| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. علي الخالدي

 

 

 

                                                                                    الأربعاء  18 / 9 / 2013



الدكتاتورية ...اﻹرهاب , مذهب ذوي العاهات

د. علي الخالدي

يتصف الدكتاتوريين واﻹرهابين بصفات مشتركة, تجعل من أحدهما مكملا للآخر ,فالدكتاتورية تستند على اﻷرهاب , لمواصلة حكمها , واﻹرهاب يشكل بالمطلق قاعدة لسيادة الدكتاتورية .وكلاهما ينطلقان من ذاتية التفكير الفردي الذي يفرض على العقل نهوض مجسات تمارس تطبيق فعاليات عملية تحقيقا لمآرب وأهداف يؤمنا بها على حد سواء , تُفرَض طقوسهما على الناس بالقوة والتخويف وبالبطش , أو تُغسل أدمغة البعض , بأدوات خارجية لتكون جاهزة لتقبل القيام بمهام مدفوعة الثمن , لا علاقة لها بالمصالح الوطنية , أو تصديق وعود وهمية أخروية , إبتدعت ﻷغراء الشباب بصورة خاصة , فيتحول الشاب الى أداة ( جهادية ) بيد الوالي , أو الى حارس (فدائي ) يحمي الدكتاتور . اﻹثنان يؤديان مهام تحقق أجندات تقف بالضد من قيم التراحم والعدالة والمساواة, واﻷخوة اﻹنسانية , فيكووا المجتمات البشرية بسعير نهجهم اﻷنفرادي , مستقوون بمن غُسل دماغه للإجهازعلى من يحاول التصدي , وإطفاء هذا السعير . كل ممارسي هذه الفعاليات , ينطلقون من بيئة إجتماعية يسودها الفقر واﻷمية والبطالة وتحتضن الطائفية و العنصرية ,التي يقف خلفها التشدد الديني والشوفينية , المدعوم ماديا ولوجستيا من دول لها مطامع توسيعية إقتصادية وسياسية  .

عنوان هذا الموضوع قادني الى تذكر حادثة تدق في وادي نسياني الذي بداءت قاعدته باﻹتساع مُشكلة محنة إستعصت عَليَ ,فهم ظواهر وإطروحات فكرية وطائفية غير متماهية وطموحات الشعب , وتتعارض مع القيم الدينية , تخرج حاليا من جماجم مغطاة بالعمائم , ومن ذهنية تتفتق بالنفاق والمزايدات , مفادها كل شيء أو لا شيء , قد تكون متماهية مع إجابتي عند تأدية إمتحان أمراض الجهاز العصبي , واﻷمراض النفسية . فقد سحبت من ضمن اﻷسئلة سؤال عن مرض البارانوءيا , الذي يعتبر من اﻷمراض النفسية التي تصيب اﻷنسان السوي . من أعراضه الحساسية المفرطة , والشعور بشكل دائم , بأذى مادي ومعنوي يمس معتقدات وأفكار المصاب , مع تشكل نداءات فكرية ونوازع داخلية , توهمه بتملكه قوة وإقتدار خارقة , لتطويع ما يحيط به ,و تحقيق أحلامه الغير متجانسة مع الواقع الذي يعيش فيه , فيبدأء بسلسلة من المخاصمات التي لا تنتهي في سبيل الوصول لغايته بوسائل يعتبرها طبيعية ومشروعة , بينما بعرف المجتمع واﻹنسانية مستنكرة .

إسترسلت في إجابتي مسهبا بأن مرض البرانؤيا قد يصل الى حالة شديدة لدرجة تصل الى إضطرابات شخصية كاذبة , وهذيان شديد , بأمور وهمية , كتصوره أنه مراقب طيلة الوقت وأن هناك من يرصد تصرفاته اينما حل وأقام , يلاحقه في سفره وترحاله , فيطرح آراء , ويقوم بفعاليات تعبر عن قناعاته المطلقة التي لا تقبل أي جدل , رغم عدم وجود مشارك له فيها . يُكرر اﻷفراط في تقدير قدراته وإمكانياته الذاتية, لا يتقبل النقد , ولا يتراجع عن ما مقام به , يبقى في حالة من الحذر الدائم , معتبرا أية حركة أوإشارة من الناس الذين يعرفهم موجه ضده , وإن هناك تجسس وإجراءات تدور في الخفاء للإيقاع به  .

الخطورة في هذا المرض تكمن في ان المريض يبدو طبيعيا للآخرين أثناء الحديث , وفي تصرفاته وسلوكه اليومي الى درجة أنه يساعد الآخرين ويقدم لهم النصائح المعقولة , وأمام الناس ورع محب للخير مما يجعل المقابل غير مصدق مرضه  .

في خلال سردي لما أعرفه عن هذا المرض سألني أحد أعضاء لجنة اﻹمتحان الثلاث عن ذكر أمثلة واقعية فذكرت هتلر وموسوليني وسلازار , وبينوشت كدكتاتورين إتصفوا بجنون العظمة (الظاهرة النوعية للمرض ) , وبقدرة معتقداتهم الفائقة , التي لا تضاهيها معتقدات , في تطبيق القيم اﻹنسانية , والتعاليم الوطنية والدينية بالشكل الذي تصوره نوازعهم , كنظام ﻹدارة شؤون مجتمعاتهم , بصفتهم الورثة الشرعيين لمواصلة ممارسة تلك القيم . فيتولد التمركز حول الذات , والشك بالآخرين , وإدراك بأن أقصر طريق لتحقيق المنافسة والتفوق هو وضع أيديهم على الثروة والسلطة والسلاخ , لأنها حسب ما يتصورون هي القادرة على تَمكينهم من إختراق سلطة المجتمع , والتربح منه , فيغضوا الطرف عن فساد أعوانهم , ليستشري في أجهزة نظامهم .

تدخل برفسور آخر مقاطعا بسؤال وماذا عن عبد الناصر ؟ , فأجبت , نعم إنه مريض بتحقيق حلم الشعوب العربية بالوحدة والحرية والعدالة اﻷجتماعية وله مقولة قد تكون في ظروف معينة صحيحة تقول ما أخذ بالقوة لا يسترجع إلا بالقوة , ومع التزامه بهذا الشعار , إلا أنه ليس برانؤياً, بدليل أنه عندما فشل في تحقيق شعاراته القومية والوطنية في حرب 1967 قدم إستقالته معتذراً للشعب , و معلنا تحمل تبعات فشله بالنهوض بالمسؤولية , وهذا ما لم يفعله أي دكتاتور في التاريخ القديم والحديث . فما كان من الشعب المصري إلا وخرج عن بكرة أبية يطالبه بسجب اﻷستقالة , وإتمام المشوار , اعتقدت بهذا قد خدشت مشاعر أحد أعضاء اللجنة اﻹمتحانية , لذا مُنحت درجة نجاح بسيط بالرغم من أن إجابتي كانت تستحق أكثر مما منح لي , كما ذكر من كان يستمع ﻷجاباتي من زملائي الطلبة :
أكتب هذا ولدي شك بأن البعض من الحكام في دول شرق أوسطية سيأخذون على أنفسهم أنهم المقصودين . نعم فالدكتاتور المقبور (صدام حسين ) كنموذج كان برانؤياً ( جنون العظمة ) منذ طفولته ولازمه حتى إعدامه , في زمن لم يكن اﻹسلام السياسي , ووباء الطائفية معروفا بين صفوف نسيج المجتمع العراقي, و لم يكن اﻷرهاب معروفا بالدرجة الحالية  .

في بلدي تولد اﻹرهاب من رحم التدين الجديد , البعض منه استورد والبعض صُدر الينا من دول قريبة , وبعيدة فتلقفته أوساط تعايشت مع مرض البرانؤيا , أطلقت على أنفسها مجاهدين لنصرة الطائفة والمذهب . تطبيقا ﻷعتقادهم اﻷنفرادي ( البرانؤي )بإنهم يحملون رسالة إسلامية تراثية , تملي عليهم شرعية وراثتها مواصلة الجهاد من أجل إعادة التقاليد الخلافية في اﻹسلام , ونشرها في العالم , وإن تحقيق هذه الرسالة الدنيوية يتم بالقضاء على اﻷديان السماوية أﻷخرى , و تكفير كل من لا يشاطرهم هذا الرأي , وتصفيته بحد السيف مع البسملة والتكبير , ليكسبوا بذلك مرحمة أخروية . أما اﻷسلام السياسي ( بدون أن يشعر ) , يقترب من نواياهم بشنه حملات إيمانية مذهبية بإسلوب ممنهج و دكتاتوري على عموم الشعب بأدوات ميليشياوية , وهو لن يتراجع عن مواقفة رغم إستنكار مراجعه الدينية , وقوى شعبه الوطنية , لعواقب هذا النهج , الذي يصب في إنعاش اﻹرهاب , ( تأخذ قادته العزة باﻷثم ) . من هنا يمكن القول أنهما ( اﻹرهاب والدكتاتورية ) يشكلان وجهان لسيف واحد لقطع أعناق المعارض بدم بارد , قيجهزوا بذلك على السلم الإجتماعي السائد في المجتمعات , وهذا ما يقدم عليه ذو العاهات  .
 


 

free web counter