عن ثورة 14 تموز وصدى الايام *
داود أمين
شكلت ثورة 14 تموز عام 1958 منعطفاً هاماً في ذاكرة جيل العراقيين الذي عاصرها، فقد وجد الكثير من أبناء ذاك الجيل في الثورة ومكاسبها وإجراءاتها، تحقيقاً لأحلامه وطموحاته في الحرية والمساواة، طريق الشعب وجهت لثلاثة مواطنين عراقيين، يعيشون الآن في الدانمارك ، ممن عاصروا الثورة، سؤالاً يتعلق بصدى الأيام الأولى للثورة عليهم وعلى محيطهم، وهل هناك أوجه تشابه أو إختلاف بين عراق تموز 1958 وعراق اليوم ؟
المواطن حسين كنجي :
لا أنسى ذلك اليوم من تموز عام 1958، عندما سأل ذلك الرجل الفقير المعدم والمسن أحد أقاربه (ما معنى الثورة وسقوط الملكية ؟) فأجابه قريبه : الثورة جاءت من الفقراء ولأجل الفقراء والمعدمين ! فما كان من السائل سوى الصعود لسطح الدار والصياح بأعلى صوته : أيها الناس إن الملك مات، وإن الديون هي أيضاً قد ماتت معه ! فقد فهم المسكين الثورة هكذا، وهي لم تكن هكذا بالطبع ، ولكنها أنصفت الفقراء، ووقفت إلى جانب المعدمين والكادحين، وقد شقت طريقها وسط صعوبات بالغة ومخاطر جسيمة، فقوى الردة في الداخل والخارج بدأت في حياكة المؤامرات والدسائس ضدها، ومنذ أيامها الأولى، ولكنها مع ذلك حققت إنجازات هامة فقد أخرجت العراق من حلف بغداد، وحررت الدينار العراقي، وحققت الإصلاح الزراعي ووزعت الأراضي على الفلاحين، وفسحت المجال أمام منظمات الطلبة والشبيبة والنساء والعمال والفلاحين والأدباء والصحفيين والمعلمين وغيرهم، لكي يعملوا بحرية، كما وزعت آلاف البيوت على الفقراء ، وحاولت رغم قصر عمرها أن تنصف الجميع، وأن تشيع التعليم والمدارس والمستشفيات، وأن تكافح الفقر والجهل والأمية. ولم يكن قائد الثورة الزعيم عبد الكريم قاسم يسارياً، كما أشاع البعض حينذاك، بل كان وطنياً حقيقياً، وإستطاع خلال حكمه القصير ، ورغم النواقص الكبيرة والفادحة والتي جعلته ضحية لها ومعه الوطن أيضاً، أقول إستطاع ذلك القائد الوطني من إسعاد شعبه، وجمع شمل جميع القوميات والأديان والطوائف، إذ كان الجميع يعيشون سواسية في وطن واحد، إذ لا تفرقة قومية ولا دينية ولا طائفية، كما هي عليه اليوم، كما لم نسمع بفساد إداري أو مالي، كما نسمع ونعيش في عراق الحاضر الغريب .
الفنان طالب غالي :
ما زال وهج تلك الأيام يسطع في دواخلنا . أيام ثورة 14 تموز المجيدة. وما زال صوت الجماهير يتصاعد كموجات موسيقية تتعاقب محدثة سيمفونية للفرح والأبتهاج ومن الطريف أنني كنتُ في ذاك الصباح الجديد متسلقا نخلة كانت في وسط الدار التقط منها ما نضج واصفرّ . حينها سمعت أصواتا متداخلة تعلو وتهبط تهتف بنجاح ثورة الشعب والجيش بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم . وحيثُ لم يكن في بيتنا كهرباء فليس عندنا ـــ راديو ــ كي نستمع إلى ما جرى ويجري في العراق من أقصاهُ إلى أقصاه مع تتابع الأحداث وتواترها .
إندفعتُ خارجا والتحمتُ مع الجماهير الهادرة، وإتجهنا إلى مركز المحافظة حيث إلتقت الجماهير الزاحفة من كل جهة ومن كل صوب من أنحاء البصرة وهم يحملون صورا للزعيم عبدالكريم. وهناك توالت الخطب وتعالت الشعارات مشيدة بالثورة وبنجاحها، وتؤكد على الألتفاف حولها وحمايتها وقرئت قصائد شعرية حماسية تمجد الثورة وقادتها الميامين، ويحضرني الآن بيتٌ من الشعر لقصيدة ألقاها شاعر من عائلة - الشبيبي - يقول :
عبد الكريم وكل الناس شاكرة لك الصنيع الذي ما كان مرتقبا
خرجت البصرة عن بكرة أبيها مرحبة بالثورة ومنددة بحلف بغداد والأستعمار وتحذر من دسائس وتآمر الطابور الخامس وأعداء الثورة الوليدة، ومن الرجعية الحاقدة . وبتوالي الأيام إتسعت إشراقة شمس تموز ولونت العراق وأرضه بالمحبة والسلام، وإستشعر العراقيون بتحرير وطنهم والخروج من حلف بغداد ومن سيطرة المستعمرين على خيرات البلد وثرواته النفطية والأقتصادية، وتشكلت فرقٌ ولجان لحماية الثورة والجمهورية الناشئة والحفاظ على مكتسباتها وإنجازاتها . كبيرا كان الفرح في بصرتنا ومشرقة كانت صباحات الثورة وجديدة كانت هتافات الجماهير، وهي تعلو مباركة ومهنئة بهذا الحدث الرائع العظيم في تاريخ وطننا العراق ومشددة على حمايته والدفاع عنهُ وبعد الثورة بفترة قصيرة، تشكلت مقرات للشبيبة في مختلف أنحاء البصرة وإستقطبت الكثير من الشباب . وأقيمت المهرجانات والندوات التثقيفية، وحرص المسؤولون على توعية الشباب والتأكيد على الشعور الوطني والأنتباه لكل ما من شأنه أن ينال من الثورة وجمهوريتها الفتية ،وكنا نتسابق لتقديم كل ما يعزز مبادئ الثورة ويحافظ على نهجها وخطها التقدمي، والأنفتاح على مختلف طبقات الشعب وتوعيتها على مصالحها ومخاطر الثورة المضادة .كثيرة هي الذكريات وراسخة في أعماقنا وعند إسترجاعها يتراءى لك الفرقُ واضحا وجليا بين الأمس واليوم . . حيثُ كان الشعبُ حينها ملتحما مع ثورته وموحدا في أهدافه وتكاتفه وحريصا على وحدته الوطنية ومنجزاتها ويسعى إلى تحقيق مكتسبات وإنجازات لكل الجماهير ورفع المستوى المعاشي لجميع الطبقات وخاصة الطبقة الكادحة والفقيرة ألف شمعة حبّ أوقدها لذكرى ثورة 14 تموز المجيدة ..
الأستاذ عبد الإله سباهي :
جاءت الثورة في وقت كنا نعيش فيه مسحوقين في ظل النظام الملكي. بين الفقر والقمع والإقطاع والجهل. ذبح شبابنا ودفنت طموحاتنا حينها، فعندما جاءت ثورة الرابع عشر من تموز كانت الثورة على الظلم هي فرحتنا وأملنا في الخلاص وتنسم عبير الحرية، وعشنا في ظلها سنين قليلة بين الفرحة والعمل الجاد في بناء عراق حضاري متطور في كل مجال. توالت الأحداث وذبحت الثورة كما ذبحنا على يد مجموعة من الفاشست مدعومة من الاستعمار الأمريكي. لم يتنفس العراقي بعدها طعم الحرية وعاش عقودا في ظل نظام بوليسي إرهابي حتى سقط النظام عام 2003. فشكل سقوط النظام أملا في نيل الحرية والتقدم عند بعض أهلنا حتى أنهم راحوا يحلمون بعراق يشبه اليابان وألمانيا، ولكنهم وللأسف لم يجنوا سوى الخيبة! ولكن هل هناك أمل في بناء عراق مشرق و(بساطيل) المارينز تدوس أرضه؟ لقد جاءت مجموعة من المتعصبين للطائفية والطامعين بالمغانم مع قوات الاحتلال، متعطشين للنهب تدفعهم أحقاد القوى الاقليمية، كما يدفعهم التعصب الديني لذبح أي عراقي يريد الحرية والخير لبلاده. فراحت تنهب وتخرب البلاد وتسحق القيم. لقد أوصلونا إلى مرحلة اليأس ورحنا نتغنى في غربتنا بلامية الطغرائي ، بعد أن ترك العراق الملايين من أبنائه ونزيف الهجرة مستمر :
ما كنت آمل أن يمتد بي زمني حتى أرى دولة الأوغاد والسفلِ
فيم الإقامة في بغداد لا أهلي فيها ولا ناقتي فيها ولا جملي!
لقد أصبحت الحبيبة بغداد نهبا بين أمريكا والرعاع من أهلها وخلفت في قلوبنا، نحن البعيدين عنها، الأنين والحسرة ونحن في غربتنا. أملنا اليوم بالشباب في تحرير( بغدادنا) من أسرها في ثورة (تموزية) جديدة فنعود لها عودة الحبيب لحبيبته. كان الله في عون أهلنا في محنتهم وابتلائهم.
* طريق الشعب العدد 221 - الاربعاء 13/7/ 2011