليا . الامر الذي عرقل في الواقع العملي انجاز مهمة بناء الدولة الديمقراطية الاتحادية التي نص عليها الدستور ، الذي هو ، رغم نواقصه وشوائبه ، مكسبً مهم من مكاسب الشعب العراقي . هذا الدستور الذي تعرض للإنتهاك والخرق اكثر من مرة على ايدي النخب السياسية التي تحكمت بالعملية السياسية .وعرقل انجاز التصدي الحازم لأعمال الارهاب والتخريب التي ما زالت مستمرة حتى اليوم . وعرقل القيام بالاعمار المطلوب وتأمين الخدمات الضرورية لابناء الشعب . ويكفي ان يذكر المرء عدم تحقيق اي تقدم في تأمين الكهرباء رغم صرف عشرات مليارات الدولارات ، التي ابتلعها الفساد .
لقد سعت القوى المتنفذة وعملت كل ما تستطيع للاستحواذ على مواقع السلطة والنفوذ والمغانم التي يوفرها الحكم ، وضمان استمرارها في احتلال المواقع التي شغلتها ، بما في ذلك خرق الدستور ، الذي افتت به المحكمة الاتحادية العليا في اكثر من قرار من قراراتها.
وها نحن نشهد كيف انها لم تستطع تشكيل الحكومة الفضفاضة والناقصة إلا بعد ثمانية اشهر على الانتخابات . وها هي تعجز عن استكمال تشكيل الحكومة بالإتفاق على من يشغل الوزارات الامنية رغم مرور ثمانية اشهر اخرى . ولم تستطع الاتفاق على تشكيل المجلس الوطني للسياسات الستراتيجية الذي سبق ان اعلنت انها بصدد تشكيله لإرضاء بعضها ، وإن كان يفتقر الى الاستناد الى الدستور ، الذي خلا من اية اشارة الى مثل هذا التشكيل ، في حين انها تغض النظر عن كثير من النصوص الدستورية التي تزيد عن الخمسين و التي توجب سن القوانين اللازمة لتفعيل هذه النصوص ، والانتهاء من الاستناد الى قوانين وقرارات النظام الدكتاتوري المنهار المنافية للديمقراطية ومصالح الشعب .
ان النخب السياسية وقادة الكتل البرلمانية الكبيرة واعضائها يتحملون المسؤولية الكبرى عن التعثر الذي تعانيه العملية السياسية في العراق ، وما يسببه ذلك من إضراركبيرة بمصالح الشعب والوطن ، لا يمكن ان يفلتوا من الحساب بشأنها إن لم يكن اليوم فغداً . فهذا هو منطق التاريخ ، قصُر الزمن اوطال.