د. علي الخالدي
النضال المطلبي من التقاليد النضالية لشعبنا
د. علي الخالدي
إمتاز الشعب العراقي باسلوبه الخاص في عرض مطاليبه بالمظاهرات السلمية , الا أن الحكومات الرجعية والدكتاتورية كانت تضيق ذرعا بمطاليب المتظاهرين . فيوعزوا الى جندرمتهم لتفريقها ولو بقوة السلاح , فتتحول المظاهرات الى وثبات وانتفاضات شعبية كما حصل لوثبة كانون عام 1948 التي سقط فيها شهداء منهم جعفر الجواهري , وقيس الالوسي , وفتاة التي لقبت شهادتها فوق الجسر فلقبت بفتاة الجسر , وانتفاضة تشرين عام 1952 , وكان الجيش بالرغم من تحريكة لخمد هذه المظاهرات الا انه يبقى متفرجا ولا يصدر منه ما يسيء الى تلاحمه مع الشعب , واتذكر صورة لا زال يحتفظ بها أخي وهو على دبابة بين الجنود في مدينة النجف في انتفاضة تشرين .
,لاول مرة في تاريخ العراق المعاصر استعمل الجيش العقائدي (البعثي) في زمن صدام لقمع تطلعات الشعب , وحاليا يزج به ليتصدى بقوة السلاح لمتظاهرين وهم يهتفون سلمية ,سلمية باستعمال الرصاص الحي و على الطريقة الصدامية لتفريقهم , ومن هنا جاء تعليق النائبة الصدرية (لم ار بعثيون في المظاهرة وانما رأيت قمع بعثي) , وهي بهذا عبرت بحق عن بشاعة الاساليب القمعية الموروثة من النظام السابق لقمع مظاهرة سلمية بوحشية خالية من أي احساس وطني تعيد الى الاذهان لاوطنية حراس الانظمة الرجعية والدكتاتورية في قمع تطلعات الشعب نحو حياة افضل . فالقوة المفرطة التي استعملت ضد بناة مستقبل العراق اثناء طرح مطاليبهم المجسدة لمطامح الشعب العراقي في الحياة االحرة الكريمة , تعيد الى الاذهان الاساليب القمعية التي كانت تواجه بها الحكومات الرجعية والدكتاتورية النضالات المطلبية لشعبنا , بالرغم من كون كل النضالات المطلبية لشعبنا كانت تتم في أجواء سلمية , وهذا تقليد حافظ علية مخططي هذا الاسلوب من النضال ,
إن ما يثير الحيرة والاستغراب أن اسلوب زج جيش العراق الجديد لتفريق مظاهرة سلمية لشباب لم يكن همهم سوى الاصلاح , وفرصة عمل ومحاربة الفساد وحصة تومينية تتناسب وأمكانيات العراق المالية , وإعطاء اوامر باتباع اساليب الحكومات الرجعية والدكتاتورية , باستعمال الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين , وسقوط شهداء بفعل ذلك , فجيعة وعار على قوات امن بغداد وعلى العملية السياسية , التي كان من المفروض منها تطبيق الدستور وبصورة خاصة نصوصه المتعلقة بكفالة وحماية الحق الشرعي للمواطنين بالتظاهر , وعدم التطير والانزعاج من طرح المطاليب والمشاكل بالاساليب الحضارية التي تمت في كل المظاهرات التي جرت لحد الان .
لقد ضاق الشعب ذرعا من الوعود و صبر طيلة ثماني سنوات وهو يدعم العملية السياسية التي يراد اجهاضها من قبل الحاقدين على شعبنا في الداخل والخارج وحتى من قبل دول الجوار , وبنفس الوقت مناشدا المسؤولين عبر الصحافة والاعلام طارحا شكواه ومناشدا المسؤولين الى التطلع الى ثقل معاناته الموروثة من النظام السابق التي اثقلت كاهله وبصورة خاصة شبابه الذي يتطلع الى المساهمة الفعلية والعملية في بناء الوطن وخاصة من تخرج منهم ليجد نفسه مرميا في سوق البطالة , مما أثر ذلك على حالته النفسية وجعل ما حصل عليه من تعليم جامعي يغادر بناة افكاره بحكم عدم ممارسته لمجال اختصاصة لفترة طويلة , وينظر بحرقة ومرارة الى مزوري الشهادات وذوي القربى يحتلون وظائف لا يملكون مؤهلات عملية وعلمية لادارتها ,مما زاد من انتشار الفساد والرشوة والمحسوبية خلال ثماني سنوات لم ير الشعب , والشباب منه أي بصيص أمل يقنعهم بالانتظار اكثر , فبكل بساطة , كانت ولا تزال هناك مطاليب كان المفروض التعامل معها بسرعة وبرؤية واضحة وخطة مدروسة تعتمد على خبرة من تهمهم نجاح العملية السياسية , كازمة الكهرباء و الماء والصحة والحصة التمونينية وفرص عمل , بكونها تشكل شريان الحياة للمواطن , وعندما شعر الشباب من أن الوقوف على هذه الامور ومعالجتها لم تخطر ببال المسؤولين الذين انهمكوا بكيفية تقسيم الكعكة , لم يكن امامهم خيار آخر غير اتباع أسلوب اجدادهم وأبائهم , وهو خوض النضال المطلبي وعرض مطاليبهم من خلال التظاهر وبالطرق السلمية , الا ان هذا لم يرق للمسؤولين معتبرين هذا أمر لا يصح يمس كرامتهم ويعرض مواقعهم للخطر وشخوصهم للانتقاد وهم الموصومون بالتعالي على الشعب ومتقوقعين في المنطقة الخضراء , لا يرون , ولا يسمعوا بما يعانيه الشعب من حرمان . يتعدي حتى على كرامته بالمنح الهزيلة , ويعاقب طارحي مطاليبه بشكل وحشي منافي لكل القيم الديمقراطية التي نص عليها الدستور .
انه العار مجسدا بكل صنوفه ومفرداته ومعانية عندما نرى طائرات الهليكوبتر تحوم فوق الرؤوس مثيرة الاتربة الخانقة للانفاس (بصورة خاصة مرضىى الربو) . وخراطيم المياه , والعصي البلاستيكية وفوق كل هذا الرصاص الحي . لم يستطع المراقب هضم مشاهد سوق الصحفيين الى المعتقلات وتعذيبهم (ربما بنفس الاقبية والادوات التي كان الدكتاتور يستعملها في التعذيب) في العراق الجديد , بل ويختطف البعض منهم ولا يعرف عنهم , إنه عار سيلاحق كل من يحب وطنه ويظل ساكتا راضيا بهذا الاستبداد السياسي الذي مَيع دور منظمات المجتمع المدني , وحتى مجلس النواب وانفرد بسلطات واسعة وخاصة الامنية منها تاركا استشراء فساد لا نظير له ,يمتص دم الشعب وما بقي في شراينه دون شبع .
لقد استغرب الرأى العام العالمي والعربي ناهيك عن العراقي حملة التضييق على الحزب الشيوعي العراقي وحزب الامة , لكونهم وُجدوا في المكان الصَحيح . وكعادتهم تبنوا ودعموا المطاليب العادلة لبناة مستقبل العراق ذلك لان وطنيتهم تحتم عليهم التواجد في الاماكن التي يتواجد فيها الشعب , بالضد من مواقف المسؤولين الذين عملوا كل ما من شأنه لعرقلة تجمع الجماهير في ساحة التحرير وبعض المرجعيات التي دعت الى عدم المشاركة في المظاهرات منطلقين من كون اية مظاهرة مطلبية تتعارض مع الشريعة , وتقف بالضد من من ولي الامر,
لقد اخطأ اصحاب امتياز التغيير عندما شيعوا بانهم ينوون باحتلالهم العراق بناء شرق اوسط جديد , فالشرق الاوسط الجديد ايها السادة لن يبنى إلا بأيدي شعوبه . فالنسيم الربيعي الذي يهب على المنطقة كفيل بتحقيق اصلاح ما افسدته أدوات الانظمة التي كنتم بالامس تمدوهم بمقومات التحكم برقاب شعوبهم وتزودهم بوسائل القمع وتسكتون على أساليبهم الدكتاتورية وانتهاكاتهم لحقوق الانسان , أدوات رفضها الشعب لانها غير مؤهلة ولا تملك معرفة بطرق الاصلاح اذ لو ملكتها لما رأينا التقاعس , والاهمال ولما أوصلوا شعوبهم الى ما هم عليه الان . فمن يقوم بالاصلاح هو صاحب المصلحة فيه, وهذا هو نهج الثورات الشعبية في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن .بعد ان فهمت الجماهير لعبة الاصلاح .
إن لم يبدأ الاصلاح ايها المسؤولين باجتثاث المفسدين والمزورين لشهاداتهم , والقضاء على ستبدادهم الوظيفي والسياسي واقتفاء اثر الحاقدين على الروح الوطنية لشبابنا في اجهزة الدولة ومحاسبتهم وإيقاف الحملات المسعورة للتضييق على الاحزاب الوطنية وانكار نضالها وتضحياتها ومواقفها المبدئية الداعية لانجاح العملية السياسية وصيانتها .لا إتباع نهج معاقبتها لتبنيها و وقوفها بجانب شعبها في مطاليبه العادلة . هذا الاجراء الذي اعتبره المراقبون اهانه لكل شهداء الاحزاب الوطنية الذين سقطوا في النضال ضد الحكومات الرجعية والدكتاتورية وما لحق بهم من خيرة كوادرها المهنية والسياسية بعد سقوط الصنم .
, إن إقامة نظام مدني حقوقي يرعى حقوق الاقلية قبل الاكثرية , وإعادة صياغة دستور كامل المدنية يقوم على عقد إجتماعي يرعى الصالح العام لكافة المواطنين على التساوي وتقديم ما من شانه التأكيد على النية الصادقة لتحقيق المطاليب التي رفعتها مظاهرات الجمع والاثنين والتي يعتبرها كل وطني حريص بانها ظاهرة صحية لمسيرة شعبنا نحو مستقبل , وحق شرعي ينم على ممارسة حقيقية للديمقراطية التي نص عليها الدستور , وليس فيها ما يدعو الى التطير و وصمها بطريقة غير موفقة على انها مظاهرات استفزازية , ومعرقلة لنهج النظام . وإن لم يبداء الاصلاح الان , فلتبدأوا إذن باقامة مراسيم العزاء لموت العملية السياسية