| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأثنين 25 / 7 / 2016 د. علي الخالدي كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
ماذا سيقول التاريخ عنهم
د. علي الخالدي
(موقع الناس)الفيلسوف السياسي هوبز قال ، إن العالم غابة والدولة هي محاولة لفرض قوانين تنظيم هذه الغابة ، من هذا المنطلق ، هل إستطاع صناع دولة ما بعد السقوط تنظيم الغابة الموروثة من الحقبة الدكتاتورية !؟، بقوانين وبرامج تهدف القضاء على ما ورث منها ، وتحقيق ما صبا إليه شعبنا من حياة حرة كريمة ، أم أن بعض الذين دخلوا معترك مقارعتها من بوابة الدين . قد إختاروا السير على الكثير من دروب ثوابتها ، فتحصنوا وبشكل متعالي في قصورها بالمنطقة الخضراء ، مبتعدين عن هموم الشعب ، ومع هذا أجلسوا على كراسي مواقع القرار ، رغم إزدواج جنسيتهم ، وتحولوا بذلك بين ليلة وضحاها الى قادة سياسيين وهم ﻻ يُصدقون .
في ظل قيادتهم نُهبت موارد البلاد ، وشاع الفساد والمحسوبية في أجهزة الدولة ، وغابت النوايا الحسنة والسليمة في أداء مهامهم ، وعم اﻹستياء وعدم الرضا بين الناس ، خاصة عندما لُمس ، أن همهم هو تجيير مردودات التغيير لصالح أحزابهم وكتلهم ، وتراكم ثرواتهم المنقولة والثابتة ، مستغلين موجة إرتفاع أسعار النفط خلال فترة حكمهم ، التي وجهت ، لنفخ جيوب وكروش أصحاب القرار والشركات المتعددة الجنسية ، ومحسوبيهم من طبقتهم البرجوازية الهجينة . معطلين توجه القاعدة المادية والبشرية التي يملكها العراق ، نحو التنمية ، ﻻ بل أوقفوا تطوير البحث والتعليم وبناء المدارس ، ويُخططوا ﻹلغاء الغاء مجانية التعليم ، على الرغم من أن واردات النفط خلال حكمهم ، فاقت قدرة اﻹحتياجات اﻷقتصادية والعسكرية بما فيه تبذيرهم على اﻹنفاق الحكومي . ومع هذا بخلوا بشيء منها على ما تستحقه عملية إعادة الحياة لعجلة الصناعة والزراعة والقطاعات اﻷخرى التي من شأنها أن تقلل من المعانات المعاشية للمواطنين .
لقد أنشغل معظم من تسلط على مواقع القرار ، بوضع قوانين مستمدة من الدين والمذهب وما عداها ، أن ﻻ تكون متعارضة مع الشريعة . وبكيفية تطبيق ما إقترحه بريمر الحاكم اﻷمريكي حينذاك لنهج المحاصصة الطائفية واﻹثنية (رغم تحذيرات القوى الوطنية من مغبة ذلك) ، ﻹعتقادهم أن هذا النهج المقيت سيكون الشكل المناسب لتقسيم كعكة الحكم ، والعصى السحرية لحل المشكل العراقي ، كما أنه سيشكل عامل تقوية لعقيدتهم ، لذا سارعوا الى بناء مؤسسات الدولة على أساسه . بعناصر غابت من بين صفوف الكثير منهم ، الكفاءة المهنية وقدرة تحمل المسؤولية ، على حساب ذوي الدراية بالمعضلات والمشاكل المتوارثة ، والتي تعايشوا معها ، فكانت النتيجة أن هذا النهج المقيت قد صعد اﻹنفلات الرقابي على المؤسسات وضَيَع هيكلية الدولة في متاهاته .
فخلال حكمهم ، إتسعت رقعة الفقر وتزايدت أعداد حيتان الفساد ، وتم تجاهل التركيب المعقد للمجتمع العراقي ، الذي يتطلب إعتماد قوانين تنظم طبيعتة الجغرافية والمجتمعية ، وحضور الحلول المنطقية التي تلبي حاجات الجماهير . فعم اﻹستياء وعدم الرضا بين الناس ، و ﻷكثر من ثلاث عشر عاما ، سادت الفوضى في تطبيق الدستور ، وشوهت بنات أفكارهم تفسير مواده ، بحيث غُيبت السلطة الحقيقية للدولة ومؤسساتها ، وجيروها لتحقيق مآرب أحزاب المحاصصة ورؤساء الكتل السياسية (مستقوون بميليشيات منفلتة) . فقادوا العملية السياسية بعقل قادة مطلقي الصلاحيات على الحق والباطل ، ولم تخرج مسؤلياتهم عن أطر الخطاب والسلوك الطائفي وإنعدام الثقة فيما بينهم ، فإنحرفت العملية السياسية عن سكتها الحقيقية ، كون أغلبيتهم مارسوا سلطة العائلة بعقلية جيلهم وما توارثوه من الحقبة الدكتاتورية ، فتاهت معرفتهم بظلامية سلوك وفكر الحكومات السابقة لتلافي ممارسات أخطائها ، بل زادوا عليها ضرورة تواجد القائد الضرورة ، وصيغة إطاعة أولي اﻷمر ، بجانب هذا إرتفع مستوى تطيرهم من نقد الناس للواقع المرير الذي يعيشه المهجرون في الداخل والخارج وبقية أبناء الشعب ، غاميطين بذلك جرأة حق اﻷعتراض على الخطاء ، الذي أمتاز به شعبنا ، ولم يستمعوا لمطاليب الجماهير بالتغيير واﻹصلاح منذ شباط 2011 ، مما أدى بالجماهير إلى رفع شعار الدولة المدنية الديمقراطية ، بإعتبارها الدولة التي ستنظم الحياة الحرة الكريمة للجميع مكونات شعبنا ، وتحقق السلام المجتمعي بينها ، وترسيخ أوليات الهوية العراقية .
طالما لم تستطع اﻷغلبية العظمى من قادة العملية السياسية أن تتحرر فكريا من معتقدات ثبت خطلها ، فلن يستطيعوا إيجاد حلا و مخرجا لما يعيشه الشعب والوطن من مآسي وويلات ﻻسيما وهو يخوض معركة تحرير أراضيه التي دنستها داعش وأخواتها خلال قيادتهم للعملية السياسية . وإذا لم يتعافوا من نزعة الضغينة والشك ، ويلتزموا بصيغ التسامح الربانية ، وينفكوا عن ربط ما يدور حولهم من أحداث طائفية بتصرفات فردية ، ويتخلوا عن وصفها بالمؤامرات . فبوادر تخلي الناس عنهم واللجوء الى المجتمع الدولي بدأت ظاهرة للعيان ، مع الدعوة ليتحميله جزءا من مسؤوليته ، في المساعدة بإعادة دراسة الواقع العراقي ، الذي يتكون بجانب العرب والكرد من مكونات عرقية ، هي الكلدان والسريان واﻵشوريين والصابئة واﻹيزيديين والشبك أيضا , وصياغة مستلزمات جديدة ، ﻻ تستمد قوتها من الطائفة والمذهب بل من الجامع الوحيد المشترك لكل هذه المكونات ، العراق ، الكفيل بتأمين فرص ممارسة الديمقراطية السياسية واﻹجتماعية ، لجميع مكوناته ، وبدون أستثناء ، بإعتباره السلطة الوحيدة القادرة على إشاعة السلم اﻹجتماعي، و تجميع الجميع تحت سقفه . لبناء الدولة المدنية الديمقراطية . عندها فحسب ، تنتفي مبررات وصف العراق ببلد الرعب والفشل .