د. علي الخالدي
نهاية متشائلد. علي الخالدي
بالرغم من أنه قد نهض مبكرا كالعادة , إلا أن نومه لم يكن متواصل بعد سهرة كرست للأعداد ليوم التظاهر مع زملاءه في ساحة التحرير , هذا هو أول تحرك جماهيري مطلبي يشارك فيه بعد أن كان يساق مع بقية قطاعات الشعب للتظاهر تأيدا لعنتريات القائد المعجزة . و بكل حرية سوف يعلن عن مطاليبه العادلة . ثقلت خطواته باتجاه قهوة العم مخلف الذي إضطر لترك قريته هربا من العيون المتلصصة التي استمرت ملاحقة خطواته , وعكرت صفو حياته وعائلته , متأملا العودة اليها بعد مرور سحابة الغيم اﻷسود التي تلبدت سماء الوطن , لكن العيون المتلصصة , كما وصلته اﻷخبار بقيت كما هي والذي تغير هو مراكز إحيائها فاصبحت تتلصص لصالح جهة متنفذة في العراق الجديد , لذا نُصح بعدم العودة لقريته وﻷرضه التي اضحت بورا . تثاقلت خطواته وهو يقترب من كشك تنبعث منه رائحة القهوة بعطرها العراقي اﻷصيل , الذي يُجبر المار منها على تذوقها . تحول لقاءه بالعم مخلف الى موجة صمت مربك تخللته أحيانا أحاديث مفتعله لترطيب الجو لكثرة المخبرين الذين تواجدوا بالقرب منها منذ الصباح الباكر , ومن ضمنهم ذلك المخبر الذي إعتاد على كتابة أسماء من يريد أن يوشي بهم على علبة سجائره التي يتلقفها الشارع حال شطف آخر سجارة منها , وعند تذكره اياها , تكون عودة التفتيش عنها غير موفقة , فيطمئن نفسه إنها (ذهبت مع الريح) بينما يقول عقله الباطني أن احدهم قد التقطها وأسرع بها ليخبر اﻷخرين بمسلسل المراقبة , لم يعر إهتمام لكل ما حوله رغم ايحاءات التحذير التي أطلقها العم مخلف لكونه صحفي مرموق , و وطني معروف خرج من السجن بعد سقوط الصنم , ممارسا نشاطه السياسي عبر مقالاته الداعمة والمدافعة عن العملية السياسية وديمقراطيتها الهشة في صحيفة وطنية عريقة لا تلقى غير الدعم الشعبي , ولربما كانت كتاباته الى هذه الصحيفة وراء عدم تمكنه من ايجاد موقع في أرجاء هذا الوطن الواسع الخيرات , فأضطر للعمل بكافة المهن التي أثقلت ممشاه والتي لم تستمر لأكثر من بضعة أيام ﻷعتبارات ملفقة من أنه يجند اقرانه من العاطلين عن العمل للمساهمة في التظاهر بساحة التحرير , كان ينظر الى المخبرين كمخلوقات شذت عن سير قافلة الوطنية الحقة , كأنهم ليسوا من طينة وادي الرافدين , فلم يجد فيهم شيئا من آماله وآلامه وكأنهم يعيشون في عالم آخر . داخله شك في حقيقة إختفاء الوطنية منهم , و سوء ظن , مع انه بطبعه شديد الثقة ,( لا يجود بالظن الحسن بغير حساب ), كان طيب القلب جدا , ومن هذه القلة من الناس الذين ينزعون بفطرتهم الى إقامة المعاذير لغيرهم , وإختيار أخف التأويلات ﻷفضع اﻷفعال , لم تظفر منه وسوسة الغيرة وهمهمة الشك بإذن مرهفة , لقد أحب الوطن حبا شديدا باركته فطرته بثقة وطمأنينة بالرغم لم ير منه شيئا يصب في مصلحته , ومع هذا لم يداخله شك أن هناك مثله في دوائر الدولة ذاقوا مرارة البطالة والتشرد ايام النضال الوطني , لذا فقد عقد العزم قبل اسبوع لمقابلة للحصول على فرصة عمل , لكن هذه المقابلة لم ترو غله , وعاد منها مبلبل الفكر ومعذب النفس وقص في ذلك اليوم للعم مخلف حكايته مع المقابلة بصوت مختنق العبرات , خفف العم مخلف من ثقل معاناته , وأبعد عنه حالات يأس , باﻷضافة لواجباته الوطنية والخشية من أقوال تتهمه بالجَُبن لختم عمره وقضى اﻷمر , لكنه مضى في سبيله بعد أن إحتسى قهوته المجانية , ﻷنه عرف مسبقا هدفه جيدا بل شعر أن الوطنية في تلك اللحظة الذي خيبت آماله بالوظيفة ستبقى ظله الى اﻷبد , وبدونها َيَر الحياة محملة باﻷعباء الثقيلة , و بفراغ كئيب يحدثه السد الهائل من أصحاب القنوط من لا يفهم قوانين الحياة اﻷزلية في حب الوطن التي هي جوهر حياة المواطن , فما أن يفقد المواطن هذا الحب حتى يفقد اﻷسباب التي تصله بالحياة . و اﻷشخاص الذين ينفذون اﻷمرية بالتلصص على أمثاله إنما يعيشون في عالم آخر , ﻷنه ربما لم يطرق آذانهم أحاديث الناس والعم مخلف عن اﻷزمات التي تمر بها البلاد , أو أنهم شيعوا الوطنية , أو لم يدركوها بعد . فتحولوا الى بضاعة في سوق المزايدات الرخيصة لدهاليز اﻷحزاب الحديثة بقصد الكسب العددي وأﻷنتخابي لا سواه , إنهم انصاف جهلاء لا أحد يعرف منهم ما يريد بالتحديد وما ذا ينتظر غيرالخضوع للسطوة والآمرية , لقد وجدوا في المشكل الحقيقي مداراة للقمة العيش غير النزيهة.
لقد افقده الوضع الذي هو فيه بعد المقابلة شهية المبادرة والحلم والتخطيط لمشاريع كان ينوي تحقيقها عند انقشاع السحب السوداء من سماء وطنه , لكن حتى بعد زوالها بدى له ان كثير من اﻷشياء ُوُرثَت , فلا المثقفون سعداء ولا الجاهلون والبسطاء . وحتى من إغتنى لم يستطع النوم قرير النَفس , فهم يتقلبون على وساداتهم , خوفا على ثروتهم غير المشروعة . فهو مثلا ماذا يعمل بشهادته التي هللت أمه عند حصوله عليها , إذا كانت ستضعه في موقع موظف تحت إشراف مدير جاهل , وجد في منصبه ليس بسعة معرفته اﻷكاديمية وإنما لمعرفته المسبقة بأماكان نهش الكتوف وحذاقته اللسانية بورعه الديني الذي نزل عليه فجاءة بعد التغيير , و مهد له كثرة من المعارف وسعوا اكتافه وطوروا إمكانياته في التملق , التي تدرب عليها ايام زمان , كثر فيه أعداد الشهداء لهذا الوطن الذي لا زال يعاني من جراحاته ولم يتواجد فيه من يملك معالجتها , ﻷنه هو وأمثاله مهمشون يخشاهم من في موقع القرار .
ودع العم مخلف , وفي ذهنه تراءى قامة تلك العمة التي تظهرعلى شاشة إحدى القنوات صائحة : ملينا والله ملينا شو هي ولية , وكأنها بهذا تعبر عن صوت الشعب كنائبة عنه . واصل سيره متحسسا أن هناك خلفه عيون تلاحقه , لم يعرها إهتماما لانه في أجواء منحها له الدستور الذي صوت عليه بممارسة حقه الشرعي بالتظاهر , ولم يفهم تماما بماذا كان يفكر قبله الشهيد هادي المهدي عندما كان يخطط للتظاهر وهو يتسلم التهديدات العديدة والتي يبدو أنها لم تترك أية بصمات خوف لديه , بل كان يستشعر الموت من خلالها ومع هذا يجنح اليه مشيا باقدامه ,كأنه ذاهب للقاء رفيق , كان فقط يخشى أن يأتيه الموت برصاصصة من الظهر وبشكل صامت (كما حصل لكامل شياع) لقد عرف أن طرق التصفية الجسدية للوطنين قد تغيرت عن أيام زمان , حيث اﻷوامر كانت عذبه ( حتى تصبغ اﻷرض الدماء ) . إزداد حسرتا وهو يسارع الخطى الى مكان التجمع أن من يفتي بملاحقته كانوا شركاء النضال وساءه أكثر انهم انشئوا سجونا بلا عنوان معروف لزنزاناته , ولا اسم لها على غرار نقرة السلمان وقصر النهاية والمركزي , وأﻷمن العامة , وليس هناك توجيه تهم واضحة للمساجين ومذكرات القاء قبض , كما كان ايام زمان إلا أن من يقادوا الى السجون يكونون معصوبي العيون ومحاطين بمجهولين متنكرين بطرق حديثة يقودونهم الى جهة مجهولة , ومع هذا كان يعتبرذلك شرف ليس في متناول حتى كبار المرتشين والفاسدين وناهبي قوت الشعب باسم الوطنية . أصر على التوجه لساحة التحرير عابرا الحواجز واﻷسلاك الشائكة بإصرار دون أن تخيفه هيبة جندرمة السلطة , وهو يتوقع كل شيء الا تلك الرصاصة , (التي لم يكن يتوقعها لا كامل شياع ولا حتى هادي المهدي) التي دخلت ظهره بصمت فاردته شهيدا , وبذلك تحول الربيع الذي كان ينشده الى شتاء مدفوع اﻷجر مسبقا .