| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. علي الخالدي

 

 

 

                                                                                   الثلاثاء 12/4/ 2011



آخر المطاف

د. علي الخالدي

كان اينما حل يحمل هموم شعبه , ويتحمس لأطلاع الاوساط التي كان يعيش في وسطها , وخاصة عندما كان طالبا يحضر للدكتوراه في الفيزياء , قد لا يصدقني احد , ان قلت انه فضل الدراسة في بلد اشتراكي على بعثة الحكومة العراقية الى انكلترا (حيث كان من اﻻوائل في دفعته) ، لسببين اولهما يكون قريبا من خطيبته , وثانيا هو اشتهار ذلك البلد بعلم الرياضيات والفيزياء على الصعيد العالمي . شاءت الظروف ان يختلفا , وينفصلا بفعل فاعل , لكن هذا لم يفل من عزمه في مواصلة النهوض بمهامه .

كانت حساسيته المفرطة تدفعه للشك حتى بأعز اصدقائه ورفاقه بالرغم من شدة التصاقه بهم. كان يحرص على انجاز كل ما كان يوكل اليه بابداع وتفاني , ومع هذا , كل ذلك لم يشفع له ليتقدم في حياته الحزبية والسياسية .

أثقلت المنغصات وتراكمت على نفسه المرهفة ,وزادت الطين بله أحداث الوطن وما يعانيه شعبه من ظلم وتعسف في ظل الدكتاتورية الصدامية , فأصيب بالاكتئاب الذي منعه من مواصلة الدراسة , ورحل لدولة عربية مجاورة لوطنه , وهناك واصل التصاقة بوطنه عن قرب وهو يتطلع الى اليوم الذي يدخل اليه ليقوم بشيء بعد ان فقد كل شيء الا ايمانه بحتمية انتصار شعبه ,

أخذ يفتش عن طريق يوصله الى رفاقه الذين سبقوه و وصلوا سوح القتال ضد دكتاتورية صدام وزبانيته ضمن قوات اﻷنصار . ولما باءت جهوده بالفشل ,لم يرغب باحراج الفصائل الوطنية لفرض نفسه عليها . سيما انها لم تكن قد استفاقت بعد من الضربات الموجعة التي كان يسددها النظام الدكتاتوري لها . ولم يشتد عودها بعد . توصل الى قناعة مفادها ان يقوم بمخاطبة كافة من يعز عليه مصير العراق الى الوحدة ولم الصفوف . وان يطلب دعما دوليا لها . وذلك عبر تحرير رسالة يعممها الى الشعوب المُحبة للحرية ,والى الدول الديمقراطية يشرح بها معاناة شعبه في ظل دكتاتورية لم يشهدها اي شعب يعيش على الكرة اﻻرضية . ﻻ ادري لماذا استثنى امريكا وبريطانيا من قائمته الطويلة.

لم يرد بباله ابدا ان الدولتين اللتين استثناهما , هما من تقوما بمهمة تخليص شعبه من النظام الدكتاتوري عن طريق الحرب . كان يريد طريقا آخر يتم الخلاص به من الدكتاتورية , وبالرغم من معرفته المسبقه بأن هكذا اجتياح سيحرق البصرة , رحب به وتفاءل خيرا معتقدا ان التغيير سيولد الظروف الذاتية لشعبنا لصنع عراق جديد يتمتع بديمقراطية سياسية واجتماعية رائدة في المنطقة , مستندا على الوعود التي قطعوها على انفسهم من أخذوا مهمة الخلاص من دكتاتورية صدام ومن جاء معهم جُمعوا من مختلف دول اللجوء حيث كانوا أغلبهم يعيشون على المساعدات الاجتماعية في تلك الدول .

ظل مستبشرا خيرا عندما شاهد شعبه ولاول مرة يخرج بحشود ليدلي بصوته في الانتخابات في اطار دستور فصل على مقاس يهضم حقوقه بدون ان يدري , ومع هذا ادلى بصوته فرحا , معتبرا ذلك اللبنة الاولى في بناء العملية الديمقراطية . في ظل ظروف استثائية تخللها قتل وتدمير البنى التحتية للمجتمع العراقي . بدأ يسمع مصطلحات لم يسمع بها من قبل. لذا لم يتقبلها فكره المشوش اصلا . مثل السنه , الشيعة ، الطائفة . وكان يدرك بفطرته ان هذا سيجير كل ما يجري في الوطن لصالح هذه الفئة أو تلك . وان من جيء بهم سيستحوذون على كل شيء مبعدين الوطنيين الحقيقيين عن المساهمة بشكل فعال لخدمة وطنهم , سيما وانهم اكثر من عانى من الدكتاتورية , وانه سوف لن يرى ما كان يحلم به والاخرون . وان من انتخبوهم عندما يجلسوا على الكراسي سيطيب لهم المقام وينسوا معاناة شعبهم وينكثوا بوعودهم ويتخلوا عنها بعد اعلان النتائج مباشرة . تاركين هموم المواطن ومعاناته تزداد عمقا وتعقيدا.

ظهر له ذلك جليا , عبر مناظر كانت تظهرها احدى القنوات الفضائية وهي توزع الهدايا للمحتاجين , منظر وّلد حسرة في نفسه كادت تخنقه, شواهد البؤس العراقي ,رجال كست وجهوهم الحيرة واثقل الاملاق ممشاهم , باثواب رثة وارجل حافية (مع الاعتذار للرصافي) مناظر صرائف وجدران من سعف نخيل لاعشاش تسمى بيوت . بقي قابعا في مكانه وهو يفكر هل حقا هذا ما يجري في عراقي الحبيب , هل يكذب عينيه وما تسمعه اذنه من الراكضين وراء هدية ما ؟

اخذت تتزاحم الاسئلة في رأسه , كل هذا يعاني منه سكان هذه الاعشاش ولا يحركوا ساكنا .اين من انتخبوهم ليدافعوا عنهم ويحققوا مطامحهم . انهم هناك كان يقول لنفسه في منطقة سموها الخضراء ﻻ زالوا يتفننوا بالبحث عن سبل المماحكات السياسية فيما بينهم لتقسيم الكعكة .فهم غير عابئين بمناشدة الشعب لهم بأﻷستجابه لمطاليبه العادلة في ساحة التحرير , بل عند أول مناشدة وضعوا ما جاشت بها قرائحهم من وسائل لمنع وصول المتظاهرين لمكان التظاهر , لا بل اطلقوا الرصاص الحي عليهم , وراح عدد من الشباب شهداء باﻷضافة لعشرات الجرحى مما اعاد الى الاذهان الاساليب التي كان تقابل بها الحكومات الرجعية والدكتاتورية النضال المطلبي للشعب العراقي .
فجأة نهض من مكانه وتناول الورقة والقلم ليحرر رسالة على غرار ما حرره قبل سنين , مؤكدا هذه المرة لن يستثنى امريكا وبريطانيا وحتى بنغلادش من الدعوة لمساندة الشعب العراقي للخروج من محنته ومن الذل الذي اوجدته سياسة المحاصصة وسياسة وضع الرجل غير المناسب في مكان الرجل المناسب . لم يتحمل الاستمرار في مشاهدة تلك المناظر التي تحرك حتى اللى كلبه صخر جلمود, كما يقول العراقي .
رمى القلم والورقة جانبا عندما شاهد اصرار الشباب بتواصل المظاهرات في كل يوم جمعة , معتبرا هذه القفزة النوعية في شكل الصراع بين الحكام والمحكومين ومن أن هذا سيكون آخر المطاف .

تغاضى عن فكرة الرسالة , لان ما شاهده اعتبره بداية الانطلاق نحو فرض ارادة من يعاني من شظف العيش والحرمان الى العصيان والتمرد .الا انه اصطدم بفكرة دخلت عنوة سلسلة افكاره , وهي انه كيف سيقابل ذوي الكروش المنتفخة والوجوه التي احمرت نتيجة تناول ما لذ وطاب والذي يعرض احيانا على شاشات التلفزيون كوجبات افطار بشكل استفزازي,
طبيعي لن يروق لهم هذا التحرك خاصة وان البعض منهم اعتاد استلام المساعدات الاجتماعية وهو في المنافي غير القسرية , وقسم منهم اصبح مستشار في سياسة اذلال وتجويع الشعب .
ان الكرسي واغراءاته سيدفعهم لفعل كل ما من شأنه عرقلة وايقاف هذا التحرك كما انهم سوف يشككون بهوية المتظاهرين , ويصفوهم ببقايا البعث , وفلول القاعدة , وهم يعرفون جيدا أن الشباب سيكون بالمرصاد لامثال هؤلاء , لان الشباب يدرك ان أعداء الشعب متغلغلون في دوائرهم , وبين مستشاريهم , على هيئة أنصاف متعلمين , ومزورين لشهاداتهم . وسيقفون بالضد من مطامح الشعب وقواه الوطنية برحيل قوات الاحتلال , بحجة عدم جاهزية القوات العراقية لصد الثغرات التي يمكن ان تنفذ منها القوى المعادية للعملية السياسية بعد انسحاب القوات المحتلة .

قال لنفسه ان هذا التحرك الجماهيري سيجعلهم يمعنون باتباع الاساليب التي كان يلجأ اليها الحكام سابقا , ويقوموا بمواجهة مثل هكذا تحركات باستعمال القوة ولربما يعطوا توجيهات لميليشياتهم لاستعمال كاتم الصوت لاغتيال هذا وذاك من الناشطين في عملية الدفاع عن حقوق المواطنين أو اعتقال على طريقة كل من تسول له نفسه باثارة الفتن واعمال الشغب , او كل من ينتقد حاكم ما مرتشي فاسد ,ولربما حتى الى السكوت عن افعال القوى الظلامية التي تكاثفت في الاونة الاخيرة  .

راودته فكرة المساهمة الفعلية في مثل هكذا تحرك وشد الرحال , ودخل ارض الوطن المفتوحة ابوابها عندما وصل اول تجمع سكاني بدأ يصيح باعلى صوته لا تصدقوهم انهم يكذبون عليكم , سوف لن يفوا بوعودهم , أحتارت جمهرة الناس التي كانت تراقبه , قسم قال انه يقصد الحكام , بينما قال آخرون انه يقصد الذين انتخبناهم , وقال قسم ثالث انه يقصد الامريكان , ووكلاء دول الجوار . ضاعت السالفة بين كل هؤلاء , وضاع هو ايضا اذ وجد مقتولا , ولم تتمكن لجان التحقيق التي شكلت كالعادة من معرفة الجاني هل الجاني هو أحد جنود الحكومة أو من ميليشيات احدى الاحزاب أو من فلول البعث أو القاعدة , ولحد الان لم تظهر نتائج التحقيق .

القصة من الواقع اﻻ أن نهايتها لم تكن كذلك
 

 

free web counter