د. علي الخالدي
في أمريكا لا شيء ببلاشد. علي الخالدي
كنت أحمل إنطباع عن أﻷمريكيين بأنهم أناس , متعجرفين , خشني المعالة, يسود حديثهم التعالي والغطرسة والتكبر , و حب الذات , وغير ذلك من أﻷمور , وكنت أخشى ,أنه لكثرة ما كتبته من مواضيع و ممارسات معادية ﻷمريكا , قد وضعت في القائمة السوداء , ولن يٌسمح لي بدخولها . سيما وأن مسؤول عراقي كبير يعمل لصالحهم منع من دخولها , فكيف نحن الذين ناصبناها العداء وطالبنا برحيلهم , وحملناهم وزر ما حصل لعراقنا ولشعبنا . غادرتني الخشية عندما قال لي ضابط الجوازات مرحبا (ولكوم) , بعد نظرته السريعة على جواز سفرنا , قائلا بغداد , حلة و مؤشرا ﻵجتياز الحاجز , حتى أن حقائبنا لم تفتشء .
منذ الوهلة أﻷولى تبين لي من خلال العاملين في مطار بوسطن أن أﻷعراق وأﻷديان والمذاهب التي يتشكل منها الشعب أﻷمريكي قد إختفت وراء سياسة إشراك كافة فئات المجتمع بالمهام دون تمييز بين أﻷعراق والمذاهب وحسب الكفاءة مشكلين شراكة إجتماعية انضوت فيها موكونات المجتمع تحت راية واحدة , وإنصهرت بشكل متكافيء في حب الوطن , و الحفاظ على القيم والعادات الحميدة في التعامل مع بعض ومع أﻷجنبي بصورة خاصة , مندفعين للدلالة على أن التناقضات الطبقية في ظل الشراكة أﻷجتماعية لا تدرك وإن وجدت فهي خفيفة يعبر عنها بشكل حضاري , فالرأسمالية والشركات أﻷحتكارية لم تستطيع تشويه أخلاقياتهم البشرية , كشعب , فالتمييز العنصري لم يعد مرئي كما كنا نراه ونقراء عنه في الكتب . و كما كنا نحن العراقيين لا نعرف مصطلح الطائفية , والعرقية , والمذهبية , فكذلك أﻷمريكان , إذا لم ار ما يدل بمعرفتهم بمثل هكذا مصطلحات , حتى سياسييهم يشمئزون من هكذا تعابير في أحاديثهم وفي صولاتهم أﻷنتخابية , فهم يعتمدون على كل مكونات الشعب وليس على طوائفهم أومذاهبهم في حملاتهم أﻷنتخابية , بينما يثيروا النعرات الطائفية والعرقية في دول العالم كما دل أثناء أحتلالهم لبلدنا . هذا هو سر نجاحاتهم في صهر المجتمع أﻷمريكي في بودقة الشراكة أﻷجتماعية . أمور كثيرة تركت أنطباعات مسخت ما كنت أحمله عن هذا الشعب الذي شوه سياسيوه في الخارج سمعته وألصقوا العدوانية في سلوكه . مررننا بأحداث لم نر مثلها مثيل في دول عديدة زرناها أو عملنا فيها بما في ذلك دول و شعوب تعتبر شقيقة لنا , ( وللحق يقال عدى ليبيا ). لقد لمست الشيء العجيب خلال مكوثي القصير في بوسطن ونيويورك , ناهيكم عن كمبرج وهارفارد من هذا الشعب المتعدد أﻷنتماءات العرقية والمذهبية في سلوكهم ومعاملتهم للأجانب (أتخوف من تعميمه على كل أﻷمريكيين ), ربما ﻷنهم منحدرين من إصول أجنبية لا يفرقهم إلا اللون أو اللباس الذي يرتدوه , فهم مرحبين بالزائر لدرجة يُخجلوا السائح , فالمودة وألابتسامة والترحيب بارزة على وجهوهم , يبادرون الى تقديم المساعدة عندما يشعرون بحاجة اليها , و إذا طلبتها لا ينفك عنك من سألته ألا بعد أن يتأكد من فهمك لما طلبته . في حالات متكررة , تتقدم فتاة أوفتى يعرض مساعدته لحمل حقائبك عند صعود الدرج أو نزوله في المترو لا بل حتى في الشارع عندما يراك مثقل بما تبضعته , تُسأل عما إذا كنت تحتاج لمساعدة في الحمل , هذا لم أجده في اي مكان من العالم , وعندما تَسأل عن أمر تُقاد الى المكان الذي تريده , هذا بدون مبالغة أورتوش , كما انهم بَشوشون , يضحكون بوجهك عندما يشعرون أنك غريب ومما أثار إنتباهي , كثيرو ا الحركة ولا تخلوا الشوارع من ممارسة رياضة الركض أو السير , إنهم متحركون وسريعون في كل شيء حتى في أﻷكل , الذي يغلب عليه أﻷكلات الجاهزة , وأعتقد لا يوجد مطبخ أمريكي إذا لا يطبخون في البيوت وإنما يتناولون غذائهم في المطاعم التي تتواجد بكثرة لدرجة أنني لا حظت بين كل مطعمين مطعم , يقدم أكلات مختصة , منها الصيني واﻷسيوي . عندهم الوقت من ذهب , ديمقراطيون حتى على أجسادهم , يخصص لها وقتا من الراحة التامة , يبدو لي , لا يضيرهم في الدنيا إلا ما يحد من حرية الفرد وحقوق أﻷنسان , ومع هذا لم أر اي شخص يحتضن جريدة أو يتحدث بالسياسة وإنما يتأبط كتاب حتى أثناء أﻷكل .
أخذني حب أﻷطلاع الى مقهى تسمى الجمهورية الشعبية بالقرب من مركز كمبرج الذي يضم جامعة هارفرد يسميها العامة بحانة الشيوعيين , طلبت جعة وبحثت عن مكان للجلوس , و إذا بي أُُضَمُ بترحاب لطاولة ضمت , رجل ذا اصول افريقية , و آخر هندية حمراء وأسيوية وإمراءة شقراء , تخلل أحاديثهم ضحكات عالية وكأنهم أصدقاء , و رغم ياخات قمصانهم ناصعة البياض إلا أن خشونة ايديهم عرفتهم بانهم عمال , قبلت إنضمامي اليهم بحذر وعرفوني على أنفسهم , سألوني من أين جئت , وعندما أخبرتهم أني عراقي , بدى هذا أﻷمر غريب وبنفس الوقت مستحب لهم , و ربما فرحوا ﻷنهم وجدوا مادة للحوار وإشباع حب أستطلاعهم , وفي خضم السؤال والجواب حاورت أحد الجالسين وهو سائق شاحنة لنقل الركاب في المدينة سائلا اياه هل هناك مجانية التنقل للمتقاعدين وكبار السن في الحافلة كما في أوروبا , اجابني ضاحكا ليس هناك شيء في أمريكا ببلاش , حتى الموت تدفع ضريبته , ثم حاولت أن اقحمه في السياسة إلا أنه تهرب , ولكن في مجال حقوق العمال والشعب ينغمس وبشكل يثير فيك تعظيم موقفه ضد أﻷستغلال ومن جملة ما قاله أن سياسيينا ( أﻷمريكان ) أغلبهم من الطبقة الراسماليه يستغلوننا لكن لديهم ميزة تصب في صالحنا , وهي انهم يستغلون شعوب العالم ﻷسعادنا و بذلك ينالوا رضانا , إجبته بينما سياسيونا يسروقون ثرواتنا ليستثمروها في بلدكم , ويقنعوا سياسيكم ليسكتوا عن تجويعنا وخراب أوطاننا . . تدخل عامل آخر مبديا تعاطفه وأعتراضه على إجتياح العراق بكونه لعبة سياسية أريد بها فك الضائقة أﻷقتصادية التي أدخلونا بها نتيجة سياسة العولمة التي أثرت على إفلاس العديد من البنوك في أمريكا ,فازدادت أعداد العاطلين , وهذا ما دعاهم لتبني مفاهيم إشتراكية في حل معضلاتهم و نأمل أن ينسحب هذا على مبداء أستغلال الطبقة العاملة , هذا ما نرحب به نحن العمال , ثم سالني عما رأيت رجالا , ونساء يحملون لافتات كتب عليها أنا عاطل , وليس لي سكن أطلب المساعدة . أجبته نعم , مكملا لا تأخذك المظاهر . تشكلت علاقة معهم بحيث طلبوا مني اللقاء السبت القادم و ببلاش . منهيا حديثي مودعا لهم قائلا , هناك شيء ببلاش في أمريكا وهو إكرامكم الغريب
في السفرة السياحية البحرية في شمال اﻷطلسي لمدة أربع ساعات على أمل مشاهدة الحيتان, لم يحالفنا الحظ بمشاهدتها , اعيدت لنا التذاكر ليوم آخر يحدد لاحقا , وعندما سؤلنا من قبل ابنتي عن السفرة أجبناها يبدو أن الحيتان كانت مضربة هذا اليوم , فردت إنكم ليس بحاجة لمشاهدتها ﻷن بلدكم مليء بالحيتان البشرية .
لقد خففت زيارتنا لمتحف الكائنات البحرية بعد السفرة عنا اتعاب تلك السفرة البحرية الفاشلة ., دهشنا عند زيارتنا لمتحف الفنون الجميلة ببوسطن فجميع أقسامه حكت لنا تراث وفنون شعوب عديدة وبامتياز ومن ضمنها الشعوب العربية . لقد مسحت هذه الزيارة كل الشوائب التي علقت بذهني عن الشعب أﻷمريكي ولكن أبقت كراهيتي لساستهم , ومع هذا فاني لا أستطيع التكيف لنمط حياتهم الميكانيكية . حتى أن نادية وزوجها سيتركوها عند إنتهاء عقودهم مع هارفارد عائدين الى سويسرا, .
بوسطن .15.08.2012 .