عبد الصاحب الناصر
الأربعاء 25/11/ 2009
التعسف الديمقراطي،،، كيف نصنفه ؟
عبد الصاحب الناصر *
عندما لا يكون النهج الديمقراطي نابع عن عمق في نفس الانسان منذ و لادته و من محيطه و تربيته ، ستشوبه شوائب قد لا تكون مبيتة او مقصودة ، الا انها شوائب و يجب النظر اليها من هذا الباب و بكل بحذر ، يكون الانسان الاعتيادي على الاكثر ومنذ البدء تواق للحرية و العدل و المساواة و ضد الظلم و العنف .
و هذه هي من اولى مقومات الديمقراطية ، لكون الانسان لا يعيش بمفرده بل ضمن مجتمع يحط به ،يؤثر و يتأثر به ، من هنا تاتى تصرفات الانسان متأثرة بالمجتمع الذي يعيش فيه وتاتي كذلك تصرفاته كانتاج لذلك المجتمع ، وتاتي تصرفات هذا الانسان ( الديمقراطي ) قريبة او بعيدة عن النهج الاصيل للديمقراطية بقدر تأثره بمحيطه او بقدر نفوره عن عادات ذلك المجتمع التي يرفضها او يغوص في اعماقها .
وهذه من اهم نقاط التنافر او التقارب في المجتمعات العربية، التي متاصل في عمق اخلاقها العصبية القبلية ، وتكون على شكل عادات مرة و على شكل فهم خاطيء للقيم و للدين و للقانون .
من خلال تصرفات رجال السياسة العراقيون وبالاخص خلال الشهران الماضيان كانت اكثر تصرفات السياسين العراقيين تقع ضمن هذه الخانة ، ليس لان كل منهم كان له غرض سياسي او مدفوع من اشخاص اخرين او موجه من جهات اخرى ، بل كان ذلك ناتج من فهمهم الخاص للحياة الدمقراطيه ، التي لم يتعود كثير منهم عليها او يعايشها .
لنأخذ امثلة لتصرفات اربعة اشخاص من الطيف السياسي الحالي ، الذين يمارسون السياسة على ارض الواقع ،
السيد رئيس الجمهورية ، السيد نائب الرئيس الهاشمي ، رئيس الهيئة المستقلة للانتخابات السيد الحيدري و السيد وزير الخارجية العراقي ، و سنبدأ من الاخير .
اولا. صحيح ان السيد هويشار زيباري عاش مدة طويلة في المملكة المتحدة ، اي انه عايش الحياة الديمقراطية في هذا البلد و راقب عن كثب الممارسات الديمقراطية للساسة البريطانين ، الا انه يتصرف كما يتصرف وزير خارجية المملكة العربية السعودية ، الامير سعود الفيصل ، انه استلم المنصب عبر المحاصصة و توزيع المناصب ، وليس عن طريق الكفاءة او الخبرة او التحصيل الدراسي . لكننا لا نرى انتاج على المستوى المطلوب لوزير بلد وشعب قد تحرر توا . لم نرى نشاط خاص كما يتطلب الوضع الخاص للعراق كبلد محتل ثم شبه مستقل و بعدها بلد مستقل لكنه يجابه كل التدخلات الخارجية و كل هذا العداء جراء الخوف من تاسيس النظام الديمقراطي في العراق من دول الجوار الذين يعملون على افشاله ، لم نرى في ممارسته لدوره اي اشعاع او بريق خارق فيه لمحة اجتهاد او خطوة ذكية تلفت الانظار اليها ، و لان العراق كان محاصرا من كل الجهات و من كل الاطراف ، لم نرى تقدم في علاقات العراق مع دولة الكويت البلد المستفيد الاول من الخلاص من صدام حسين ، كانت الكويت في البدء وبعد التغيير اقرب الى العراق من ما هي عليه اليوم ، وهذا فشل في سياسة العراق الخارجية و فشل في ممارسة السيد وزير الخارجية لدوره . مجمل تصرفات السيد الوزيز تاتي من موقع و كان العراق قد استقل من حكم الطاغية منذ قرون و يزاول سياسة الهدوء و التعقل / سياسة السعودية / سعود الفيصل . في وقت يحتاج العراق لعملية شاملة جذرية ديناميكية لاقناع الدول العربية و المجاورة و الدول الاخرى و بالاخص الدول التي لم تكن مع التغيير منذ البداية ، كفرنسا و المانيا . كانت تصرفات الوزير بما يوصف في علم العلاقات الدبلوماسية ب (مديوكر)( Mediocre) اي المستوى المتوسط ، في وقت يحتاج مازال يحتاج العراق الى سياسة خارجية ديناميكية و اسلوب اقناع و علاقات شخصية اعمق واكثر من علاقات اخوية عربية نابعة من النخوة العشائرية المتبعة في العالم العربي ، لان وضع العراق كان و مايزال يحتاج لعلاقات خاصة تستفيد من امكانيات العراق المستقبلية و امكاناته المادية المستقبلية ، اي ان يقنع و يغري الدول او وزراء خارجيتها بمستقبل العراق غير المنظور و يشير الى المستقبل و يغريهم بما هو ات . اي اقناعهم و اغرائهم بفوائد المساهمة في بناء العراق حتى على وضعه الحالي لان مستقبل العراق يدخل ضمن خططهم المستقبلية طويلة الامد . الامر الذي في نظري هو ما يحتاجه العراق اليوم كحاجة البذور عند بذرها للمياه ، . لنتخيل لو ان وزير خارجية العراق كان شخص مثل الدكتور الجلبي او سفير العراق الصميدعي ، لكانت النتيجة بالتأكيد اكثر فاعلية و اكثر اقناعا و اوسع مما نمكلك اليوم من علاقات، لا ملح بها ولا بهارات ، بالتاكيد كان سيستغل( الاشخاص اعلاه ) علاقاتهم الخاصة باللوبيات العالمية لتمشية الامور لصالح العراق باسرع و اعمق و اكثر نفعا في المجالات الدولية. كمثال و من جهة اخري ، نري تحرك و مساعي و ديناميكية وزير الخارجية التركي . هذا ما يحتاجة العراق اليوم من وزير خارجيته . بينما تسير العلاقات الخارجية العراقية من ذاتها و بدون دفع شخصي من الوزير الحالي، تسير و تنتفع من دول لها مصالح في العراق و من تغير الوضع فيه ، اي بدفع من علاقات الدول التي احتلت ( حررت ) العراق من نظام الظلام و التي من مصلحتها ان تسير امور العراق الى الامام لاثبات مصداقية اعمالها العسكرية ، و كان بالاحرى من الوزير ان يستفيد منها ، من الدفع العالي للدول التي احتلت ( حررت ).
ان الوزير زيباري لم يستغل حتى هذا المجال الواسع المتاح له من اكبر الدول ، لم يستغله بصورة ذكية لصالح العراق . ان الوزير زيباري يسير بالامور الخارجية كما تسير المياه في نهر الفرات ، غزيرة و سريعة في زمن الامطار و جزرات و جفاف في زومن الجفاف . ان كل هواية السيد الوزير هو ان يقلد تصرفات الامير الوزير سعود الفيصل ،( كما يحلو له ان يصفها في احاديثه الخاصة )، الا ان الفيصل قد تربي و تعلم عند رجل سياسي محنك منذ صغره اي والده الملك فيصل بن عبد العزيز ، وان سياسة المملكة السعودية تتطلب ذلك الهدوء و الصبر لانها ليست في طريق البناء و في سباق مع الزمن و لم تهدم كما هدم صدام العراق . الامر الذي يتطلب جهدا خاصاً و ربما خارقاً للعادة للسير به و بسرعة لاعادته الى الموقع الصحيح الذي يحتاجه .
ثانيا. السيد الحيدري ، رئيس الهيئة المستقلة للانتخابات . لم يحالف هذا السيد الحظ في كل تصرفاته تقريبا ، ليس عن سوء نية بل لعدم اداكه لمنصبه ، كل هم السيد ان يثبت عدم تحيزه و يثبت نزاهته في تصرفات المفوضية التي يقودها ، و هذا لا يكفي ، لانه ليس متهم من احد بل وكان عليه ان يبني شبكة و منظمة لاجراء الانتخابات بدون تحيز لطرف او اخلال في ممارسات اعضاء المفوضية من اعلاها الى اصغرها ، و تهيئت للحيدري ما لم يتهيئ لاية مؤسسة ديمقراطية في العراق من الاموال و العدد و الاشخاص و الاحترام ، ليس من السياسين العراقيين فقط بل من منظمة الامم المتحدة و من منظمات المجتمع المدني الدولية و من علاقات الدول التي احتلت العراق وترغب باظهاره بمظهر ديمقراطي .
نلاحظ كل تصرفات الرجل وكثير من اعضاء الهيئة في الاونة الخيرة و كانهم يدافعون عن انفسهم و عن المنظمة اكثر من دفاعهم عن النهج الديمقراطي المتوخى . جاءت اكثر تصريحاتهم غير موفقة و بتوقيت خاطىء، اضر في كثير من الاوقات بالعملية اكثر مما نفعها ، انهم مهوسون و مدفوعون بنظرية الدفاع المسبق كمن يتوقع اللوم في المستقبل قبل وقوعه.
كانت بعض تصريحاتهم تاتي في توقيت مخالف للظرف وغير ملائمة لهذا او ذاك الإشكال ، عندما يحاول بعض النواب مثلا حلحلة موضوع ما بتأجيله الى اليوم التالي ، تاتي تصريحات المفوضية لتزيد النار لهيباً عندما يحذرون باسلوب مخيف من ذلك التاجيل ، حدثت هذه الحالة عدة مرات في الايام القليلة الماضية ، ما نفع هذا التخوييف من التأجيل اذا كان الامر قد وقع فعلا ؟!، تُخيفون من عندما تتكلمون عن الماضي.
انه و في رأيي انما تنقصهم الحنكة السياسية و ليست لهم الشجاعة للنظر الى الامور من النصف المملوء من القدح.اي زرع الامل ، و لا يقدرّون اهمية دور المفوضية في تهدئة الامور بين الاطراف المختلفة و تسهيل الامور اكثر من تعقيدها . انهم مرعوبون من عامل الوقت قبل حينه وكانه اهم من الانتخابات نفسها .
يتصرف اعضاء المفوضية في الندوات او المقابلات المتلفزة و عند الاستفسار منهم كخبراء عن نقطة من اختصاصهم ، يتصرفون كمن يدافع عن نفسه اكثر من كونه مستشار في امور تكنيكية . اعترف هنا ان تلك المقابلات تثير الخوف في نفسي اكثر من كل الاختلافات بين الفرقاء في تلك الندوات و اتمنى ان ينصحم احد من الناس وان يستشيروا من هم متخصصون في اجراء الانتخابات.
ان عليهم ان يتأنوا و ان يتحلوا بالصبر ويظهروا بمظهر المتأكد من نفسه و ان هناك حل لكل مشكلة و بالاخص انهم غير متهمون .
سأدع دور السيد الهاشمي الى الاخير و اكتب عن السيد رئيس الجمهورية قبله حسب التسلسل اعلاه .
ثالثا. كان انتخاب السيد الطلباني كرئيس لجمهورية العراق الاتحادي من مفعول المحاصصة ، ولا شائبة على ذلك و لا يمكن نكرانها ابدا و لاهميتها في تلك الظروف او في ذلك الوقت . لكن السيد الطلباني لم يشعر يوم من الايام كرئيس لجمهورية العراق ( مئة بالمئة ) و لم يتصرف من هذا المنطق كذلك ( مئة بالمئة ) له من العمر و الخبره السياسية و الحنكة و النضال ضد الطاغية ما يؤهلة ان يكون في مقام السيد مندلا ، ( ارجو ان لا نظلم مندلا بهذه المقارنة هنا ).
وكان الرجل مهيء ليلعب دور الاب و العاقل و المهدئ للامور و دور الحكيم المتأني و ان يكون عامل الوصل لا عامل الشد بين الاطراف ، جأت تصريحاته الاخيرة في موضوع النقض مثلا لا طعم لها و لا صورة واضحة للمرشد الاب ، جائت متناقضه في الحالة الاولى و الثانية و لا نعرف عن خيط وصل بينها ، لانه تصرف في الاولى كمن يؤكد على اهمية الالتزام بالدستور ( مئة بالمئة ) في الوقت الذي حلت كل الامور عن طريق الديمقراطية التوافقية وهو احد ابطالها.
و هنا قد ظلم السيد الرئيس كل اعضاء مجلس النواب الذين ساروا في طريق الديمقراطية التوافقية و كان الرجل نفسه من المساهمين في الوصول الى هذا الحل ، فما معني ان يراوح بين الحل الدستوري و التوافقي بين يوم واخر. الامر الذي ازاد الامور تعقيدا لما بعد النقض حين ادلى بتصريحه الثاني الذي يعتمد و يدعو الى الالتزام بالديمقراطية التوافقية.
هذا تناقض ما بعده تناقض وبهذا الوضوح . و كذلك حين تاتي تصريحاته تناقض بعضها بعض ، بين موقع رئيس الجمهورية العراقية و بين موقعة كرئيس للاتحاد الوطني الكرستاني ، نحن نحترم شعورة القومي و نعترف به ، الا انه مازال يحتل منصب رئيس لكل العراق ، و كان الاجدر به ان يدع عضو اخر من الاتحاد الكرستاني ان يصرح بما يشتهي الطلباني و يظل هو يتفرج على التل و يحافظ على حياديته بين العراقيين ككل بالورة اقلها .
لم نر تلك الثورية التي كان يتصف بها في السابق في معالجة الامور الملحة و الشائكة في العراق اليوم ، صحيح ان الرجل قد تقدم به العمر ، الا ان هذا العمر و النضال الطويل يمنحه موقع اكثر ابوية و اعمق عقلانية من ان ينحاز و بصورية واضحة و علنية الى اي من الجهات .
رابعا . كذلك جاء انتخاب السيد الهاشمي كنائب لرئيس جمهورية العراق عن طريق المحاصصة . لان الرجل لم يكن معروفا سياسيا كغيره من السياسين العراقين في زمن المعارضه ، هذا لا ينفي ان الرجل لم يكن من معارضي صدام حسين .
و بقى في منصبه هذا الى هذا اليوم بغض النظر عن انه قد ترك الحزب الاسلامي اي ترك جبهة التوافق التي رشحته لهذا المنصب ، فاذا كان استمراره في المنصب هذا من منطق التفاهمات السياسية او التوافقات الديمقراطية فعليه ان يستمر في نهج تلك التوافقات او المحاصصة الى ما بعد الانتخابات.
هنا سيأتي اعتماده على الدستور في عملية النقض غير شرعية و لا تستند على شرعية المحاصصة التي اعطته هذا المنصب و هم ( التوافق ) من توصل و بجهد جهيد الى هذه الصيغة لاخراج قانون الانتخابات المصوت عليه من اركان المحاصصة و من ضمنهم جماعته ، و كان الاجدر بالرجل ان يناقش الموضوع معهم خلال تلك النقاشات الماراتونية قبل اصدار القانون و حتي في فترة العقم الذي اصاب مجلس النواب حين حول المشروع الى هيئة الرأسة لحلحلته ، لم يسجل ويرسل نقاط تحفظه على تلك النقاط في مقترح القانون انذاك و لا حتى كتذكير لمجلس النواب بما يجب ان يحافظوا عليه في اعداد القانون الجديد .
اما اذا جاء تصرفه هذا ( النقض ) من منطق حماية الدستور فلنا نقاط تحفض على تصرفاته لا حدود لها عند مخالفته للدستور في اوقات كثيرة . هذا التحليل السياسي توخى الحياد الاعمى ، اي دون الاخذ بالدوافع الحقيقة للنقض . كتب عن موضوع و تصرفات السيد النائب الثاني الاخيرة كثيرا في كل الادبيات و الصحف و صفحات الانترنت وهو ليس موضوع هذا الورقة .
ان ما يهمنا هنا هو ما هي الدوافع الحقيقية لتصرف السيد نائب الرئيس هذه ؟؟؟ لاننا لا نجد دوافع ذكية و شخصية حتى لو وقفنا الى جانب الهاشمي كاصدقاء له . لقد فقد الرجل اي امل للحصول على منصب رفيع في الدولة العراقية بعد الانتخابات القادمة ، اي من منطق انتخابه عن طريق صناديق الاقتراع و هذا واضح من تكتله الاخير مع السيد علاوي و المطلك و املهم غير الواقعي في الحصول على اصوات تؤهلهم لاجراء التغير الذي يتوخون .
لا من منطق كمية العداء الذي زرعها في نفوس الشعب العراقي في احلك ظروفه ، ولا حتي من منطق الديمقراطية التوافقية و توزيع المناصب عن طريق المحاصصة لو نجحت و اعادوها ثانية ، لانه وسع الفجوة بينه و بين اعدائه السياسين الى درجة سوف لن يغفروا له هذه الهفوة، ونقلها الى صفة المشاكس ، و لا تلعب الناس ثانية مع من يشاكس . ، و لا حتي من منطق الاصطفاف الطائفي ( البغيض ) لانه قد خسّر تلك الطائفة او تلك المناطق عدد من النواب كانت من حصتهم لو لم ينقض القانون، راجع تصريح السيد النائب عن جبهة التوافق العراقي رشيد العزاوي و تصريح الجبوري لاحقا .
فماذا كان وراء هذا التصرف، او ما هي خطة السيد الهاشمي اذاً ؟ و ماهي عظمتها و حجمها الذي دعى السيد الهاشمي ليقف هذا الموقف و هذه المخاطرة و هذه الخسارة الكبيرة غير المحسوبة ؟؟؟ لن ادخل في خانة نظرية المؤامرات هنا .
انه التعسف الديمقراطي لا غير ، اي ان الانسان يستغل السبل الديمقراطية للوصول الى مبتغاه غير الديمقراطي عن طريق الالتزام بقشور الديمقراطية، و لوي و تهديم هذا المنهج الكريم من الداخل و فرضه على الاخرين ، وهذه التصرفات ليست جديدة على تصرفات الثورات و التغيرات في العالم الثالث، حيث اسست هياكل ديمقراطية تنقصها الروح الحقيقة للديمقراطية ، و هذا النهج لم يمس السياسين و الثوريين فقط بل مس الكتاب و الصحفين و المنظرين و فلاسفة الثورات التحررية على السواء في داخل و خارج العراق .
* مهندس معماري / لندن