|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأحد  29  / 3 / 2015                                علي عبدالواحد محمد                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

الإرادة والحرية

علي عبد الواحد محمد

يمكن لنا ان نصوغ تعريفا واضحا للإرادة من خلال بيت الشعر المشهور في الأدب العربي للشاعر التونسي "ابو القاسم الشابي" :

إذا الشعب يوما اراد الحياة     فلا بد ان يستجيب القدر
ولابد لليل ان ينجلي             ولابد للقيد ان ينكسر

او من خلال قول الشاعر الزهاوي :

إن كان للمرء عزم في ارادته     فلا الطبيعة تثنيه ولا القدر

وهناك الكثير من الروائع الشعرية التي تتغنى بالإرادة سواء لدى الأفراد او الجموع ( الشعوب )،وهناك العديد من الأبحاث الفلسفية والأبحاث السيكلوجية التي تسبر غور موضوعها ، فمثلا يتوقف استاذ الفلسفة في كلية (كينج كولج ) البريطانية في كتابه الموسوم الأرادة الحرة : مقدمة قصيرة يتوقف على مجموعة من القضايا المتعلقة بالسؤال الفلسفي الجوهري "هل هناك خيارات حرة ام لا ؟"

هذه البحوث والدراسات تربط ما بين الإرادة والحرية في إتخاذ القرارات ، فقد اوضح انجلز مثلا إن حرية الإرادة لا تعني شيئا الا المقدرة على إتخاذ القرارات بمعرفة الذات .
(1) وهذا يقودنا الى التعريف الفلسفي العميق عن الحرية التي هي ادراك الضرورة. او هي امكانية الفرد دون اي ضغط او جبر على إتخاذ قرار او تحديد خيار. المسائل الضرورية كثيرة في حياة الناس والمجتمعات عموما ، منها ضرورات موضوعية ، اي إنها موجودة خارج الوعي ، كالحاجة الى الأكل والحاجة الى الشرب ، وغيرها من الحاجات.(2)

ومنها المسائل الضرورية غير الموضوعية، التي يتحكم الوعي في تلبيتها ، مثل ضرورة العمل ، وضرورة السفر ، وضرورة العيش الكريم .
(3)

ولما كانت افعال الإرادة هي ناتجة عن تنفيذ القرار الذاتي .
(4) وكذلك فإن قوة الإرادة ليست منحة من الطبيعة وإنما هي ثمار معرفة وخبرة وتربية ذاتية .(5)

ان الربط ما بين الإرادة والحرية ينتج لنا ما نسميه حرية الإرادة : التي يمكن لنا ان نوضحها على إنها الإدراك الواعي للضروريات ، والتصميم الفاعل على إنجازها . اي اننا هنا لابد ان نحدد الهدف الذي نود تحقيقه وان نتذكره دائما ، واهمية ان يكون هذا الهدف نابع من رغبتنا في اجراء تغيير ما نحو الأحسن طبعا ونشعر ان تحقيقه يبعث على الراحة النفسية ، وتحضرني هنا سيرة حياة الكاتبة الأمريكية ( هيلين كيلر ) التي عانت منذ ولادتها من العمى ، وفقدان النطق وفقدان السمع ، ولكنها تحدت هذه النواقص وبمساعدة من مربيتها واساتذتها فتعلمت القراءة والكتابة بطريقة بريل ، وتعلمت الرسم بنفس الطريقة واصبحت الكتب المكتوبة بطريقة بريل كل حياتها فأكتشفت العالم وغيرت فيه من خلال هذه الكتب ، فحلقت في عالم الأدب والمعرفة . ولنا في تاريخنا المعرفي شخصيات خلدت في نتاجاتها الأدبية والفنية والعلمية رغم فقدانهم لبعض من حواسهم الخمس ، فأحتل طه حسين عمادة الأدب العربي بجدارة ، وتألق محمد مهدي البصير في التأريخ والأدب ، واصيب الرسام النهضوي رابرانت بالعمى في اواخر حياته فلم يعقه ذلك عن الإبداع ، ولا ننسى بتهوفن الذي قدم روائع الموسيقى الكلاسيكية وأبدع في تأليف السمفونيات وهو أطرش وهناك العشرات من الموسيقيين العرب ممن فقدوا ابصارهم في مراحل مختلفة من اعمارهم امثال عازف الناي العراقي خضر الياس ، والملحن المصري سيد مكاوي ، والملحن المصري عمار الشريعي ، والملحن والمغني المشهور الشيخ امام والعشرات من الموسيقيين والعازفين وحافظي القرآن من العميان...... الخ ، فقد كان هؤلاء يملكون إرادة تتحدى االنقص في حواسهم وكانوا يعوّدون انفسهم على ممارسة اهتماماتهم في مختلف الظروف ، وكانوا يغضون الطرف عن الأخطاء عندما يقعون فيها ويعيدون المحاولة مرات ومرات ، وهم في ذلك يعيشون وسط زملائهم غير منقطعين عنهم وعن العالم ، تملؤهم الثقة بالنجاح وبان عزيمتهم في تطور واشتداد. فلا شئ مستحيل طالما توجد الإرادة .

وفي التاريخ المجيد للحزب الشيوعي العراقي تتجسد الآرادة الحرة الواعية للمتطلبات النضالية مرات عديدة، منذ التأسيس ، فقد كان وراءه إرادة لا تلين ، تحدت كل المصاعب ، لتنبثق لجنة مكافحة الإستعمار والإستثمار، في داخل المجتمع ، ويمتد تاريخ مجيد من النضال طوال اعوامه الحادية والثمانين وفي سفر خالد من الآرادة الحرة للشيوعيين العراقيين ، التي تجد إحدى تطبيقاتها في وصايا الرفيق الخالد فهد للسجناء الشيوعيين ،"إن السلطة تريد في سجنها للمناضلين الشيوعيين عزلهم عن العالم والإنفراد بهم" فلذلك حوّل الشيوعيون العراقيون سجونهم الى مدارس وجامعات ومراكز للإعلام والإنفتاح على العالم الخارجي بشتى السبل فكانت النشرات الجدارية ونشرات الأخبار تقليدا مهما للسجناء ، وكم كانت وصية الرفيق الخالد فهد للفنان التشكيلي السجين أنذاك رشاد حاتم ذات مدلول كبير عندما طلب منه ان يمتد تفكيره وبصره الى خلف جدران السجن ليرسم العالم خارج السجن فجاءت لوحات الفنان ضاجة بالحياة . وحملت مضمونها وخصوصيتها عند عرضها في معرض الذكرى الأربعين لميلاد الحزب ، وتتجسد الملاحم البطولية ، والإرادة الصلبة في مواقف الشيوعيين العراقيين في اقبية التعذيب ، فكانت مواقف الأبطال سلام عادل وعبد الجبار وهبي (ابو سعيد) والعبلي وغيرهم في الهجمة الهمجية في 1963 وقبلها موقف قادة الحزب فهد وحازم وصارم وغيرهم في 1948 وفي المواقف اللاحقة للمناضلين الاخرين ، الكل عبر عن حريته في اختياره الواعي لطريق النضال ، انها الإرادة الحرة .

متى ما توفرت الإرادة سهلت الطريق (مثل انكليزي)
انا لست من رأيكم ولكني سأصارع من اجل قدرتكم على القول بحرية (فولتير)


المصادر

(1) ويكيبيديا بعنوان الإرادة
(2) (3) مقال سابق لي بعنوان دور الحاجات الموضوعية في الحراك الإجتماعي موقع الناس الألكتروني
(4) (5) الموسوعة الفلسفية تأليف م. روزنتال و بودين ص ص 15، 16

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter