| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

ئاشتي

 

 

 

الثلاثاء 5/2/ 2008

 

أوراق نصير (17)

الشهيد أبو علي النجار *

ئاشتي

إنه الحلم ُ يا صفحة َ الماء ِ/ أغمضُ عينيّ / وأمضي مع السنوات التي حملـَتني اليك تفاصيل َ تأريخك ِ المتومج / أغمض ُ عيني حيثُ الفرات ُ الذي يتنفس ُ ذاكرة الناس / بقالون وبناؤون وصيادون / وسكارى الليل ، حين يضيق بهم النادي الليلي يلجأون الى ضفتيه / كي يحتسوا الخمر في أخرة الليل / وليس لي ان انسى النسوة / حين يوقدن على خشبة ٍ شموعَ الخضر حي الدارين / فتتراقص أضواء الشموع على صفحة الماء مثل (موكب عرس جميل)   (1) .

أيها النهر / حين تضيق بعيني ذاكرة الزمن المر / لا استفيق إلا على وشم مائك في الذاكرة / فأبتسم ُ / حقا أبتسم ُ / وأنا اتذكرُ كيف نطفئ ُ حرارة جو الناصرية بمياهك ظهرا ً / وأبتسم ُ/ ما وجه التشابه بين روبار كوماته ونهر الفرات ؟/ فهنا رفاقي الانصار يمضون ظهيرتهم في ماء الروباروانا منهم / وأبتسم ُ / حقا ًأبتسم ُ َ / منْ يجعلَ هذا الوادي المتجمدَ حدَ الموت ِشتاءا ً / مثل جو الناصرية ِ في الصيف يكون .

في أخر شهر ٍ من أخر عام في السبعينات وصلتُ الى كوماته / كان البرد ُجليديا ً / والريح ُ إله ٌ قــُد َ له قلبا ً من حجر ٍ / لايرحم ُ في قسوته شجرا ً أو بشرا ً/ كنا أربعة أنصار ودليلين / كان الوقت ُ قرابة َ أن نسمعَ صوتَ الديك صباحا ً / والحرسُ الواقف ُ لا يحمل ُ في يده غير عصا / نعرف بعضنا ُبعضا ًمن بيروت / قـَبلنا ثم مضى يـُطعم نار المدفأة الخشبية بالحطب ِالرطب ِ / وطمأننا من أن الصبح قريبا يطلع ُ / فيجلبُ أرغفة َالخبز ِمن الجيران / ويعدُ الشاي / فالفطور هذا الصباح خبزا وشايا / قالها ضاحكا ً.
شبكت يديّ على ركبتي َّ قرب المدفأة الخشبيه / ورويدا رويدا بدأ الدفءُ الحلو /يسري في أوصالي / أتذكرُ من أنني أغمضت ُ جفوني / لا أعرفُ كم مرَّ من الوقت / حين سمعت ُ الصوت ينادي / (رفاق صباح الخير رفاق نهوض )/نهض البعض ُ والبعض الأخر قد خدره الدفء قليلا ً / فتكاسل أن ينهض / دارت أكواب الشاي / كنا نحن ضيوف اليوم الاول في كوماته / وانا في هذي اللحظة / أتذكر كل تفاصيل اليوم الاول هذا .
ليلة البارحة / حين إنتهينا من تقسيم الرفاق على المواقع / أنزويت تحت تحت ظلال شجرة تين في قرية بريفكا (2) فتذكرت رفاقي الشهداء / وتذكرت أيام كوماته بحلوها ومرها / عدت الى شوارع مدينتي الناصرية / تذكرت تفاصيلا ً أخرى عن وهج الحب القابع في روحي من زمن / تذكرت يوم أنتمائي والاسم الحزبي / تذكرت أبن يوسف في التكوين 34
(والرصاصة ُ في عيون الخيل ِ
تحمل ُمثلنا ما يحملُ الأسلافُ
بين الناصرية ِوالشمال ْ
سنُعيدُ هذي الدورةَ الصماءَ
هذي الوردة َالمقطوعة َ الأعضاء
نـُقتل ُفي الخلايا
ثم نـُقتلُ في المواقف ِ،
ثم نـُقتلُ في قواعدنا ...
) (3)
وغفوت ُبعض الوقت / مرت ساعة أوربما أكثرْ / نسيت ُ ماذا كنتُ أحلم ُ / آه ربما إني حلمتُ بصفحة الماء ِ/مرَ الوقت ُ أسرع َمن وميض ِالطلقة ِالأولى / فأعوزنا لكل رفاقنا أن يستعدوا / رغم إن طريقنا ليست طويلة َ / كنا نـُسرع ُ الخطوات / حيث ُ مثابتنا الأخيرة ُ / نستريح ُهناك بعضَ الوقت ِ/ نستجلي من المجموعة الاولى أوضاع باعذرة (4)/ فقد سبقتنا للمكان ِعند َالفجر ِهذا اليوم َ/ قالوا الوضع هادئ /حسنا لننتظر الظلام ُ يلف باعذرة .
بطيئا ً مر ّ وقتُ الأنتظارِ / وجيش ُظلامنا المنشود ُ/ كان يجر ُ خطاه ُمتعبة ً/ حسبناه إنتظارَ العمر ِ/ يا هذا الظلام ُ المرْ/ هل تدري بأنك كنت صديقنا الأوفى / وكنت عدونا الأبغض / تحركنا وسرُ الليل ِبين شفاهنا همسا ً/توزعنا وكان الصمت ُ سيدنا / ولم يمض ِ سوى بضع من الوقت / حتى جاءنا صوت القذيفة / إشارة للبدء /فأنطلق الرصاص يئز /وفي لحظات احسست بصدري تلتهب نارا / سقطتُ وكدت أصرخ يارفاق ..يارفاق / ولكن َّ بقايا الصوت ضاعت ْفي ثنايا الصدر ِ / ضاعتْ حيثُ نارُ الصدر ِصارتْ ثلجَ كوماته / وصرت ُ بصفحة الماء أحلم ُ / صرت بصفحة الماء / صرت بصفحة .. / صرت / صر .... / صـ

* ابو علي النجار : هو الرفيق الشهيد محمد حسين راشد من مدينة الناصريه أستشهد في عملية أقتحام باعذرة في شهر ايلول 1982
(1) موكب عرس جميل : من كلمات أغنية للشاعر رياض النعماني وألحان الفنان كوكب حمزه ، أسم الاغنية شموع الخضر
(2) قرية بريفكا : قرية مهجرة تابعة الى ناحية أتروش وبها مزار أحد مشايخ البريفكانين
(3) تكوين 34 : قصيدة للشاعر العراقي الكبير سعدي يوسف
(4)  باعذرة : قصبة يسكنها الايزيديون تقع شرق ناحية ألقوش تابعة الى قضاء الشيخان


 

Counters