الثلاثاء 5/8/ 2008
مهرجان أيام الرافدين الثقافية العراقية في برلين
العراق أولا ... العراق ابداالنصير ئاشتي
( مازال هذا المنفى فتى قاصرا
فكفي عن إغوائه
أيتها المدن الحكيمة ) *
تداخل في الروح ، وجع المنفى وزهو الجمال ، حين حط رحالك لخمسة أيام في برلين ،خمسة أيام أتى فيها العراق بكل مدنه ، أتى العراق حاملا نهريه ، شمسه ، نخيله ، جباله ، حضارته ، وجلس في مآقي العيون ، بكل الحب الذي تحمله تلك العيون له .
خمسة أيام تنفستَ فيها صدق الكلمة ، وجمال اللوحة الفنية ، وعذوبة القصيدة ، وروعة العمل المسرحي ، وصفاء العدسة السينمائية ، وشجن الغناء ، كل هذا الجمال كان عراقيا .
تصل في اليوم السابق للمهرجان ، الرحلة ليست طويلة بين كوبنهاكن وبرلين ، تدخل مقر النادي ، تلتقي بوجوه فارقتها لأكثر من عام ، وأخرى لم ترها من قبل ُ ، تحاول أن تتذكر أحدهم أين رأيته ؟ ومنذ متى ؟ يا للعنة الذاكرة حين يتكلس الصدأ عليها. منذ اللحظة الأولى تجاوزت َ حواجز التكلف ، تُصغي لأرشادات مسؤول النادي عن كيفية الوصول الى مكان الأقامة ، وعن بطاقة النقل ، في وسائط النقل العامة ، لأنها الأرخص ، فالضيوف والمشاركون يتحملون أجور نقلهم من والى بلدانهم ، مثلما يتحملونها داخل برلين ، لضعف الأمكانيات المالية للنادي ، حينها رأيتَ العراق ينتحي جانبا ، ويبكي بكل المرارة ، يبكي جماله ، مثلما يبكي نفطه الذي يتسرب الى جيوب كل السفالات .
لقد سبقك َالعديد من الاحبة الى مكان الأقامة ،تجمعت ْهناك ، قامات الشعر العراقي ، مسرحيون بـُني المسرح العراقي على أكتافهم ، فنانون تشكيليون أصبحوا مدارس لهذا الفن في العراق ، سينمائيون ينقلون الصورة والحلم بكل الفرح العراقي ،صحفيون ومفكرون ، فنانون موسيقيون ، نساء ورجال ، كل هؤلاء منحوا العراق حبهم ، لهذا أنتقل العراق الى هناك .
موقد النار وتوفر الحطب ، يغري الجميع لأشعال النار ، سبقهم الأنصار بذلك ، كنا أربعة أنصار ونصيرة ، الغناء رفيق النار ، مثلما هو التأمل ، والغناء عراقي بكل شجنه ، يشترك به الجميع . بدفء النار ، وحميمية اللقاء ، عانق السهر جفون الجميع, إلا العراق ، فقد نام مبكرا في العيون .
ألة الناي ، تلك التي يروي بها الرعاة في العراق أحزانهم ، كانت حاضرة في اليوم الأول، مثلما حضرت الألوان التي جسدت العراق بكل أطيافه ،فكانت كلمات وألوان عراقية متألقة، حيث تأريخ المسرح العراقي ، وتاريخ فنه التشكيلي .
ينفتح الجرح عميقا ، وينزف دم العراق النقي ، حين يتم أستحضار دستوره ، في اليوم الثاني ، او حين تم تناول وضعه السياسي ، سال الدم العراقي ، وفاض وخرج من النوافذ ، رغم جمال الصورة في الأفلام السينمائية التي عرضت ، ورغم عذوبة القصائد التي تسربت الى أرواحنا ، بمفتاحها السحري والذي هو العراق .
( أنا أول القصائد وأخر الحكايا
جيئتكم من أرض تأكل أبنائها ،
وتذرهم في أتون البيانات ) **
هكذا كانت مسرحية أطفال الحرب ، وهي تروي لنا حكايات أبناء العراق ، ورغم حزنها المتأتي من حزن أبنائها ،إلا أن أبتسامة العراق فيها ، منحتنا ألامل ، مثلما هو الحديث الذي دار حول دور المثقف العراقي ، كان ذلك في اليوم الثالث ، حيث أنتقلنا مساءا الى مكان الاقامة ، لنشاهد هناك مسرحية عاشق الظلام .
أستمعت الى نحيب عراقي من خلفي ، ظننته العراق ، وحين ألتفت كانت شاعرة عراقية ، أبكتها جملة من مسرحية الهنا والهناك ، حين قالها الممثل بصوته المتهدج ،من أنه يجمع المال كي يرسله لأطفاله هناك . كان ذلك في اليوم الرابع ، حيث بعد ذلك جاءت كلمات المودة والأعتزاز ، حين تم تكريم فنان عراقي ، غنى للعراق كثيرا ،
متانين شمس الفرح تعله ويه صوت الغنه
وتزهر أماني العمر طيب وموده وغنه
من تنتشي الروح ما تستمع بس للغنه
والغنه إيصير أشكثر أحله بلحن سامي
لله درك ياعراق ، كم كان الحزن عميقا بروحك ،حين رأيت أحد أبنائك يُكرم خارج أرضك ، كانت دموعك تنساب عبر عينيّ سامي كمال .بعدها كانت فرقة ترانيم ،خاتمة يومنا الرابع .
في اليوم الخامس ،رأيتك ياعراق تحدق مليا ً في العيوان ، تضحك تبكي ، أجل بكيت ، حين بكت سلام طه وهي تشاهد بوابة عشتار في برلين ، كان ذلك عبر الفلم الذي شاهدناه ، وهي تمثل فيه ..رأيتك ياعراق تدور بين الجميع ، تحتسي فرحك وحزنك من بين شفاه الأحبة . ثم رأيتك تطبع قبلة حب ،على جباه أبنائك أعضاء الهيئة الأدارية في نادي الرافدين الثقافي العراقي . لأنك أنت الأول ..وانت أبدا
* قصيدة للشاعر العراقي فاضل السلطاني
** من مسرحية أطفال الحرب