|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأثنين  1  / 9 / 2025                                عبدالقادر العيداني                                  كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

في العيد التسعون للصحافة الشيوعية العراقية
صحافة السجون في العراق / نموذجاً

عبد القادر احمد العيداني  *
alidanykhader@yahoo.co.uk

1) مرحلة العهد الملكي
لعبت الصحافة السجنية في سجون ومعتقلات العراق دوراً مشرفاً وساطعاً في تعزيز مسيرة الحزب الشيوعي اللاهبة ، بين جدران من اربعة ، مقطوعة عن الحياة والمدنية حيث السجناء في تحدٍ وعنفوان للصمود والبطولة بوجه الطغاة من الحكام عملاء الاستعمار وخدم الاجنبي ، لغرض إسكات والحد من الوعي الثوري للسجناء الشيوعيين ، لكنها خابت بجميع واشكال احابيلها ، أمام تحدي السجون والسجناء فقد اعتلى السجناء وخاصة الشهداء منهم صهوة المجد ليعانقوا السماء من اجل وطن حر وشعب سعيد ، اما الطغاة من الحكام فتم رميهم في مزابل التاريخ وفي جحور متعفنة صورت على مدى اذلالهم وخنوعهم وذهبت عنترياتهم الزائفة الى سقر واصبحوا جرذاناً الحقتهم لعنة الشعب والتاريخ .

إن الصحافة السجنية على إمتداد عقدين من القرن العشرين الماضي (من سنوات 1949م – 1968م) لعبت دوراً متميزاً وجهداً مضنياً رغم قساوة الظروف وارهاب الطغاة ، فكانت الصحافة شمساً مشرقة في توعية وتثوير السجناء للحفاظ على مبادئهم وأسرار الحزب التي حافظوا عليها طوال هذه السنين القاسية من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي .

وبهذه المناسبة العيد التسعون للصحافة الشيوعية في العراق التي صدرت (في يوم 31 تموز عام 1935 م) جريدة (كفاح الشعب) وأصبحت المنار الهادي لتعميق جذور الافكار الشيوعية من قبل الرواد الاوائل ، ممن وضعوا اللبنات الاولى للشيوعية في العراق والتي بدأت منذ عشرينيات القرن الماضي 1924/1934 م فقد صدرت جريدة الصحيفة التي صدر منها اربعة او خمسة اعداد وكانت بأشراف الراحل حسين الرحال ومن كتابها زكي خيري وعبد القادر اسماعيل البستاني ومصطفى علي وامينة الرحال ، وكان صدورها متزامن مع تشكيل الحلقات الماركسية الثلاث في القرن العشرين فكانت الاولى في البصرة والثانية في الناصرية والثالثة في بغداد .

ومن خلال التواصل بين هذه الحلقات الثلاثة تحقق الاجتماع الاول لها بقيادة الرفيق الخالد(فهد) وتم تشكيل لجنة معاداة الاستعمار والاستثمار .

في 31 اذار 1934 م تم إعلان تشكيل الحزب الشيوعي العراقي ، وبسبب سفر الرفيق فهد للاتحاد السوفيتي لغرض زيادة معارفه وافكاره الشيوعية ودخوله في مدرسة كادحي الشرق الحزبية ، قاد الحزب عاصم فليح .

وفي 31 تموز من عام 1935 م صدرت جريدة كفاح الشعب الناطقة بلسان الحزب الشيوعي العراقي وكان للشيوعي الراحل حسن عباس الكرباس دوراً متميزاً فيها وذلك من خلال توفيره المطبعة التي طبعت فيها الجريدة ، والتي اشتراها من احدى الشركات الاجنبية وتم اخفاءها في احد دور السكك في بغداد.

وبهذه المناسبة الخالدة للصحافة الشيوعية (صحافة السجون السرية) والتي هي من ضمن هذا السفر النضالي المرير والقاسي الذي تعرض له الشيوعيون في سجون الطغاة (من ملكيين وجمهوريين) نتطرق لما توفر لدينا من معلومات عن صحافة السجون .

إن اول جريدة سجنية صدرت في السجون العراقية هي جريدة (كفاح السياسي) في سجن الكوت عام 1945م وكانت بأشراف الشهيد الخالد يوسف سلمان يوسف (فهد) وكان السجين رشاد حاتم مصمماً لها ومشاركاً في تحريرها وكان يشرف عليها الشهيد طالب عبد الجبار وتوقفت عن الاصدار بعد اعدام الرفاق فهد , صارم ، حازم .

الا انها عاودت الصدور في عام 1953م بأسم جريدة (السجين الثوري) وفي بعض الحالات كانت تصدر على شكل نشرة حائطية ، وكانت تتطرق الى شرح بعض المصطلحات الماركسية والكتابة عن تاريخ الحزب الشيوعي السوفيتي بالاضافة الى التطرق للوضع السياسي في العراق ، وكانت تنشر اخبار ونضالات واضرابات الحركة العمالية في العراق ، كإضراب عمال النفط والميناء في البصرة الى جانب الفعاليات الثورية من وثبات وانتفاضات التي حدثت على امتداد الوطن وساهمت في نشر اخبار حركات التحرر الوطني في العالم .

بعد ذلك عندما تم اغلاق سجن الكوت ونقل السجناء الى سجون بعقوبة ونقرة السلمان , تم اعادة نشرها في سجن بعقوبة تحت عنوان (كفاح السجين الثوري) وكان لها هيئة تحرير من السجناء ولجنة مشرفة عليها لتدقيق المواضيع النظرية ، وخاصة اوضاع الحركة الشيوعية والعمالية العالمية ، بعد ذلك تطورت واصبحت على هيئة مجلة كان الراحل عزيز سباهي مصمماً لها واتسمت بالنشاط الفكري والادبي والسياسي ومناقشة مشاكل السجناء مع ادارة السجن .

اما في سجن نقرة السلمان صدرت في بداية الخمسينيات من القرن الماضي جريدة ترأس تحريرها السجين حسقيل قوجمان وحملت نفس اسم جريدة سجن بعقوبة وهي (كفاح السجين الثوري) وبسبب نقل مجاميع من سجناء بعقوبة الى سجن نقرة السلمان وكذلك في عام 1954م عندما اطلع على بعض أعدادها عزيز الحاج صرح بالقول (انكم أقرب منا للحزب ، رغم انكم في سجن نقرة السلمان ، ونحن كنا في سجن بعقوبة) وكان للرفيق الراحل زكي خيري وجهات نظر ربما تقترب من النشرة او تبتعد عنها قليلاً شرحها للراحل حسقيل قوجمان .

وبصدد جريدة كفاح السجين الثوري انه في عام 1965م عندما كنا في سجن نقرة السلمان عثر احد السجناء من الاخوة الاكراد والذي كان يقوم بعملية حرث الارض لغرض الزراعة على صفيحة (تنكة) مزنجرة ، كانت تحتوي على اعداد كثيرة من الصحيفة بالاضافة الى وثائق حزبية اخرى كانت مطمورة تحت التراب اكثر من عشر سنوات ، جلبها هذا السجين الى مخزن المواد الغذائية ، وكنت احد العاملين فيه وبعد ذلك تم تسليمها الى المنظمة الحزبية ولا اعلم ما فعلت بها .

بالعودة الى الجريدة السجنية فقد صدر منها اربعة أعداد خلال سنة وبسبب المشاكل والمعاناة من الوضع الداخلي في الحزب بين جماعة القاعدة والشغيلة فقد توقفت عن الصدور.

والجدير بالذكر ان الشهيد عدنان البراك لعب دوراً متميزاً في تحرير جريدة (كفاح السجين الثوري) وكان يمتلك القدرة الباهرة على التحليل والتنبؤ بشكل ثوري كما ذكر ذلك الراحل عزيز سباهي في احدى الجلسات المسائية الخاصة عام 1965 م واضاف ان لعدنان البراك القدرة على حل المشاكل وبموضوعية عالية من خلال امكانياتها وصفاته التي تنال احترام السجناء ، وكان الشهيد يمتلك إمكانية خارقة بأعادة نشر الصحيفة السجنية بكتابتها على ورق خفيف (شفاف) وذلك لغرض إخفاءها عن عيون ادارة السجن وارسالها الى قيادة الحزب بعد طويها مع ورقة (البافارا) ورق التدخين الذي يوضع فيه التتن وتكون على شكل سيكارة .

وبحسب ما ذكره السجين عبد المنعم الاعسم انه في عام 1955 / 1956 م أصدر الرفاق المبعدين لقضاء بدرة بعد انتهاء محكوميتهم من سجن نقرة السلمان ووضعهم تحت المراقبة ، صحيفة بأسم (الاخبار) لعبت دوراً في تعزيز الوحدة السجنية وكان من ابرز كتابها الشاعر الشيوعي عبد الله كوران وصدر منها عددان فقط ....

2) مرحلة العهد الجمهوري
بعد انقلاب 8 شباط صدرت النشرة الاخبارية في سجن نقرة السلمان ، وكان العاملون في هذا المفصل جنوداً مجهولين من السجناء يتكتمون على عملهم بصورة عالية من السرية لئلا تتسرب تفاصيل واسرار العمل الاخباري الى ادارة السجن وفلول الحرس القومي ، الذين كانوا يقومون بأعمال بربرية بحق السجناء وبالتعاون مع مفرزة الامن .

عند وصولي الى سجن نقرة السلمان في اليوم الخامس من تموز 1963 م تم تنسيبي الى هيئة مخزن المواد الغذائية الذي كان يهيئ المواد الاولية لغرض الطبخ وكان يعمل في المخزن الشهيد هندال جادر وضابطين لطفي شفيق واحمد صبحي الخطيب وكاكا صابر محمد حسين من اربيل فكنت ضمن هذه المجموعة التي تستلم وتسلم المواد الاولية للطبخ .

كان في المخزن (طبكة) حسب التعبير الدارج كطبكة الخياطين تكون في اعلى المحل ، وفي هذا المخزن من خلال المكان المنعزل على شكل الطبكة كانت تعد النشرة الاخبارية اليومية بأشراف الراحل سامي احمد العباس عضو لجنة التنظيم ، وكان يقوم بالانصات وكتابة الاخبار السجين سامي احمد البدر وهو كويتي الجنسية .

كانت بدايتها بسيطة وخلال تلك الفترة تم تكليفي بالمساهمة والتدريب على يد الراحل سامي البدر وكان ذلك في فترة حكم الحرس القومي ، كنا نعتمد على جهازي راديو من نوع سانيو يابانية الصنع يعملان بالبطارية وكان حجم الراديو (20X30سم) مع جهازي تسجيل ابو الشريط (بكرة) نوع (توشيبا) وكانا يعملان ايضاً بالبطارية بسبب عدم وجود الكهرباء في السجن .

كان حجم المسجل الواحد (25X 40سم) ، وكان الكادر الاخباري يعمل ليلاً وبعد الانتهاء من العمل يتم وضع الاجهزة في مخبئ خاص معد لإخفائها عن عيون الاعداء .

بعد سقوط الحرس القومي تمتعنا بنوع قليل من الحرية داخل الجدران الاربعة .

فتم قطع الجزء الخلفي من المطبخ على هيئة غرفة صغيرة وصدر الأمر من التنظيم الحزبي ان انقل فراشي وحاجياتي الى هذه الغرفة وكانت مقري الدائم في السجن خلال الخمس سنوات التي قضيتها في السلمان وهي منعزلة عن ساحات السجن ، وبعد اطلاق سراح السجين سامي احمد البدر كويتي الجنسية غادر العراق وذهب الى الكويت وتوفى فيها قبل سنوات وقد علمت بذلك من اصدقائي الكويتيين وعلى اثر ذلك تم تشكيل لجنة لأعداد النشرة الاخبارية بعد ان توسعت مهامها وعمل معي خلال هذه السنوات حسب فترة تواجدهم في السجن الكاتب والاديب الكردي (محمد ملا عبد الكريم المدرس) من السليمانية والشهيد شعبان كريم من الديوانية ومحمد جاسم الشريفي من ديالى والعسكري عبد الزهرة ديكان من بغداد .

يبدأ عملنا في هذا المفصل (نشرة الاخبار) من الرابعة عصراً الى ما بعد منتصف الليل لغرض اكتمال النشرة وجهوزيتها بعد تدقيقها من الراحل سامي احمد عباس ترسل الى مجموعة اخرى في غرفة مجاورة تم بناءها من قبل شغيلة السجن لغرض استنساخها بالكاربون (15/20 نسخة) حسب الاحتياج .

كانت المهمة الاساسية لهيئة الاخبار هي متابعة إذاعة صوت الشعب العراقي السرية (اذاعة الحزب الشيوعي العراقي) التي تبث برامجها الموجهة من بلغاريا وقد عمل في الاذاعة من أعضاء اللجنة المركزية للحزب الرفاق حميد بخش وعبد الرزاق الصافي ومهدي عبد الكريم .

كانت الاذاعة تبث يومياً في فترتين الاولى عصراً (5.30 لغاية 6.00 ) وتعاد البرامج نفسها مساءاً (9.30لغاية 10.00) وكانت المحطة معرضة للتشويش من قبل سلطات الحكام وذلك لغرض خنق صوت الشعب الحقيقي وللحيلولة في عدم وصولها الى المستمعين من ابناء الشعب ، وكان البث يصل بصعوبة الى داخل السجن ، أما في ايام الشتاء والسماء متلبدة بالغيوم يكون إستلامها بصورة اوضح نوعاً ما .

تطورت الهيئة الأخبار في عام 1965 عند دخول الكهرباء الى السجن فتم تزويدنا بجهاز تسجيل الماني (نوع تليفيونكن) وتم الحصول عليه من بعض وجبات السجناء عند دخولهم للسجن في ساعات متأخرة من الليل على جهاز راديو كبير يعمل بالكهرباء حل لنا الكثير من المصاعب وتم استغلاله صباحاً لألتقاط رسائل اللاسلكي (المورس) بين الدوائر المختصة مع شرطة البادية وإدارة السجن وكان يقوم بهذه المهمة السجين رئيس العرفاء سعدون جبر .

وعند ساعات الفجر الاولى تكون النشرة الاخبارية جاهزة للتوزيع على الردهات والقواويش من قبلي (عبد القادر احمد العيداني) لغرض قراءتها بعد التعداد اليومي ، حيث يتم قراءتها علناً من قبل بعض الرفاق ذوي القراءة السليمة والصوت الواضح.

كذلك كانت تصدر في نفس الفترة الزمنية نشرة اخبارية في سجن العمارة عمل فيها السجين عقيل حبش، بعد ان تم تكليفه من قبل الشهيد محمد الخضري فتم اقتطاع جزء من الساحة على شكل غرفة وكان عوضاً عن الباب تم وضع بطانية مثقوبة من النصف لغرض مراقبة باب الدخول والخروج للسجن من اجل الصيانة وعند الانتهاء من اعدادها ترسل الى جماعة الاستنساخ (بالكاربون) بكتابة ثلاثة نسخ منها .

وبعد انتقال العاملين في النشرة ووصول مجموعة من سجناء السلمان من ذوي الاحكام الموشكة على اطلاق السراح تم مواصلة النشرة الاخبارية بإشراف الراحل يونس (مونس) موحان وعمل معه الدكتور عبد الكريم عبد الحسن وذياب كزار (ابو سرحان) في تعزيز وادامة مستوى النشرة الاخبارية .

وفي نفس السياقات وكون الكثير من سجناء الحلة تم نقلهم من سجن نقرة السلمان ، فقد صدرت الاوامر لأعداد النشرة الاخبارية عندما كان الراحل نصيف الحجاج (رئيس تحرير جريدة صوت الطليعة الشيوعية البصرية ) وهو اخ الشهيد فيصل الحجاج وكان نصيف مسؤول التنظيم ، فقد صدرت نشرة إخبارية وكان المسؤول عنها المهندس علي حسين السالم وبمساهمة السجين حميد غني جعفر (جدو) وعقيل حبش وكمال ملكي من اهالي دهوك والملازم فاضل عباس اضافة الى سجناء اثنين آخرين لم استطيع الحصول على اسمائهم.

تم من خلال هذه الغرفة التي كانت معدة للنشرة الاخبارية البدء بحفر نفق سجن الحلة الذي هرب منه حوالي (40سجين)كان اعضاء هيئة الاخبار من ضمنهم بعد ان تم نقل الصيدلية الى مكان اخر وكان يتم الحصول على الورق والكاربون من قبل ممثل السجناء كاظم فرهود فجر من اهالي الناصرية ، وبعد ان يتم الانتهاء من اعداد النشرة يقوم الشاعر مظفر النواب بتدقيقها وتصليحها لغوياً وكانت تكتب بست نسخ ويتم اعادتها الى الهيئة الاخبارية فيقوم السجين عقيل حبش بحرقها واتلافها لغرض عدم وقوعها بيد العدو .

ان هذا السفر البطولي لصحافة السجون العراقية خلال عقدين من القرن الماضي ظل شمساً مشرقة في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي والسجناء السياسيين فالرحمة والغفران لمن غادر الحياة والعمر الطويل لمن تبقى على قيدها ..

 

* باحث في شؤون سجن نقرة السلمان (سجين سياسي في سجن نقرة السلمان)
 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter