| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأربعاء 6 / 4 / 2016 د. باسم سيفي كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
الى ساسة العراق، لا اصلاحات جذرية بدون ضرائب تصاعدية وراتب عام للعاملين في القطاع الخاص
د. باسم سيفي
(موقع الناس)ان يكون الجميع مع الاصلاح شيء جيد ويفترض ان يعني ادراك عام لمشاكل العراق السياسية والاقتصادية والإدارية والاستعداد لوضع العلاجات المناسبة لهذه المشاكل، ولكن من الصعب تصور معظم، او الكثير من، طبقة النخبة السياسية والإدارية والمهنية المستفيدة من الاوضاع السائدة في سوء استغلال موارد العراق البشرية والطبيعية. لذا علينا توقع مقاومة شرسة وتسويف متعمد للإصلاحات الجذرية التي تطالب بها الجماهير والقيادات الخيرة حيث ان الاحزاب السياسية المتنفذة، التي بنت لنفسها قاعدة واسعة من المصالح والعلاقات من خلال ادعاءها بتمثيل المكونات العراقية المتعددة وسياسة التوافق التي تحولت الى ابتزاز وحماية الفاسدين وغير الكفوئين، ليست مستعدة للتنازل عن مكاسبها اذا لم تعي بأن البديل أسوأ لها من الاصلاح بكثير (شَلِع قَلِع التي استحسنت شعبيا)
اساس سوء الاوضاع العراقية هو اولا المكاسب الفاحشة لطبقة النخبة المتضخمة التي جرًت معها توجه المصلحيين لاحتلال المراكز المتقدمة في السياسة والادارة والخبرات المهنية وانتشار الفساد المالي والإداري في تقريبا كل مفاصل الدولة وبالتالي الإدارة السيئة لموارد العراق وإدخاله في نفق الدولة الريعية. الاساس الثاني هو اهمال العاملين في القطاع الخاص وحصر توزيع عائدات النفط على العاملين في الدولة وبالأخص طبقة النخبة ومحاسيبهم وهو ما جرً الى زيادة الفوارق في الدخل وتدهور شروط الانتاج في الصناعة والزراعة، وهو ايضا من مظاهر الدولة الريعية. هذان الاساسان يجب ان يٌعالجا اذا اريد للإصلاح ان يكون جذريا ويضع العراق على جادة النهوض والتنمية المستدامة التي تنفع العراق بجميع طبقاته ومكوناته حاضرا ومستقبلا.
من الواضح الان وجود صراع داخل وبين الاحزاب السياسية المتنفذة وفي طبقة النخبة بشكل عام بين من يريد اصلاحات شكلية وترقيعية بانتظار صعود اسعار النفط وخفوت زخم انتصارات الحشد الشعبي على داعش لتعود "حليمة على عادتها القديمة" في النهب الشرعي وغير الشرعي وفي اللعنة النفطية، ومن يريد اصلاحات جذرية وفعالة تضع مؤسسات تنموية وتقضي على الفساد وإهدار الموارد وتدعم القطاع الصناعي والزراعي بشكل جدي. وقد اتفق الطرفان مؤخرا على ضرورة تشكيل وزارة تكنوقراط ولكن الطرف الاول يريد تكنوقراط تابعين للأحزاب السياسية لحماية مصالحهم واستمرار نفوذهم، في حين يرى الطرف الثاني بضرورة كونهم مستقلين عن الاحزاب وان يتبع ذلك اصلاحات مكملة وداعمة تتمثل بتعيين التكنوقراط كوكلاء للوزارات ومدراء عامين وإصدار تشريعات جيدة لدعم عمل السلطة التنفيذية تقوم على اساس الاغلبية وليس التوافق.
التكنوقراط حالهم مثل حال السياسيين فمنهم السافل ومنهم النبيل، وفي تبوأ المسؤولية يجب ان يكون حافزهم خدمة الوطن والمهنية وليس الحوافز المادية من رواتب عالية ومخصصات مجزية، وهي ما تجذب الانتهازيين والمصلحيين ومفتقدي النزاهة والأمانة للتكالب على المناصب المهمة والعالية. وهذا بدوره يشجع الصف الثاني من طبقة النخبة ومن يليهم في سلم الوظائف الحكومية على الانغماس في تعزيز مصالحهم الخاصة. لذا فان نجاح حكومة التكنوقراط يعتمد بدرجة كبيرة على تخفيض امتيازات طبقة النخبة التي وضعها الامريكان وصعدها جشع وتوجه زعماء المكونات وقادة الاحزاب في توسيع قاعدتهم والولاء لهم وتعزيز نفوذهم. لذا من الضروري تخفيض امتيازات النخبة وبالأخص صافي رواتبهم ومخصصاتهم غير المنصفة من خلال اما تخفيضها او فرض ضرائب تصاعدية عليها او كلاهما.
ومن جهة اخرى فان حرمان المنتسبين الى القطاع الخاص وغير العاملين في الدولة العراقية من عائدات النفط يخلق مشاكل متعددة من عدم الاستقرار والضائقة الاقتصادية والشعور بالتهميش. شيء من العدالة في التوزيع ركن اساسي في بناء دولة المواطنة ويشجع افراد المجتمع للمساهمة في بناء وتطوير نظامهم الديمقراطي الذي اختاروه عبر تصويتهم على الدستور العراقي عام 2005 بدلا من عمل جزء كبير منهم على تهديم وإفشال العملية السياسية الديمقراطية بسبب اهمال الدولة لوضعهم الاقتصادي، فيكفي ان نرى معظم المتورطين بأعمال اجرامية وإرهابية مدفوعين بعوامل اقتصادية. ومع ادراك اهمية التوسع في القطاع الصناعي والزراعي فان توزيع قسم من موارد النفط على العاملين في القطاع الخاص سيعمل على تخفيض تكلفة الانتاج في السلع المحلية وزيادة منافستها للمستورد وبالتالي زيادة انتاجها وتطويرها.
لذا نرى بأن على السيد رئيس مجلس الوزراء ومن يريد اجراء اصلاحات جذرية في النظم الادارية والاقتصادية والسياسية ان يعلن للشعب العراقي برنامجا واضحا يشمل فرض ضريبة دخل تصاعدية، مثلا اعفاء الدخل الشهري لحد نصف مليون دينار من ضريبة الدخل وزيادتها تدريجيا كلما ازداد الدخل عن ذلك ولتصل الى 50 % على ما يزيد عن 4 مليون دينار في الشهر، وتبني سياسة توزيع جزء من عائدات النفط على العاملين في القطاع الخاص، مثلا راتب عام قدره 200 الف دينار بالشهر لحوالي اربعة ملايين عامل وكاسب في القطاع الخاص.
اعتقد بان مثل هذه السياسة الاقتصادية ستدعمها الاغلبية الساحقة من الشعب العراقي وستعيد ثقة الشعب بساسة العراق الذين ينتخبهم الشعب وستمتص الغضب الجماهيري المتصاعد من استمرار سوء الادارة وأداء طبقة النخبة التي عليها ان تقبل بخسارة جزء من مكتسباتها بدلا من خسارة كل شيء، فان اندلعت ثورة الفقراء والمحرومين وأهل الحق فإنها لن تبقي شيئا لأعضاء النخبة الحاكمة من سياسيين وإداريين ومهنيين او تكنوقراط، فلا يمكن لسياسة النهب وتبذير عائدات النفط ان تستمر في العراق.