| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

د. علي الخالدي

 

 

                                                                                السبت 19/3/ 2011

 

من لا يؤمن بالديمقراطية لا ينتظر منه اشاعتها

د. علي الخالدي 
   

لعل من نافل القول أن المظاهرات التي ينظمها شباب العراق منذ الخامس والعشرين من شباط , كانت تعبير عن واقع مرير لسنين عجاف مرت على شعبنا العراقي المغلوب على أمره وطالتهم بشكل خاص , كما و تعتبر ردة فعل لتنصل من انتخبوهم عن وعودهم البراقة في حملاتهم الانتخابية , بالاضافة لتنكر الاحزاب الدينية التي استلمت السلطة بعد سقوط الصنم لمسار الديمقراطية , الذي اتفقت عليه الاحزاب والقوى الوطنية , وبصورة خاصة من كان لها دور هام ومشهود في مقارعة نظام الحكم الدكتاتوري . إن ذلك أدى الى تراكم فقدان الثقة . فطيلة ثماني سنوات لم يُلمس ما يفيد الصدقية بتنفيذ ما يعلن عنه من قبل اصحاب القرار بمعالجة المشاكل الملحة والتي تتطلب حلولا عاجلة كالماء والكهرباء والصحة والحصة التمونية وفرص العمل , بينما يجري التباهي بفتح دولاب الهوى أو شراء طائرات مقاتلة ,

وبالرغم من ان سقف مطاليب الشباب ذات سقوف واطئة متماشية والوضع الراهن في العراق , ومنسجمة حتى مع ما يصرح به رئيس الوزراء (دون تطبيق) الا ان هذه المظاهرات اعتبرت استفزازية ومعادية لنوايا النظام وأدواته الهادفة للسيطرة الكاملة على مقاليد الحكم وبالتالي الالتفاف على المكاسب التي تحققت على قلتها وبصورة خاصة ما ورد منها بالدستور (ذو القنابل الموقوتة), والذي صوت عليه الشعب بمظاهر اذهلت شعوب العالم , من هذا المنطلق حرص الشباب في تلك المظاهرات على المطالبة بصيانته واحترام بنوده , باعتباره الامل الضامن للمسار الديمقراطي الذي وُعد به بعد سقوط الصنم .

لقد كرس الدستور وبشكل واضح المسار الديمقراطي في مادته الاولى التي جاء بها.العراق .... ذات سيادة كاملة , نظام الحكم فيها جمهوري برلماني , ديمقراطي , ولم يكتفي بذلك بل اكدت المادة 14 منه على ان العراقيين متساوون امام القانون , دون تمييز , بسبب الجنس أو العرق .....أو الوضع الاجتماعي أو الاقتصادي , ثم ذهب الى ابعد من ذلك في مادته 37 حيث جاء فيها الى ان الدولة تكفل حماية الفرد من الاكراه الفكري السياسي , كل هذه المواد اعتبرها الشعب وقواه الوطنية باب تفتح الطريق امام الممارسة الحقيقية للديمقراطية , وإذا ما اضيف لتلك المواد مواد تخص حق المواطنين في التعبير عن مطاليبهم في التظاهر والاحتجاج , وحمايتهم من التعرض لاي مكروه يعرقل حقهم هذا فان ذلك سيمهد الطريق أمام ديمقراطية حقيقية في العراق الجديد . من تلك المنطلقات حرص الشباب على صيانة العملية السياسية والتزموا الصمت مطالبين فقط بتطبيق مواد الدستور الانفة الذكر لا خرقها .

اﻻ ان الرياح سارت بما لا تشتهيه تطلعاتهم , وآماني شعبنا وقواه الوطنية باشاعة الديمقراطية , ذلك ان من كتب بنود تلك المواد يبدو لم يكن مؤمننا بها , وإلا لوقف بوجه من يخرقها وطالب باحترام لا بل تقديس بنودها لانها هي العمود الذي تستند عليه ديمقراطية العملية السياسية وكل من يدين بها ويحرص على مسيرتها كنهج لمسيرة عراق ما بعد سقوط الصنم . وبالضد من ذلك يجري الصمت عن عملية منسقة ومبرمجة للتطاول على تلك البنود , بحيث جرى كبح مسار الديمقراطية البرلمانية والاجتماعية , ناهيك عن السياسية , وخُلقت اصول تدفع برجل القمة ليتمتع بصلاحيات أكبر من التي منحها الدستور له , فعن طريق محاباته اقدمت المحكمة العليا على قرارات منافية لكل الاعراف والقوانين , حيث اعطته حق السيطرة على ثلاث هيئات كانت تتمتع بالاستقلالية كالبنك المركزي وهيئة النزاهة والهيئة العليا للانتخابات , بالاضافة لحكمها لصالح رئيس الوزراء ومجلسه الوزاري القاضي باعطائهم الحق دون غيرهم في اقتراح التشريعات , مما يعيد الى الاذهان برلمان الحكومات الرجعية والبرلمان الصدامي الذ1ي اقتصر دوره على موافج .. كل هذا لم يروي ظماء رئيس الوزراء وحزبه الحاكم بالامساك بمفاتيح مستقبل مسيرة العراق بالشكل الذي يريده وطائفته , بل عمد و لحد الان على الاشراف المباشر على الوزارات الامنية , مطالبا بوضع التزامات له بهذه الوزارات , بما يتيح للاحزاب الدينية السير قدما في تفتيت الديمقراطية الهشة اصلا معولين على دعم الحس الديني الطائفي , وجهاز اداري لا يملك ثقافة ديمقراطية .

يبدو أن سياسة التستر على تحديد الخلل في دائرة الماكنة السياسية بما فيها الدولة , وصم الاذان تجاه المناشدات التي تطلقها القوى الوطنية وما صاحت به حناجر الشباب في ساحة التحرير غير بعيدة عن كون العراق لم يعد يمثل اولوية للادارة الامريكية , اذ لم نر تدخل , رغم ادراكها معانات الشعب العراقي ومعرفتها بالخرق الفض لمواد الدستور , الذي لو طبق بحق لحقق مشروعهم بجعل العراق مصدرا للديمقراطية لشعوب المنطقة , ولم يمارسوا صلاحياتهم باعتبارهم محتلين لايقاف السعي و العمل على كل ما من شأنه توجيه التغيرات الاقتصادية والاجتماعية بما يضمن مصالح الحزب الحاكم وطائفته .

يبدو أن النظام أعطى الصلاحيات لادواته لعرقلة كل مسعى يتماشى ومطاليب الجماهير , , ويتعمد بعدم مس الدمار الشامل للثقافة والتراث الذي وُرث من الانطمة الرجعية والدكتاتورية . فالنظام اغرق المؤسسات التي يُرجى منها الحفاظ على الديمقراطية ب 20000 مزور لوثائق دراسية , هذه الجريمة التي يسكت عنها رئيس دولة القانون لا بل يحاول إصدار قرار عفو عام عنهم , بينما يشكل التزوير جريمة كبرى بحق الدين والشرع والقوانين الوضعية في كافة انحاء العالم .

ومما سيزيد الطين بلة محاولة النظام حصر اصدار قانون الاحزاب بايدي دوائر قريبة من ماسكي السلطة مما سيؤدي الى فرض بنود لا تتماشى وحرية الاحزاب فاللجنة المشكلة لوضع القانون مكونة من اشخاص مرتبطة بالحزب الذي يسيطر على الحكومة , ربما سيُطلق العنان للحزب الحاكم بالتحكم بالاحزاب الاخرى وجعلها تابعة له من خلال هذا القانون , وهذا الامر يكاد يكون مطابقا لرؤية النظام الشمولي الذي لن يتيح للاحزاب حرية الحركة الا بامر وزارة الداخلية التي لن تخرج من سيطرة رئاسة الوزراء . كل هذه دلائل تشير على ان الديمقراطية التي يتحدثون عنها وتشاع ضمن ما ذكر اعلاه فريدة لا نظير لها في العالم , فهي مقيدة بمثل تلك التحديات و بصلاحيات رئاسة الوزراء , ستقود شانا أم ابينا الى دكتاتورية ,من نوع جديد . إن بناء الديمقراطية عملية تتم عبر التقرب من الجماهير وتفهم مناشداتهم , وبافساح المجال لنشاط منظمات المجتمع المدني , وإعطاء حق تشكيل النقابات والاتحادات المهنية , وتهيأة مناخ مناسب لنشاطاتها بما في ذلك مساعدتها ودعمها ماديا ومعنويا , مع وضع برامج دراسية تعرف بحقوق الانسان ابتداء من المدارس الابتدائية تغرس روح العمل الجماعي وانتهاءا بالجامعات , وتعويدهم على انتخاب ممثليهم أي إجراء تدريب فكري وثقافي لفهم الديمقراطية وأحترام الرأي الاخر . أما اذا أستمر تجاهل مطاليب الشباب ووضع العراقيل أمام وسائل طرح مشاكلهم المطروحة بالطرق السلمية واستمر استعمال القوة المفرطة لتفريق احتجاجاتهم المشروعة القاضية بتحسين ظروفهم ومحاربة الفساد الذي نخر اجهزة الدولة ومعاقبة من اراق دماء المتظاهرين وتعويض عوائل الشهداء , فان سقف مطاليبهم قد يرتفع لمستوى آخر لايحمد عقباه , وعند ذاك ما عليكم الا ان تهيئوا مراسيم العزاء لوفاة العملية السياسية .

 

free web counter