الجمعة 5/1/ 2007
بدر شاكر السياب
الأب الحقيقي للشعر الحديث
(2)
اعداد : بلقيس الربيعيلم يكن ثمة امل في الشفاء ، الموت يقترب والعقل يهتز والجسد يترنح.وفي الرابع والعشرين من كانون الأول 1964 توفي السياب في المستشفى الأميري في الكويت .
كان النتاج الشعري للسياب مئتين وعشرة قصائد موزعة على احد عشر ديوانا هي : ازهار واساطير ، المعبد الغريق ، انشودة المطر ، شناشيل ابنة الجلبي ، إقبال ، البواكير ، فجر السلام ، قيثارة الريح ، أعاصير ، والهدايا .
لم تكن تلك القصائد المئتان والعشر كلها سيابية بمقياس الإنجاز التاريخي الذي حققه السياب للشعر العربي ،بل كان فيها الكثير مما يعد بداية بسيطة ، والكثير مما يعد تكرارا لامفر منه والكثير مما يعد تعبيرا عن تعب وإرهاق ولكن ما تبقى نفح الروح في جسد الشعر المريض وأشعل في حطبه شرارة الحداثة وأسس بذلك اول لبنة للشعر العربي الحديث . فهو الأب الحقيقي إذا نظرنا بمقياس وصفي بنائي لا بمقياس تأريخي ، وإلا سلكنا خطا عموديا يندرج فيه محمود سامي البارودي وعبد الرحمن شكري وعلي احمد باكثير ونازك الملائكة وغيرهم كثير .
فقد أعاد السياب للقصيدة العربية ارتباطها بقضية الجماهير من خلال تحشيده الهائل لتفاصيل الحياة اليومية ، وقد تحولت الى رموز ذات ابعاد ودلالات، وهذا ما خلق ثورة حقيقية في الشعر العربي ... لقد دخلت الحياة اليومية بكل مستوياتها لأول مرة على يد السياب . "فالمومس العمياء " و "حفار القبور " تحول من بعض جزئيات في الحياة اليومية الى رموز لقوة الحياة وحرمانها وانانية الفرد الذي يتمنى أن يموت الآخرون ليعيش .
ولكن السياب لم يكن واقعيا بالمعنى الحرفي للكلمة ، ولا واقعيا اشتراكيا بالمعنى الضيق ، وليس شعره كله تصويرا خارجيا لبعض مظاهر الحياة ، وليس كله هتافات وشعارات ، ولكنه يلتزم بقضية كبرى، ويعبر عن اهداف سياسية و"انشودة المطر "خير مثال على ذلك . " السياب اقرب الى مايكوفسكي " هذا ما قاله الشاعر الروسي ايغور ايبساييف ، " قرأت للسياب بالروسية قصيدة " انشودة المطر "وهي قصيدة نضالية من طراز رفيع ومناخ الشاعر العربي فيها هو الأقرب الى مناخ شاعرنا مايكوفسكي "
أكاد أسمع العراق يدخر العود
ويخزن البروق في السهول والجبال.
حتى إذا ما فضّ عنها ختمها الرجال
لم تترك الرياح من ثمود
في الوادي من أثر .
أكاد أسمع النخيل يشرب المطر
وأسمع القرى تئن ، والمهاجرين
يصارعون بالمجاذيف وبالقلوع ،
عواصف الخليج ، والرعود ، منشدين :
مطر...
مطر ...
مطر ...
وفي العراق جوع
ونثير الغلال فيه موسم الحصاد
لتشبع الغربان والجراد
وتطحن السوان والحجر
رحى تدور في الحقول ..حولها بشر
مطر...
مطر ...
مطر ...
وكم ذرفنا ليلة الرحيل ، من دموع
ثم اعتللنا ـخوف أن نلام ـ بالمطر ..
مطر ...
مطر ...
مطر ...
ومنذ ان كنا صغارا ، كانت السماء
تغيم في الشتاء
ويهطل المطر ،
وكل عام ـ حين يعشب الثرى ـ نجوع .
مطر ...
مطر ...
مطر ...
أحس بالدماء ، والدموع ، كالمطر
يفضحهن العالم الحزين
اجراس موتي في عروقي ترعش الرنين
فيلهم في دمي حنين
الى رصاصة يشق ثلجها الزوأم
اعماق صدري ، كالجحيم اعضّد المكافحين
اشد قبضتي ثم اصفع القدر .
اود لو غرقت في دمي الى القرار
لأحمل العبء مع البشر
وابعث الحياة . إن موتي انتصار .
لقد وعى بدر شاكر السياب اسرار التركيب اللغوي العربي دراسة وممارسة وخبرة . إن لغة السياب هي لغة حديثة رغم بعض ما علق بها من الأساليب اللغوية القديمة . والمقصود بالحديثة اقترابها من لغة الناس اليومية وإبتعادها عن المفردة القاموسية ، وإدخال احاديث البسطاء الى الشعر ، وتناول قضاياهم بالفاظهم هم ، ولعل هذا هو ثمن ما جاء به الشعر العربي الحديث ، إعادة الشعر الى الناس الذين يكتب من اجلهم هذا الشعر .
كان السياب يسير في خط مخالف للإتجاه العام للشعر الحديث الأكثر نضجا وتقدما ، ولكنه في الواقع كان يقدم للشعر الحديث نموذجا جيدا يزخر بالنغم الخارجي والنغم الداخلي احيانا ، فيزيد التجربة الشعبية غنى وحرارة .
لقد انتصر السياب على مدينة القرن العشرين حين هزمته ، وعلمنا فضيلة هي أن تجاوز الآخرين في الإبداع نادر جدا ولكنه ممكن جدا ، وهو امر ينطبق عليه هو قبل غيره .
لم يستعمل شاعر عربي الأسطورة والرمز كما استعملها السياب وكانت الأسطورة احيانا تصبح جزا من القصيدة كما حدث في قصيدة " مدينة بلا مطر " بينما تظل في احيان اخرى مجرد كلمة من كلماتها ، غريبة ومعزولة لا يبررها إلا الهامش الذي يوضع لتفسيرها . الأسطورة عند السياب هي نقيض الواقع ، هي الحب والحياة والحرية والغنى ، اما الواقع فهو الكره والموت والإضطهاد .
في اوائل الأربعينيات انتمى السياب الى الحزب الشيوعي العراقي وكانت تلك الفترة من انضج فتراته إبداعيا ، اذ أنتج فيها قصيدته العظيمة " انشودة المطر ". ولقد كلفت السياب هذه التجربة كثيرا ، اذ أنه اضطهد وشرد ، ولكنها افادته كثيرا ، اذ حولت احساسه الفردي بالفاجعة الى احساس بفاجعة الجماعة . كان الموت ،فيما مضى ، موته ، موت امه فقط ، اما الآن فقد اصبح الموت موت الآخرين عامة . وكان في الماضي يبحث عن خلاصه بخلاص الآخرين . ادرك في هذه المرحلة بأن فاجعته ليست فاجعته الخاصة بل فاجعة شعبه . ونستطيعأن نتبين موقفه هذا من خلال قصائده "فجر السلام" و" حفار القبور " و " الأسلحة والأطفال " و " المومس العمياء "
ونلمس في كل قصيدة من هذه القصائد على اختلافها ان مصير الإنسان ليس مصيرا فرديا منعزلا ، إنه جزء من المجتمع والتأريخ . فعندما يقدم حفار القبور ، لا يقدمه على انه " حالة فردية " بل على انه حالة اجتماعية . ففي المجتمع المفكك المنحل ، تولد طبقة تعيش من موت الآخرين . اما " الأسلحة والأطفال " و " فجر السلام " فإنهما تؤكدان الإنتصار على تجار الموت والدمار .
¤ الجزء الأول