| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

باسل أودو

 

 

 

الأربعاء 9 /7/ 2008



أزمة فكر أم أزمة مفكرين ؟
(3)

باسل أودو - الدنمارك

ألمفكرون نادرون . وتأريخ الحضارات هو تأريخ المفكرين . وفي البلدان المتقدمة يحتل المفكرون موقعا متميزا ، عكسنا .

برز في مجتمعنا مفكرين ، الاّ أنهم لم يشكلوا حولهم حلقات من المهتمين والمتابعين والدارسين ، فقد ركز مفكرونا على نقل النظريات ، ونشرها والدفاع عنها ، وأهملوا دراسة الواقع دراسة دقيقة وعميقة ، دراسة تنتج نظرية تتواصل مع النظريات .

التعريف والتعرّف على النظريات مهم ، ولكن الأهم هو الواقع الموضوعي المحسوس ، ألذي ينتج النظرية . كل النظريات تعبير عن واقع ما في زمن ما ، وما دام الواقع متغبر والزمن متغير ، فالنظرية تتغير معهما .

عانى مفكرونا ولا يزالون من أمور عدّة في عملهم الفكري يمكن إيجازها في :

1 - اسلوب تناول إشكالات الواقع وأزماته ، وكيفية التعبير عنها . فقد يكون الإسلوب المباشر في تناول قضية ما يمس مقدسات الناس ويبعدهم عن متابعة المفكر وطروحاته ، لذا يجد المفكر أحيانا نفسه في وضع صعب يدفعه نحو خلق اسلوب اخر لتوصيل أفكاره ، إلاّ أنّ المشكلة تكمن في طول مدة تأثيره على أذهان الناس .

الهدف المهم والأساسي للفكر هو التغيير وليس المدة ألتي يستغرقها التغيير ، رغم الرغبة القوية ألتي تمتلك المفكر لرؤية التغيير والتقدم أثناء مدة إبداعه ، ممّا دفع بعض مفكرينا إلى المقالة ، ولكن كتابة المقالة إستغرقهم ، وأبعدهم عن صياغة فكر (( متكامل )) يقدم في شكل نظرية . ورغم أهمية المقالة في مساعدة المفكر والمثقف لملاحقة الأحداث المتسارعة ، إلاّ أنها لا يجب ان تصبح بديلا .

2 - ونحن نتكلم عن واقعنا العراقي ، لم يحصل لحد الان أي إبداع في أسلوب إيصال الفكر ، فلا زالت الصحيفة ، بأشكالها ، هي الأسلوب السريع الوحيد لإيصال الأفكار . ولم نجد مثلا ، لقاءات مباشرة بين المفكرين والجماهير وبشكل منظّم ومستمر . ورغم أهمية الصحيفة ، إلاّ أنّ للكلمة المسموعة وقعها ، وللقاء المباشر والمحاورة المباشرة فوائده . ولنا في تجربة سقراط مثالا ، حيث أنه لم يترك لنا كلاما مكتوبا ، وكل ما كتب عن أفكاره كان نقلا من تلاميذه .

3 - المشكلة الأكبر ألتي عانى منها المفكر العراقي ، وعموم المفكرين في البلدان المتخلفة حضاريا ، هي في إنتمائه السياسي ، وخضوع إبداعه الفكري لايديولوجيا الأحزاب . ولا ضير في الإنتماء السياسي ، إلاّ أنّ  الضرر وقع على الإبداع الفكري ، وإبتعاده عن الملاحقة المستمرة للفكر الجديد ، وبقائه أسير النظرية الواحدة والفكر الواحد ، رغم رغبة بعض المفكرين في الإبداع وتقديم الجديد ، إلاّ أنه كان اسير الحلقات ألتي يعمل ضمنها ، فتراكمت أزماته الفكرية ، وفي أول زلزال ، إختلطت الأمور وتم السير في الإتجاه المعاكس .

لذا لا بد للمفكر أن لا يستغرقه العمل السياسي وإلتزاماته ، وأن يمنح الفكر ، إختصاصه الأساس ، وقتا و دورا أكبر .

إنّ معاناة المفكر الثوري التقدمي تستهلك عمره ، وهو يناضل ضد أفكار الثبات والعودة إلى الماضي . وممّا يزيد من معاناته ، هو حجم القاعدة الإجتماعية ألتي يمتلكها ، وهي هدفه الأول والأخير .

إنّ فكر الثبات والتخلف يعمل على زيادة زيادة حجم القاعدة الإجتماعية ، ويتجه نحو العقول الخاوية ألتي تمثل النسبة الأكبر في مجتمعاتنا ، ليعشش في أدمغتها ، ويعمل على تركيز أفكاره فيها عن طريق الترديد الدائم والممارسات المتكررة والمستمرة ، حتى ليحوّل تلك الافكار إلى عقيدة ، يكون من الصعب إنتزاعها من تلك الأدمغة . فالتراجعات والإنكسارات ألتي حصلت لفكر الثبات والتخلف لم تثنه عن السعي للظهور بأشكال وطروحات جديدة ، ولكنها تحمل ذات المضمون والإتجاه والهدف ، في محاولة منه لمواجهة الواقع الموضوعي، فهو لا يأتي بجديد ، وإنما أقصى ما يفعله هو مجاورة بين قداسة فكر قديم وفكر (( جديد )) ، في محاولة لخداع فكر التقدم وجرّه نحو مواقع فكرية متساهلة معه ، وخلق نوع من الفكر التوفيقي بين الفكرين ، لفترة زمنية يستفاد منها في إعادة ترتيب أوضاعه للصعود والإنقضاض مرة أخرى .

إنّ محاولة الملاءمة بين فكرين متناقضين لا تتم إلاّ بعد تشويه موضوع التوافق . إنّ منح القداسة للفكر ، أي فكر ، هي ألتي تقود إلى الجمود ، منتجا التخلف عن التواصل مع الواقع المتحرك دائما إلى الأمام . ويترافق مع خطر منح القداسة للفكر ، تقديس مبدع الفكر ، وعدم السماح للمنهج النقدي التحليلي من التقرب ، لا من الفكر فقط ، بل حتى من حدوده . إنّ تقديس الفكر ومبدعيه ينقل الصراع من ميدانه الحقيقي ، الواقع الإجتماعي ، إلى ميدان الصراع الفكري .

قداسة الفكر إضافة ، وليست من أصل الفكر ، وكل الأفكار هي نتاج إبداع العقل البشري ، في ظرف تأريخي معين ، وإنعكاس لواقع معين ، تتغير باستمرار مع تغير الواقع . أفكار جديدة مع واقع جديد ، عليه لا بد من السماح دائما للمنهج التحليلي النقدي أن يتصدى للأفكار القديمة ، ويعلن موتها أمام ولادة واقع وفكر جديدين .

وهنا لا بد من الحذر ، من إستدعاء الفكر القديم والواقع القديم من قبل المنهج التحليلي النقدي ، فلكي يستحق الفكر الجديد الحياة ، عليه أن يتعامل بعلمية وموضوعية في سلبه الحياة من القديم ودفاعه عن معطيات الواقع الجديد وحضورها , رسالة الفكر هي التنظيم الجاد للطاقة الثورية الكامنة في الإنسان ، وتحويلها إلى فعل ثوري واعي . لا إلى تفريغ تلك الطاقة وتبخيرها وتسكينها أو توجيهها في أنشطة إستلابية مزيفة بغرض تمييعها وقتلها .

على الفكر السير مع الواقع ، والتعبير عنه ، والتغير معه ، وبما أنّ الواقع متحرك أماما ، فعلى الفكر السير معه أماما أيضا ، والعيش معه والتحدث بلغته ومستواه ، فكل نص أو فكر بدون واقع هو نص وفكر فارغ .



¤ الجزء الثاني
¤ الجزء الأول
 


 

free web counter