عبدالرزاق الصافي
العدالة الإجتماعية : ماذا تقول الارقام ؟
عبد الرزاق الصافي
انها مفارقة شديدة الغرابة أن تتعاظم اللاعدالة الاجتماعية مع تعاظم ثروات الامم والتقدم العلمي والتكنولوجي اللذين يـُفترض ان يكونا في خدمة الانسان وان يحققا العدالة الاجتماعية، لولا ما يعيق ذلك من نظم استغلال الانسان للإنسان .
وكانت مناسبة الاحتفال باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية في العشرين من الشهر الماضي (شباط/فبراير2012)، الذي استحدثته الأمم المتحدة منذ العام 2008فرصة للتمعن في واقع العدالة الاجتماعية في العالم، ليس في دوله الفقيرة فحسب، بل وفي اغنى دوله ايضاً.هذا اليوم الذي لم يحظ بما يستحقه من اهتمام الاعلام العربي في حدود علمي المتواضعة .
لقد كانت الفجوة بين افقر واغنى خمسي سكان العالم في العام 1960 بمعدل 1 الى 30. ثم ارتفعت هذه الفجوة في العام 2000 الى معدل 1الى 74 بدل ان تتقلص! وان نصف سكان العالم تقريباً في بداية قرننا الحالي يعيشون على دولارين،وان مليار ومئة مليون انسان من هؤلاء يعيشون على دولار واحد اواقل في اليوم!
وتقول الامم المتحدة ان لا وجود لدولة بعيدة عن انعدام العدالة الاجتماعية بما فيها عشرون بلداً صناعياً، كان عشرة بالمئة من سكانها يعيشون تحت خط الفقر في اواخر القرن الماضي. وهي نسبة لا احسب انها تبدلت في العقد الاول من القرن الحالي ، إن لم تكن قد زادت بسبب الازمة الاقتصادية العالمية وتعاظم المديونية والاضطرابات السياسية.وتقول منظمة اليونيسيف ان هناك نصف مليار طفل جائع في العالم . كما ان واحد من كل ثلاثة في العالم يعيش في احياء فقيرة بائسة.
ان هذا الواقع شديد الخطورة ويسبب التوترات الاجتماعية والصراعات داخل الدول وفي ما بينها ويزعزع الاستقرار العالمي ،ويتنافى مع القيم السامية التي هي جوهر الاديان كلها. ذلك ان العدالة الاجتماعية تعني النظام الذي يدعو الى ازالة الفوارق الاقتصادية الكبيرة بين الطبقات الاجتماعية . ويؤمن توزيعاً عادلاً لثروات الوطن وتكافؤاًفي الفرص والمساواة بين افراد المجتمع، بصرف النظر عن انتماءاتهم الطبقية والدينية والمذهبية والعرقية والعقائدية في ظل دولة القانون والمجتمع الديمقراطي . إذ لا ديمقراطية حقيقية بدون عدالة اجتماعية.
لقد كانت العدالة الاجتماعية مطمح البشرية منذ بدء التاريخ ، والتراث العربي والاسلامي يزخر بالمقولات التي تؤكد ذلك . ومن ذلك قول الامام علي بن ابي طالب(ع) "مااغتنى غني إلا بفقر فقير".وان تشريع الزكاة يهدف الى تحقيق شيء من العدالة الاجتماعية لو انه طُبّق تطبيقاًصحيحاً. وهو ما تطور في التشريعات الحديثة الى فرض الضريبة التصاعدية على الدخل ، التي يتحايل عليها الاغنياء والشركات الكبرى بشتى السبل.
وبسبب من فقدان الحرية والعدالة الاجتماعية كان مطلب تحقيقهما يتصدر مطالب الثوار منذ ثورة العبيدبقيادة سبارتاكوس حتى يومنا هذا. كما ظهر في شعارات "الربيع العربي" ، وفي مطالب الشبيبة في الولايات المتحدة الامريكية واورباوبلدان اخرى كثيرة ، الذين نزلوا الى الشوارع بالالوف في عشرات المدن كمافي حركة "احتلوا وول ستريت".
ان الدول العربية تحوي من الثروات الطبيعية من نفط وغاز ومعادن واراضي زراعية ومياه واشعة شمسية ما يمكـّن من القضاء على كل مظاهر الفقر واللاعدالة الاجتماعية والتخلف ،التي تعم كل هذه الدول دون استثناء وان كان ذلك بدرجات متفاوتة .
ولعل اصرخ مثال على انعدام العدالة الاجتماعية ، رغم ثروات البلد الهائلة ما جرى في العراق سابقاً وحالياً.
ولا احسب اني بحاجة الى اعادة الحديث عما جرى ايام الحكم الدكتاتوري المنهار وتبديد الثروات الوطنية على الحروب والتصنيع العسكري ونهب المال العام ، وصرف المليارات من الدولارات على القصور ،وما سببته سياسات النظام الرعناءمن حصار ظالم والتضخم الذي لا مثيل له وهبوط قيمة الدينارالعراقي حتى صار راتب الاستاذ الجامعي بضعة دولارات شهرياً.وان ما اريد الحديث عنه هو ما جرى ويجري بعد ازالة كابوس النظام السابق. فرغم الموارد الهائلة للاقتصاد العراقي من النفط مازال ربع السكان اي سبعة ملايين انسان وربما اكثر يعيشون تحت خط الفقر باعتراف السلطات الرسمية . وان الغالبية تشكو قلة الكهرباء والماء الصالح للشرب وفقدان الخدمات الطبية والتعليمية الجيدة والسكن اللائق.
وتحث خبراء يـُعتمد عليهم مؤخرا ُواشاروا الى ان مواردالبلاد خلال السنوات التسع المنصرمة تقرب من خمسمئة مليار دولار، وهو رقم فلكي لم يسبق له مثيل ، كان بإمكانها، لو كانت هناك عدالة اجتماعية ونظام ديمقراطي حقيقي وسلطة ترعى مصالح الشعب ، وليس مصالح فئات ضيقة وفاسدة وسراق المال العام،ان تجعل العراق اليوم في مصاف الدولالمتقدمة اقتصادياًوثقافياً وصحياً وليس في مقدمة الدول التي يعمهاالفساد والفقر بالنسبة لعدد كبير من سكانه.
ولعل آخر فضيحة اكتشفت اثناء مناقشة ميزانية هذا العام، التي تبلغ مئة مليار دولار هي-اي الفضيحة-طلب الحكومة غلق ملف خمسين مليون دولار جرى صرفها دون تخويل من البرلمان ، ودون ان تقدم الحكومة معلومات عن اين صُرف هذا المبلغ الكبير ولصالح من ؟
كما ان واحداًمن اكبر مظاهر اللاعدالة الاجتماعية هو التفاوت الهائل ،الذي لا مثيل له، بين الرواتب الدنيا للعاملين في الدولة ، وهم بالملايين،ورواتب الرئاسات الثلاث والوزراء والنواب والموظفين الكبار . إذ تبلغ الرواتب والمخصصات التي يتمتع بها بعض هؤلاء مئات اضعاف ما يحصل عليه ذوو الرواتب الدنيا من موظفين صغار ومتوسطين ومتقاعدين وغيرهم ، ناهيك عن العمال، والنسبة الكبيرة للعاطلين من بينهم وعمال المسطر والكسبة الصغار والفلاحين الذين تدهورت زراعتهم ولم يعد بأمكان منتجاتهم منافسة المنتجات المستوردة دون ضوابط.
ان فقدان العدالة الاجتماعية هو احد العوامل الاساسية التي تهدد الإستقرار الإجتماعي والسلم الاهلي ومستقبل الاجيال الطالعة . فهل يدرك المسؤولون هذه الحقيقة ام سيستمرون في تجاهلها معرّضين البلاد الى الهزات الاجتماعية قصُر الزمن اوطال؟