د. علي الخالدي
اﻷبداع ومسؤولية المجتمعد. علي الخالدي
المبدع الحقيقي من يضع إبداعه ليكون متماهيا مع رغبات الناس , وقد يتعاقد مع الموت في سبيل تحقيق ذلك وليطور ذاته ويخلق آفاق جديدة يضع فيها مجتمعه على سكة السير نحو السعادة والسلام
فالمبدع الحقيقي هو من يمزج الخيال بالواقع , ويكون صاحب الهام لا يمتع به غير سواه , وهذا الإلهام ليس فطريا وإنما متأتي من اﻹطلاع الواسع بطرق البحث التراكمي للفردمن النخبة , كل حسب موقعه وثقافته , ولا يتمتع به (اﻹلهام) كل الناس , و ليس هناك مسؤولية تقف أمام إﻹبداع و تعيقه من النشر , لانه يصبح مسؤولية إجتماعية , تقف ضد إنسياب القيم نحو السقوط , بالضد من ما يعتبره البعض خروج عن التقاليد واﻷعراف اﻹجتماعية , التي بحد ذاتها , قد تشكل إعتداء سافر على اﻹبداع , ذلك لان المبدع يتحسس القيم اﻹبداعية المتماشية مع القيم اﻹجتماعية , في الفن والآداب واﻹختراعات والعلوم اﻷخرى التي تطور المجتمع , حيث تَمَتعَه بحس وإلهام وعشق لكفاءته المهنية تفرض عليه أن يجهد نفسه ويضع عصارة ذهنه ﻹيجاد مقومات تجديدية لتطويرها بشكل تتماشى , وروح العصر
مما يؤسف له أن مجتمعنا العراقي حاليا واقع تحت رحمة توقف اﻹبداع , هذا الورم الخبيث الذي أضعف ثقافتنا وأساء الى منابعها اﻷصيلة اليوم , وسيقتله غدا , إذا سُمح له باﻹنتشار , وهذا ليس كلاما يقال جزافا لغرض اﻹشارة , إنه للأسف صحيح وإنعكاسا لواقع الحال بعيد عن قدرة البعض إدراكه , ﻷن عقولهم منغلقة على نفسها , ترفض مواجهة الكارثة المحدقة بنا , والتي هي من القرب منا بحيث تشل حركتنا من هوة التراجع الى الخلف .
لقد آن اﻷوان لنغير موقفنا الصامت ونتصدى لمعوقات المبدعين على إختلاف آرائهم وندق ناقوس الخطر باستنهاض الضغط الشعبي الفعال حاليا بدءا بدق هادئاً ولينا بعيدا عن الصخب , هذه فرصتنا الوحيدة حاليا , هكذا تعلمنا الطبيعة , فالغيث يبدأ بقطرات لكنه يتحول الى زخات من المطر الهادر قَدَرت على تحويل شوارع مدننا الى أنهار ,(رمى أحد المبدعين صنارته في أحدها) .
ومن نافل القول إن البعض يملك نظرة خاطئة وتخوف من عواقب اﻹبداع فيحد سكاكينه لمحاربته ويحدث ضجة مفتعلة تتلاشى مجرد أن تطل اﻷفكار اﻹبداعية فوق رأسه , عندئذ سيدرك إن محاربة اﻹبداع خطأ فادحا , لكن هذا سيكون بعد فوات اﻷوان .
آن أوان إنطلاق اﻹبداع اليوم , وليس غدا , فما من قضية في الوطن إلا وتتصل باﻹبداع الى هذه الدرجة أو تلك , وفهم المبدعين للإبداع اعظم من فهم المواطن , وعليه فهم ملزمون بمساعدة الناس على فهم القضايا التي يتعرض لها اﻹبداع , اذ إننا بحاجة الى مبادرات إبداعية تحرك الجماهير الشعبية الواسعة التي لن تقف بعيدا عنها , فثمة جوانب عديدة للعلاقة بين المبدعين والمجتمع , لذا ينبغي إحتضان المبدعين وتقديم كل ما من شأنه إبراز إبداعاتهم , ﻷن اﻹنسان لا يستطيع أن ينجز اﻷشياء اﻷكثر أهمية , من دون درجة ما من التركيز في أجواء الهدوء وعدم التوتر , توفرها الهيئات المعنية لكي يصل الى إكتشاف ما هو جديد , وإذا ما وجد المبدع أنه قد توصل الى ما يمكن أن يؤثر سلبيا على حياة الناس , ويؤذيهم , لا أعتقد إنه يستطيع الوقوف موقف المتفرج واللامبالات . فوظيفة المبدع دائما تكون قادرة على تحليل الواقع عن فهم لما يجري حوله , والحديث عنه بنزاهة , ومهمته اﻷولى توفير معلومات عن ابداعه بشكل واسع ولكافة القطاعات المعنية التي تحرص على أن لا يكون الرأي العام حبيس اﻷفكار التقليدية
نهيب بالمبدعين أن يساهموا شخصيا بمعارفهم وإستنتاجاتهم في إجراء حوار موضوعي يوضح أسباب معوقات اﻹبداع , ويوسع النقاش خارج اﻷطر التقليدية