| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الخميس 29 / 10 / 2026 علي المسعود كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
فيلم "ملكة في عرض البحر"
نظرة فاحصة وأنسانية لمريض الزهايمر
علي المسعود (*)
(موقع الناس)مرض الزهايمر هو مرض مفجع تتدهور ببطء ذكريات الشخص ووظائفه المعرفية وذكرياته . إنها حالة بدون علاج . ونقف عاجزين امام هول مايحصل لاحبائنا امام هذه الانهيار في الذاكرة . طرحت فكرة أمراض الشيخوخة ومنها (الزهايمر) أكثر مرة في السينما، على سبيل المثال، فيلم “الأب” الذي صدر في عام 2020 لفلوريان زيلير وبطولة أنتوني هوبكنز .
وكذلك الفيلم الأميركي “ما أزال أليس” وهو فيلم دراما تم إنتاجه في عام 2014، بطولة جوليان مور وأليك بالدوين . والذي استوحاه المخرجان واش ويستمورلاند وريتشارد غلاتزر من رواية ليزا جينوفا (2007)، قصة الشخصية الرئيسة تروي عن بروفسورة ناجحة متخصصة في علم النفس في جامعة كولومبيا وهي أم لثلاثة أولاد بالغين. تصاب بحالة نادرة من مرض الزهايمر، أما في السينما العربية ، لابد من ذكر فيلم (زهايمر) لعادل أمام وسعيد صالح الذي ابدع في أدائه الصادق وكأنه في بداية فقدانه للذاكرة .
ومن الافلام الحديثة فيلم "ملكة في عرض البحر" الفيلم من تأليف وإخراج "لانس هامر"، تحفة فنية ستكون مرشحة للأوسكار في العام المقبل . ويتبع قصة "أماندا" (جولييت بينوش) أستاذة جامعية (تؤدي دورها بينوش) تواجه معضلة أخلاقية حادة تتعلق بوالديها المسنين (يؤدي دوريهما كورتني وكالدر- مارشال)...
تنتقل أماندا تؤدي دورها (جولييت بينوش)، وهي أستاذة جامعية، مؤقتاً من نيوكاسل إلى لندن خلال فترة إجازتها العلمية، لتكون بالقرب من والدتها ليزلي (تؤدي دورها آنا كالدر-مارشال) التي تعاني من مراحل متقدمة من مرض الزهايمر. أفنتتاحية الفيلم ، تبدأ بمشهد لزوجين مسنين يتبادلان الحب، وهما يصعدان الدرج متشابكي الأيدي. يوحِي هذا المشهد للمشاهد بأنه بصدد متابعة قصة حب يلقي عليها مرض الخرف بظلاله القاتمة، وهو أمر صحيح إلى حد ما. ومع ذلك، فإن فيلم "ملكة في عرض البحر" يتجاوز بكثير مجرد تصوير التغيرات المؤلمة التي تطرأ على شخص تحبه . قصة مؤلمة تسرد كيفية التأقلم مع التغيرات التي يفرضها مرض (الزهايمر) على الجميع.
يبدأ فيلم "هامر" حين تزور "أماندا" التي تؤدي دورها "جولييت بينوش" بأداءٍ يتسم بضبطٍ نفسيٍّ مذهلٍ وبساطةٍ متناهية برفقة ابنتها المراهقة سارة (تؤدي دورها فلورنس هانت)، - لتجد والدتها "ليزلي" (آنا كالدر-مارشال) وزوج والدتها "مارتن" (توم كورتني) في لحظة حميمية . تبدأ أماندا بتوبيخ مارتن، مذكّرةً إياه بأنها طلبت منه التوقف عن ممارسة العلاقة الحميمة مع ليزلي، التي يُفترض أنها مريضة لدرجة تمنعها من إعطاء موافقتها (وهي مسألة يتركها هامر غامضة بشكلٍ يثير التساؤلات). في الظروف العادية، قد يُعدّ موقفاً كهذا محرجاً، في الوقت نفسه ، لا ينوي (مارتن) التوقف عما يعتبره ممارسةً طبيعيةً للعلاقة الزوجية، بل يزعم أن زوجته هي من تبادر بطلب هذه الحميمية . ثم تتصل أماندا بالشرطة، لتجد العائلة نفسها خاضعة لسلسلة من الإجراءات القانونية والاجتماعية التي تجرّد الأفراد من إنسانيتهم؛ وهي إجراءات يوثّقها المخرج والكاتب"هامر" بدقة متناهية . أماندا وزوج أمها مارتن يكافحان مع قضية أخلاقية تفرقهما. هل فقدت والدة أماندا، ليزلي، التي تعاني من الخرف المتقدم، القدرة على اتخاذ قرارات حاسمة لمصلحتها الخاصة؟ ، وإذا كان الأمر كذلك، من المسؤول – الزوج، الطفل، المؤسسة – عن اتخاذ هذا القرار؟ .
لا يُصوِّر الفيلم الزوج "مارتن" كرجلٍ مسنٍّ مبتذلٍ أو شهواني، بل كرجلٍ محبوبٍ للغاية، يعتني بزوجته المريضة بتفانٍ مؤثر. وهو لا يسعى للعلاقة الحميمة من أجل متعته الشخصية فحسب، بل انطلاقاً من قناعةٍ عميقةٍ بأنه يساعد زوجته أيضاً . تتسم المشاهد التي تجمع بين توم كورتني وآنا كالدر-مارشال بجمالٍ فائق، فالتفاني بينهما قد يبدو مثالياً أكثر من اللازم، ومستنداً إلى الصورة النمطية الرومانسية لكبار السن، لكنه ينجح في إقناع المشاهد، ويعود الفضل في ذلك بشكلٍ خاص إلى الأداء القوي للممثلين . إذ يقدِّمان معاً نموذجاً رائعاً للحب في السينما. تواجه أماندا زوج والدتها الذي كان قد وعد سابقاً بالتوقف عن هذا السلوك . و حين تقرر أماندا إشراك السلطات، ، تنطلق سلسلة من الأحداث المتزايدة في حدتها وإحراجها التي تضعهم جميعاً في مواجهة واقعٍ قاسٍ ، إذ يجد الزوجان المسنان - اللذان لا يفترقان- صعوبة بالغة في البقاء بعيداً عن بعضهما، رغم الأوامر الصارمة من أماندا ومن القانون على حد سواء. وفي الوقت ذاته، تواجه أماندا تحدياً آخر يتمثل في ابنتها المراهقة سارة (فلورنس هانت)، التي بدأت تنشأ بينها وبين فتى يُدعى جيمس (كودي مولكو) علاقةٌ تتطور بالتزامن مع ظهور غرائزهما الفطرية.
وهكذا، يمكن للمرء أن يتخيل مدى دقة الموقف الذي تجد أماندا نفسها فيه؛ فهي تحاول بحذر التعامل مع وضع والديها المعقد، بينما تتعامل في الوقت ذاته مع رغبات ابنتها سارة الناشئة . ويقود حياتها نحو فوضى متزايدة. وهكذا، تبدأ سلسلة من الاضطرابات: بدءاً من وصول رجال الشرطة، ثم تدخل الخدمات الاجتماعية، ووصولاً إلى إقامة (ليزلي) في دارٍ للرعاية وتعيين مُقدّم رعايةٍ منزليٍّ لمساعدتها في شؤونها اليومية. تبلغ هذه الاضطرابات ذروتها في لحظةٍ غير متوقعةٍ على الإطلاق، وتحدث بسرعةٍ خاطفةٍ ومؤثرة .
يبدو مارتن أشبه بملكٍ تائهٍ في عرض البحر؛ فهو يتسم بالصبر والاهتمام بالآخرين، لكنه في الوقت ذاته يحتاج هو نفسه إلى من يمنحه الاهتمام. لذا، ليس مستغرباً أن يبدي ترحيباً حين تبادر زوجته بطلب التقارب الحميم. هل يُعدّ هذا تصرفاً غير أخلاقي، أم أنه وسيلة ملائمة لرعاية ليزلي؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه الفيلم، تاركاً لك مهمة الإجابة للمشاهد . يزخر سيناريو الكاتب والمخرج الأمريكي " لانس هامر " وهو أيضاً مهندس معماري بنقاشات تثير الفكر حول ماهية الحب الحقيقي في مرحلة عمرية قد يكون فيها الأشخاص الذين أحببناهم في الماضي قد تغيروا تماماً أو لم يعودوا كما كانوا. وخلال الأحداث، تصارع الشخصيات الأربع الرئيسية مشاعر الإنكار، والجهل، والفضول، بل وحتى الخيانة، بينما تتعرض رؤاهم للعالم -التي تمسكوا بها لسنوات- للاختبار، وتصل أحياناً إلى حد الإهانة؛ ومع ذلك، لا يبدو في أي لحظة أن الحب قد غادر المشهد. ورغم أن مارتن مذنب باستغلال زوجته، إلا أن تصرفه لا ينبع من سوء نية أو خبث؛ فمهما كانت أساليبه مضللة، فهو يسعى ببساطة للحفاظ على الحب الذي يجمعه بليزلي، في وقت بدأت فيه حالتها المرضية تجعلها شخصاً لا تكاد تعرف أحداً ممن حولها. يعالج المخرج الأمر بأسلوب متزن -ربما أكثر من اللازم- يتيح للأفكار غير المعلنة أن تظهر، ويمنح الموقف مساحة للتنفس بقدر كبير من الرقة والعناية التي تتطلبها مثل هذه القضايا الحساسة .
تدرك "أماندا" مدى حب والدتها له، وكيف أنه يتفهمها ويدعمها، فهو، على سبيل المثال، يقدم لها حلوى "البقلاوة" - التي تفضلها - حين ترفض تناول العشاء، كما يعرف تماماً كيف يهدئها عبر تشغيل موسيقاها المفضلة. نبدأ نحن - كمشاهدين - في نسيان أفعال "مارتن" والتعاطف معه، إلى أن تعيدنا الأحداث مجدداً إلى تلك الصورة المؤرقة: غرفة نوم "مارتن" و"ليزلي" ذات اللون الأبيض -التي كانت مساحة آمنة وهادئة - تتحول فجأة إلى مسرح لجريمة . تقدم المشاهد الافتتاحية لفيلم "ملكة في عرض البحر" ، أقوى لحظات العمل؛ حين تُستدعى الشرطة، وتصبح الفحوصات الطبية المتعلقة بحالات الاغتصاب ضرورةً لا مفر منها. وتتسبب ردة فعل "ليزلي" تجاه هذا الفحص الطبي في تفاقم الصدمة العاطفية لكل من الأم وابنتها، وهي لحظة قاسية للغاية على المشاهد. ومع تدخل البيروقراطية، تبدو الأمور أكثر تعقيداً، لكن يتضح جلياً أن ترتيبات رعاية "ليزلي" بحاجة إلى تغيير. تظهر "أماندا" - التي تؤدي دورها بينوش - صامدة في سعيها لاتخاذ الصواب، لكنها سرعان ما تبدأ في التساؤل عما إذا كانت قد تجاوزت حدودها. فأي ترتيبات يمكن أن تخدم مصلحة "ليزلي" الفضلى، لا سيما وهي عاجزة عن التعبير عن أفكارها أو احتياجاتها؟ .
لقد مضى على زواجهما 18 عاماً. يتساءل زوج أمها مارتن: أين كانت أماندا طوال تلك الفترة؟ ، هل اقتصر حضورها على زيارات خاطفة في أعياد الميلاد والمناسبات؟ وكيف يمكنها، والحال هذه، أن تدرك طبيعة علاقتهما؟ ، لقد سمع مارتن أن بعض الأطباء النفسيين المتخصصين في رعاية المسنين يرون أن العلاقة الحميمة مفيدة، بينما يخالفهم في ذلك طبيب الأسرة؛ وهو الرأي الذي تتبناه أماندا. تشعر أماندا بالصدمة لأن مارتن لا يزال يتناول عقار "فياجرا"؛ فبرأيها، حتى وإن كانت ليزلي - كما يقول مارتن - هي من تبادر غالباً إلى العلاقة الحميمة، فإن هذا السلوك ليس سوى نتيجة لفقدان الكوابح الناجم عن المرض. وإذا كان ثمة أمر واحد مؤكد، فهو أنه بمجرد اختلال التوازن.
يقدّم كل من بينوش وكورتني أداءً صادقاً ومؤثراً للغاية؛ إذ يجد المشاهد نفسه منجذباً إليهما طوال الفيلم، منصتاً باهتمام لكل كلمة ينطقان بها. أما أداء آنا كالدر-مارشال في دور "ليزلي" الأم المصابة بالزهايمر فكان مفجعاً ومؤثراً ، يلامس المشاعر بعمقٍ مؤلم. كانت نظرات عينيها الساكنة تذكرني تماماً بتلك النظرات التي رأيتها في عينيّ جدّتيَّ الراحلة . جاء الأداء التمثيلي إستثنائي ، مما ساعد في الحفاظ على تماسك العمل. فقد قدم جميع الممثلين - ولا سيما الثنائي المتميز كورتني وكالدر-مارشال - أداءً رائعاً، محولين النص إلى تجربة عاطفية مفجعة تضفي على شخصياتهم لمسة إنسانية عميقة. ويُظهر لانس هامر وعياً مقصوداً في خياراته، لا سيما فيما يتعلق بتكوين اللقطات والموسيقى بل إن بعض المشاهد تبدو وكأن المخرج "هامر" ترك الكاميرا تدور بينما كان الممثلون يمارسون أنشطتهم العفوية - سواء كانوا يتناولون الإفطار أو يبتكرون رقصات جديدة لتطبيق "تيك توك" - مما منح الفيلم شكلاً طبيعياً للغاية، بدلاً من أن يبدو مجرد نص مكتوب ومؤدى بدقة . يعدّ الفيلم عملاً طموحاً للغاية، إذ يسلط الضوء على واقع الحياة مع مرض "الزهايمر"، سواء بالنسبة للمصابين به أو لمن يتولون رعايتهم . كما نرى "ليزلي" في دارٍ للرعاية، وهو مشهد لفت انتباهي بشكل خاص، فقد قدّم تصويراً دقيقاً لمرضى الخرف في بيئات جديدة، حيث يسعون جاهدين للتواصل مع الغرباء . تتمحور رسالة الفيلم حول ضرورة تقبّل التغيير بدلاً من مقاومته، فما كان يوماً بريئاً وحقيقياً يمكن أن يتخذ شكلاً آخر. ثمة لحظة يطلب فيها "مارتن" من "ليزلي" أن تشير إلى أعز أصدقائها، فتُشير إليه . قد لا يدرك المصابون بالزهايمر هويتك، لكنهم يدركون تماماً الأثر الذي تتركه في نفوسهم، وهي حقيقة واجهتُ أنا و"أماندا" صعوبةً في التعامل معها . يرسم الفيلم أيضاً صورةً دقيقةً وقاسيةً في آنٍ واحدٍ للمخاوف ذات الطابع "التطهري" (المتشدد أخلاقياً). إذ نرى نظاماً للرعاية يتسم بعدم كفاءةٍ واضحةٍ في التعامل مع القضايا المتعلقة بالجنس، واللمس الإنساني، والجسد، وهو نظامٌ يبدو عاجزاً تماماً عن مراعاة الخصوصية الفريدة لكل فرد. وفي هذا السياق، يكتسب اختيار الممثلة جولييت بينوش لهذا الدور أهميةً بالغةً، فجذور شخصية "أماندا" الفرنسية (إذ يُفترض أن والدها كان فرنسياً) تمنحها موقعاً مزدوجاً في السرد: فهي من جهةٍ تبدو كفردٍ مندمجٍ في المجتمع المحلي، معتادٍ على عيوبه الهيكلية، ومن جهةٍ أخرى تبدو كغريبةٍ تجاه تلك العلل التي تجعل من البيئة البريطانية مكاناً كئيباً للغاية، سواءٌ بالنسبة للشباب أو كبار السن . تتجلى أجواء القنوط والكآبة التي يفرضها نظام الرعاية - والذي يستنزف ما تبقى من حيويةٍ في أجساد المسنين - بوضوحٍ من خلال مزيج مشاعر "أماندا" الذي يجمع بين الاستسلام والغضب، وكذلك من خلال المواقع التي تدور فيها أحداث الفيلم. ولنأخذ على سبيل المثال الشقة الواقعة في مبنى شاهق، والتي تستأجرها "أماندا" و"سارة" خلال فترة إقامة "أماندا" الطويلة وغير المتوقعة في لندن، فهذا المبنى ذو الطابع المؤسسي البارد يقف على النقيض تماماً من منزل "مارتن" و"ليزلي". ورغم أن منزل الأخيرين ينطوي على تحدياتٍ خاصة (كوجود سلالم شديدة الانحدار)، إلا أنه محاطٌ بالطبيعة، التي تشكل خلفيةً مثاليةً لنزهاتهما اليومية .
فيلم "ملكة في عرض البحر" الذي يطرح قصةً حزينةً مألوفةً للغاية، لكنه يسردها بلمساتٍ من الجمال والتفاصيل الدقيقة غير المتوقعة. إن تصوير حالة الخرف التي قد تصيب البعض في خريف العمر ليس بالأمر الذي يسهل تحويله إلى عملٍ سينمائيٍّ مبهرٍ في أيدٍ أقل مهارة، لكن المخرج الأمريكي المتأمل «لانس هامر» الذي غاب منذ فائزه بجائزة صندانس في فيلم (بلاست) عام 2008، بالاست. هذا عودة قوية، استطاع أن يصنع منه عملاً استثنائياً، فهو فيلمٌ يمزق القلب، وفي الوقت ذاته يبدو مفهوماً تماماً وقريباً من التجربة الإنسانية الشخصية . فيلم مؤلم يقارن بفيلم "حب" لمايكل هانيكه أو "دوامة غاسبار نويه". ينتهي بمشهد نهائي ساخر وغامض يرفض الإيقاع النهائي التقليدي ، ثنائي من الحب، يقارن بين متع وتوقعات الحميمية عبر الأجيال . يتناول فيلم " ملكة في عرض البحر "موضوعات صعبة ومثيرة للاهتمام من خلال سيناريو يزخر بالحوارات والنقاشات، الفيلم نجح في إستعراض قدرات الممثلين الرائعة والمتميزة ؛ فبالرغم من الجرأة والمحاولة الجادة في تناول موضوعات بالغة القسوة . يستكشف الكاتب والمخرج " هامر " أهمية السياق والحدود الشخصية، حتى في أكثر العلاقات خصوصيةً وحميمية . يجعل الفيلم استثنائياً في نظري هو تحوّل فكرةٍ مكتوبةٍ ببراعة - وهي هنا من إبداع "هامر"، الذي تولى أيضاً إنتاج الفيلم ومونتاجه - إلى عملٍ سينمائيٍّ خالصٍ يتشكل أمام أعيننا مباشرة. يبتكر "هامر" لغةً سينمائيةً تتناغم تماماً مع الشاشة الكبيرة . يظهر الفيلم وعياً دقيقاً بالجوانب التي يسعى لاستكشافها في مرض الخرف، كما يبرز اختيار هامر المتعمد للقطات والموسيقى، مما يترك أثراً دائماً لدى المشاهدين حتى بعد انتهاء الفيلم . حول كيفية تأثير مرض الزهايمر على حياة أفراد الأسرة، وكيف يتكيفون للتعامل مع آثاره المدمرة .
كما أن توظيف المساحة والضوء يثير الإعجاب؛ إذ تضفي سلالم المنزل الذي يتشاركه مارتن وليزلي لمسةً من العبث، حتى تكاد تصبح نمطاً متكرراً في الفيلم مع صعودهما ونزولهما المستمر عليها، قبل أن يشير أحدهم إلى مدى خطورتها على زوجين مسنين، ناهيك عن امرأة تبدو تائهةً وتتصرف كطفلة في معظم أوقاتها . وقد حاز الفيلم على جائزة (الدب الفضي) - (جائزة لجنة التحكيم) في مهرجان برلين السينمائي. كما يمثل الفيلم لقاءً متجدداً بين كورتني وكالدر-مارشال، اللذين ظهرا معاً لأول مرة على المسرح في عام 1968 ضمن عرض لمسرحية «هاملت» في مهرجان إدنبرة، حيث أديا دوري هاملت وأوفيليا .
في النهاية : الفيلم يطرح تساؤلات صعبة دون أن يدّعي امتلاك إجاباتٍ جاهزة. فيلمٌ يتناول المأساة المطلقة لمرض الزهايمر ، ويصور معاناة أولئك الذين فقدوا ذواتهم، وأفراد عائلاتهم الذين فقدوا جزءاً جوهرياً من أحبائهم. الكاتب والمخرج "لانس هامر" صنع دراما مؤثرة عاطفيا وممثلة بشكل جيد، لكنها أيضا مملة، مرهقة، غير ملهمة، ثقيلة اليد ، وغير مكتملة بشكل كاف . إنها مشهد حياة لا يتزعزع لدرجة أنه لا يترك شيئا لخيال الجمهور، مثل مشهد طويل حيث تضطر أماندا لغسل والدتها في الحمام لأنها كانت تعاني من الإسهال، فيلم يأخذ دراما ( الزهايمر) المتعبة والمكبوتة إلى أرض جديدة جريئة. الراحة لا تكبر في مسارات أو قرارات سهلة ومرتبة في تحقيقات حول الصحبة، والذاكرة، والفقد، والموافقة ، والرعاية .
(*) كاتب عراقي \ مقيم في المملكة المتحدة