| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

د. بهجت عباس

 

 

 

 

الخميس 8 /3/ 2007

 



بْرَسَّهْ كافَيْه
Presse Café

بهجت عباس

في النصف الأول من الستينات من القرن الماضي وفي القطاع الشرقي من برلين وعلى كتف ( تحت أشجار الزَّيزفون Unter den Linden )، الشارع الجميل، تقع مقهى الصحافة Presse Café.

يرتادها الوزيـرُ والأجيـر،
والصَّحفي والطالبُ الفقيـر،
تغصّ بالصَّـبايا الملاح،
يأتـون من كل حدب وصوب،
يتـنادمون ويشربون ويضحكون.
كان جالساً مطرقاُ يفكـر في وطنه
الذي اغتاله الـفاشـيّون والغجـر.
جلس إلى جنـبه صحفي ألمـاني،
نظر إليه ملـيّـاً وسأله :
من أيِّ بلد أنت؟
أجـابه الكـئـيـب :
من العراق!
أنـا من العـراق
من بلد الدّمـوع والضَّـحايا
أنـا من الأرض التي يعـمّـُها
الضَّـبابُ والظَّـلامْ
وتـُحـجَـز ُ الآراءُ
حـقـَّتْ عليها لعـنة ُالسَّـماءْ
فنَـضَـبتْ مياهـُها وذبَـلـتْ أزهـارُها
وغاب عن حقـولِـها المـطرْ
فاصـفرَّ فيها العشبُ ينعى حظَّـه الكئيبْ
وزاغ في سمـائـها البصـرْ
فتمتمَ الآخـرُ مُستـفـهماً:
وكيف حال المـرأة الفـتَـيِّـة ؟
هـل تعـملُ ؟
وهـلْ تـُرى تخـرج في حـريّـة ؟
في الحقل أم في مصـنع ٍتشـتـغـلُ ؟
أجـابَ : ليس كلَّـهـُنَّ
إنَّ لنـا تـُراثـَنـا العتـيدْ
ومـجـدَنـا المُـخَـلـَّد التَّـليدْ
أجـابَه : يا سيِّـدي إنَّ الذي تقـولُ
ليس له من صحـِّةٍ أصـولُ
فَـلوْ لديـكمْ كانتِ المعـامـلُ
وانتـعشتْ بمـائـها الخمـائلُ
وغمَـرَتـْكمْ سـُحـُب ٌ هواطلُ
لكسَـرتْ قيـودَهـا العوائـلُ
لكنَّـكمْ تـُعـوزكمْ صـناعة
فأطرق المسكين في قنـاعة
وبعد أن جاءتْ عقود أربعـة
مـرَّتْ ككابـوس على العراقْ
فأظلَمتْ سمـاؤُه وغـارَ فيها ماؤهُ
واسـودَّتِ الآفـاقْ
وبعد أنْ تحطَّـمتْ سلاسلُ الأعناقْ
لمْ يجـدِ العراقُ مـا قد ضيَّـعه
فتـاهَ في الآمـال والأحلام ْ
وجاءت الذِّئـابْ
تـفـتـكُ بالأشجار والبشـرْ
وتطَـأ الحـقـوقَ بالأقـدامْ
ونصّبوا حاشيةً تخشى من التـفكير والكلامْ
فتـبعث الأوهـامْ
فَهُضِمَتْ حـقـوقـُها، المرأة الجميـلة
لذا على الدَّوام طاح حظّـُـنا
لأنـَّنا دومـاً بساق ٍواحـدة
لأنّنـا بأذرع ٍ يتيـمة
نحـارب الأعـداءْ
ونـقبـل الهزيمـة
نعـرج في مشـيـتـنا لا نبلغ الأهـدافْ
وغيرُنـا ينـتـزع الدّ ُرَّ مـن الأصدافْ
فـهلْ رأيتمْ طائـراً يطيـر في السـَّماءْ
وذا جنـاح ٍ دبَّ في عـروقها الفنـاءْ ؟
نسـتـرق السَّـمعَ بأ ُذنيْ فرس ٍ
ونـنظـر الدّنـيـا بعين حاقـدة
وهـل سمعـتمْ مرة بامرأة قد أحرقتْ بلادَها
وقادتِ الشَّعبَ إلى العَـفـاءْ ؟
لا تظلموهـا! إنَّـها زوجتـُكمْ
وإنـَّها أمّـكمُ واخـتُـكمُ وابنتـكمْ
يا من بكم قد فاخرتْ صحائفُ الظَّلامْ
يا من بكمْ قد بُـلِـيَ العراقُ والأنـامْ
كان لنا يوماً زعيمٌ طيِّـبٌ أراد
أن يحتطـبَ النجومْ
ويخطفَ القمـرْ
ليـُسعِـدَ البشـرْ
أراد أنْ يـُحرِّرَ المرأة من قيودهـا
وينسفَ القدرْ
لكنـَّهم، عنـاصرَ الظَّـلام والغـجـرْ،
قد ذبحـوا الصَّـباحَ من وريـده
واقـتـلعوا الأشجـارَ من جـذورها
وعصـفوا بالروح والحياة
وأحرقوا الغـابات
ورجعوا بالبلد المنكـوبْ
إلى عـهود غابـرة
مُـخضَّـباً بالدَّم والنّـدوبْ
وأسدل الظلام أستاراً على العقول والفِـكَـرْ
وكان للمرأة حظ ّ عاثـرٌ
مُـذْ أ ُسْـدِلَ السِّتـار!