د. علي الخالدي
التناحر والتجاذب السياسي من مردودات المحاصصةد. علي الخالدي
تصاعد في الاونة اﻷخيرة الشد والتجاذب بين أطراف الكتل السياسية وانسحب الى داخل الكتل المشكلة لحكومة المحاصصة , وبنفس الوقت تصاعد استهداف المسؤولين بكاتم الصوت وبالعبوات الناسفة , وأجمع المراقبون على أن ذلك ما هو الا نتيجة حتمية لاستفحال الصراعات وتصاعد وتيرة الخلافات بين الكتل , ومما ساعد على ذلك ضعف الاجهزة الامنية وعدم غربلتها من العناصر غير الموالية للعملية السياسية والذين يغلبون الطائفية على الهوية الوطنية واذا ما أضفنا لذلك تغييب دور البرلمان , وتصاعد خلافاته مع رئاسة الوزراء التي لا زالت تصر على التمسك بقيادة الاجهزة الامنية , مما أدى الى استنهاض قوى سياسية وأمنية لقمع الاحتجاجات, و القيام باجراءات تؤدي الى سد الافواه وحصرها في الملاعب الكروية , الامر الذي بدوره صَعَد الاحتقان بين أطراف مشكلي الحكومة , وعمق من هشاشة الديمقراطية والامن , زاعمين أن النضال المطلبي لشعبنا ومناشدة الحكام بتحسين الظروف المعاشية ما هو الا نوع من البطر , اتصف به الشعب العراقي , وكأنهم يريدون من وراء ذلك أن يؤكدوا على انه لم يكن مبررا لمقارعة اﻷنظمة الرجعية والدكتاتورية بمثل هذه الاساليب التي يفتخر بها شعبنا باعتبارها إحدى التقاليد العريقة لأسلوب نضاله السلمي من أجل نيل حقوقه المشروعة, نقول نحن عنها انها مفخرة نعتز بها والاجيال القادمة , وبهذا الصدد انبرى عدد من الصحفيين من ذوي الاحتياجات الخاصة ينعتوا شعبنا بصفات بعيدة كل البعد عنه , وينكرون عليه صفة تميز بها شعبنا الا وهي الصبر , وتحمل الظلم والغبن , معطيا الوقت لوليي الامر في الهرم السياسي بكيفية نصرته . ولكن عندما لم يستجاب لمطاليبه ويصل الموضوع ليشمل كرامته وتصادر حقوقه الانسانية فثورانه لا يرحم.
التناحر السياسي , خلق أجواء لا يمكن في ظلها معالجة المشاكل الموروثة من الانظمة السابقة المتولدة على امتداد تسع سنوات منذ سقوط الصنم , هذا التناحر ادى الى تهميش الوطنية وصعد من روح التطرف والتخندق الطائفي ونسف بناء جسور الثقة بين الحكومة والشعب ,وبدأ الفقدان التدريجي لهوية الدولة ، مما أدى الى زيادة تخوف القوى الوطنية على مصير العملية السياسية وبعض المكاسب القليلة التي تحققت بعد سقوط الصنم , من هذا المنطلق , وضعت الأحزاب الوطنية في اوليات مهامها الراهنة , هو بذل جهود متزايدة في ازالة التناحر وردم الهوة التي سببها هذا التجاذب بين اصحاب العملية السياسية , داعين الى توفير مقومات التوجه نحو تلبية مطاليب الشباب , وأشاعة الديمقراطية , بشكل واسع في الحياة الاجتماعية على اساس المساواة الحقيقية بين كل القوى التي قارعت الدكتاتورية , وعانت من ظلمها , والذي امتد حتى بعد سقوطها , فالمسألة الوطنية بالنسبة لها لا تزال وستبقى موضع اهتمام تحركها . فقد جاء في افتتاحية طريق الشعب الناطقة بلسان الحزب الشيوعي العراقي وكادحي العراق في عددها الصادر يوم 24/شباط .... إن أوساط الشعب ومن شتى الاتجاهات واﻷنتماءات باتت تستشعر الحاجة الملحة الى التغيير الجدي والملموس , وإعتماد المشاريع الوطنية العابرة للطوائف , بما يضمن التوجه لتعزيز الوحدة الوطنية والشروع ببناء دولة عراقية عصرية , تقوم على مباديء المواطنة والعدالة الاجتماعية .
ان اﻷستمرار في اسلوب التجاذب والتناحر بين الكتل سيزيد من تأجيج العداء ويعرقل بناء جسور الثقة بين الحكومة والشعب وبالتالي يعيق تحقيق اﻷزدهار الحقيقي الذي يطمح اليه شعبنا وما تمناه بعد التغيير وإندثار الدكتاتورية . إن اتباع اسلوب الحوار السياسي المنطلق من المصلحة الوطنية العليا كفيل بازالتهما (التجاذب والتناحر) وسيوفر الجهود للتوجه نحو اشاعة الديمقراطية بشكل واسع في الحياة الاجتماعية , على اساس المُساواة وإقامة مُساواة حقيقية لجميع الفئات والقوى , ويعمق الاحترام المتبادل بينها. وإن تمادت الكتل في ذلك فان شعبنا وقواه الوطنية سيصعدون من سقف مطاليبهم التي بدأت حناجر متظاهري ايام ألجُمع تهتف بها.
إن تطور أي شعب يتم عبر تضييق الحواجز الوطنية بين الحكومة والشعب , فتجربة البناء الوطني في العراق , دلت بشكل مقنع بأن الديمقراطية الحقيقية بما فيها الديمقراطية اﻷجتماعية هي التي تخلق ظروف تصفية الحواجز بين الحكومة والشعب في اطار دولة القانون , وهذا المبدأ سارت عليه كل الشعوب التواقة الى الحياة الحرة الكريمة , ذلك ﻷن اشتداد قوة الجذب والتجانس الاجتماعي بين فئات الشعب هي السمة المميزة والمشتركة التي ستُزهر وتَتَطَور ثقافته وتقدمه الاجتماعي والاقتصادي .
إن تقارب جميع فئات الشعب واحزابه الوطنية هي عملية موضوعية , غير ان هذا لا يعني أن هذه العملية تتم بشكل عفوي , دون عقبات وبسهولة ,فتطورها يفترض نضالا لا هوادة فيه ضد مظاهر الرشوة والفساد وضد ميول الانغلاق السياسي الحكومي عن الشعب , وضد تقديس القادة , وضد التغطية على التناقضات , ومواقع الفساد الاقتصادي والاجتماعي , وضد كل العادات والتقاليد التي ولى زمنها . إن عملية التجانس والتغلب على التناقضات الفئوية . هي عملية أطول بكثير من زوال الفوارق بينها , والتجانس فيما بينها سيمكن الدولة من استخدام مواردها الهائلة بالشكل الاكمل والاكثر عقلانية , وبالتالي سينعكس ذلك عل تقدم حياة المواطنين وثقافتهم الوطنية .لقد تعلمنا مبكرا ان ، السمة الرئيسية للدولة هي وجود سلطة عامة اجتماعية تمثل مصالح جميع السكان بعيداً عن سيطرة أى حزب أو اية فئة على السياسة الاقتصادية والاجتماعية للبلد , إلا أن سياسة المحاصصة كما دلت الامور الجارية في الوطن , هي وراء التجاذبات , و و وراء تعميق التناقضات واشتداد الصراع بين الكتل , وهي وراء ترهل جهاز الدولة والحكم بالبيروقراطيين غير القادرين على النهوض بمهامهم , وهي وراء تقسيم الشعب كما كان الحال في النظام السابق على اساس طائفي وعلى اساس اقليمي , وإن استمر نهج الكتل على هذا المنوال فما على عرابي العملية السياسية الا أن يهيئوا مناسك عزائها .