| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

داود أمين

 

 

 

الخميس 1/7/ 2010

 

الواقع الثقافي في الناصرية

داود أمين

في زيارتي الأخيرة لمدينة الطفولة والصبا والشباب( الناصرية ) وجدت إن من واجبي أن أحاول إضاءة جوانب مشرقة من نشاط مثقفي هذه المدينة، التي إخترع أجداد سكنتها الحرف الأول، وكتبوا أول قصيدة حب، وصنعوا أول آلة موسيقية، ورتلوا فوق زقورتها أعذب الأناشيد وأرقها، ولأني من هذا الوسط الثقافي، الذي لا يزال الكثير من فرسانه يتذوقون معي ملح الصداقة القديمة الذي تذوقناه سوية قبل بضعة عقود، لذلك كان سهلاً علي الوصول لأكثرهم، وعقد محبة نامية ومتجددة مع الجيل الجديد من مبدعي الناصرية، ومن جميع الأختصاصات، وأنا إذ أقدم شكري للمبدعين الذين لبوا دعوتي لحضور هذه اللقاءات الصحفية، والمساهمة في فيض المعلومات والأراء التي طفحت به هذه اللقاءات، أجد العذر لمن لم يستطع الحضور، كما أقدم شكري لرفاقي في المكتب الصحفي في محلية الناصرية، وخاصة الرفيقين باسم صاحب وكريم عبد جبر، فقد صورا اللقاءات وساهما في بعضها .

الحلقة الثانية

مسرحيو الناصرية :

إرثنا المسرحي عريق.. ومستقبلنا واعد ومبهج
ليس صدفة، أن تختار فرقة (فاطمة رشدي وجورج أبيض) المسرحية المصرية، في أواسط عشرينات القرن الماضي، وكذلك فرقة ( يوسف وهبي) في أوائل ثلاثينات ذلك القرن، مدينة الناصرية، لتعرض فيها مسرحياتها، فهذه المدينة عُرفت منذ تأسيسها بالإنفتاح وبإحتضان الفنون والأداب والأفكار الثورية، وبالعصيان والتمرد أيضاً، وقد تأسست في الناصرية منذ عام 1931 فرقة مسرحية رسمية هي ( فرقة السعدون المسرحية )، وفي مدارسها الأولى التي نشأت قبل تأسيس ( الحكم الوطني ) عام 1921، كانت البدايات الجنينية لهذا الوليد، الذي نما وإزدهر ليُخّرِجَ بعد عقود قليلة نخبة من أشهر ممثلي العراق والمشتغلين في مسارحه ، ومن بينهم الفقيد عزيز عبد الصاحب وبهجت الجبوري وطه سالم ووداد سالم وعدنان البراك ومحسن العزاوي وحميد الجمالي وعبد الرزاق سكر وعدنان شلاش وفوزية حسن وسناء عبد الرحمن وعبد المطلب السنيد وصالح البدري ومهدي السماوي وعبد الباري العبودي والعشرات غيرهم، وقد كان لي شرف الإشتغال في هذا الميدان منذ منتصف ستينات القرن الماضي، وأن تكون لي إسهاماتي المسرحية المتواضعة إلى جانب معظم الأسماء التي ذكرتها، لذلك لم يكن غريباً أن يكون واحداً من مقدمة إهتماماتي في زيارتي الأخيرة لمدينتي، أن ألتقي بزملائي القدماء من المسرحيين، وبالجيل الجديد الذي ظهر خلال سنوات غربتي التي طالت، وكان هذا اللقاء الذي إحتضنه مقر محلية الحزب الشيوعي في الناصرية، مع الفنانين ياسر البراك وهو مخرج وناقد مسرحي معروف، زيدان حمود مؤلف ومخرج مسرحي، سعد شهاب مخرج وممثل، زكي عطا مخرج وممثل، عبد الحسين ماهود كاتب ومخرج، عمار سيف صحفي وممثل، علي بصيص ممثل، وكريم عبد ممثل.

قلت لزملائي المسرحيين : أعرف بدرجة مناسبة وضع المسرح في الناصرية، في ستينات وسبعينات القرن الماضي، فقد كنت خلالها واحداً من المساهمين في النشاط المسرحي في المدينة، كما أعرف إلى حد ما تأريخ من سبقني بعقود، فقد تحدث الصديق الفنان عبد الرزاق سكر، في أكثر من مناسبة، عن دور الأستاذ عبد الوهاب البدري وغيره من المعلمين في المسرح، في الأربعينات والخمسينات، ولكن ما أجهله هو فترة الثمانينات وما بعدها، فهل تحدثوني عن المسرح في هذه الفترة ؟
الفنان زيدان حمود قال : هناك كتاب أصدره الكاتب ( صباح محسن كاظم ) وعنوانه ( تأريخ المسرح في الناصرية ) وفيه معلومات ممتازة لما تريده، ولكن يمكن القول بإختصار أن الثمانينات كانت فترة نشاط واسع ومتنوع، إذ تأسست في الناصرية عدة فرق مسرحية من بينها ( فرقة المسرح الفلاحي ) التي قادها الفنان ( محمد حسين عبد الرزاق ) وهي فرقة جوالة تعرض أعمالها في القرى والأرياف، وكان من ممثليها عدنان عبد الصاحب وزيدان حمود ومنذر حمد وعلي بصيص . كما تأسست ( فرقة المسرح العمالي ) وتقدم أعمالها في المعامل والأقضية والنواحي، ومن العاملين فيها علي بصيص وعمار سيف ورائد سيف ورياض سبتي وخديجة صاحب وسلامة محمد. كما كانت هناك ( الفرقة القومية ) التابعة لمؤسسة السينما والمسرح ويديرها الفقيد عدنان عبد الصاحب. وأيضاً ( فرقة التربية للتمثيل ) و( فرقة ذي قار للتمثيل ) وهي تابعة للفرقة القومية، وأذكر إنها قدمت مسرحية ( وقوفاً وطني ) للفقيد مهدي السماوي ليوم واحد فقط، إذ تم منع العرض! وفي عام 1987 تأسست ( فرقة أور للتمثيل ) وشارك فيها زكي عطا وعلي شبيب، وكانت تابعة لمديرية المسارح في وزارة الثقافة، وقدمت هذه الفرقة أعمالاُ جيدة في مهرجانات قطرية.

الفنان سعد شهاب يكمل ما بدأه زميله قائلاً : لقد قدم الفنان ( ياسر البراك ) أعمالاً جريئة جداً خلال تلك الفترة، كما كان الفنان زيدان حمود يستقطع وقتاً من إجازته العسكرية لكي يتمرن على أعمال مسرحية! لقد كنا نأخذ الحرب العراقية الأيرانية كإطار عام لنمرر من خلالها الحديث عن مآسينا وآلامنا الخاصة والكثيرة كشعب.

الفنان علي بصيص يسمي بعض ما قُدم من أعمال فيقول : بين سنتي 1982 و1987 كان المسرح مكرساً للحرب، أو ما سمي وقتها بالمسرح التعبوي، وقد قدمنا في هذا الإطار مسرحيات (رائحة المسك) و( شجرة العائلة ) و( الدوبة ) و( ليلة حب عراقية ) وغيرها .

الفنان ياسر البراك يكمل حديث زملائه فيقول : 85% من الأعمال المسرحية التي قُدمت بين عامي 1980 و1988 كانت أعمالاً تعبوية، أي مكرسة للحرب ودعمها، وكان المؤلف أو المخرج يلجأ أحياناً للتورية ليمرر أفكاره، ولكن هذا لا يعني الخضوع والإنصياع التام لمنطق الحرب الذي ساد، فقد إستطاع الفنان زيدان حمود مثلاً من كتابة وإخراج مسرحية ( أروقة الموت الواحد ) وهي مسرحية ترفض وتدين الحرب.
أما بعد إنتهاء الحرب فقد بدأت مسرحيات رافضة للنظام، ولكن بشكل غير مباشر، بل من خلال الأقنعة الجمالية والعودة للتأريخ والتراث، ويمكن القول إن فترة التسعينات كانت فترة المسرح التجريبي، وأستطيع التأكيد أن 90% من عروض هذه الفترة تندرج ضمن هذا الإطار، وهي في جوهرها أعمال رافضة للنظام، وكان المسرح خلال هذه الفترة متواصلاً وحضور الجمهور دائماً ومنتظماً، رغم الحصار والجوع، وهي صفة ليست مقتصرة على الناصرية فبغداد أيضاً كانت ناشطة في مجال المسرح خلال هذه الفترة .

زيدان حمود يعود مجدداً للكلام فيقول : بعد حرب الكويت أخرج الفنان ( ياسر البراك ) النص العالمي ( قضية ظل حمار ) لدورنمات، وكانت مثل حجر في بركة ماء ساكن، ولا ننسى الإشارة لفرقة ( لكش للتمثيل ) في الشطرة التي أسسها الفنان حسين الهلالي ومن مخرجيها الفنانين طالب الخيون وعلي الشطري، فقد كانت لهذه الفرقة نشاطاتها المسرحية المتميزة أيضاً، ومن المهم الإشارة هنا إلى مساهمة الناصرية في المهرجانات القطرية والعربية ، إذ كان لمدينتنا حصة الأسد في تلك المهرجانات .

ليس لدينا أزمة في النصوص
قلت للزملاء : لننتقل الأن لمصاعبكم كمسرحيين، أين يمكن أن تتجسد؟ هل في ندرة وغياب النصوص؟ أم في قلة عدد الممثلين والممثلات؟ أم في قاعات التمرين والعرض؟ أم في المنتجين؟ أم في الجمهور؟

الفنان عمار سيف يتصدى للإجابة قائلاً : لا أعتقد أن هناك أزمة في توفر النصوص إذ لدينا في الناصريةعدد ممتاز من الكتاب المسرحيين، كان من بينهم الفقيد مهدي السماوي وحسين الهلالي وزيدان حمود وعلي عبد النبي وعباس منعثر ومثنى صبري وخضير الزيدي وحسن عبد الرزاق، وكان الزميل ياسر البراك قد أسس ورشة لتأليف النص المسرحي، وقد تخرج منها الكاتب عمار نعمة جابر، وهي ورشة تنظيرية.

الفنان كريم عبد أضاف : في الناصرية كتاب مسرح تقدم أعمالهم الأن في بلدان عربية كثيرة كالأردن وسوريا والكويت واليمن، ومن بين هؤلاء علي عبد النبي وعباس منعثر وعمار نعمة جابر وحسين عبد الخضر.

الفنان ياسر البراك يتحدث في هذا الإطار قائلاً : هناك إتجاهان في التعامل مع النصوص، أحدهما يركز على النص المحلي، وألأخر على النص العربي والعالمي، ومن بين أصحاب الإتجاه الأول الفقيد مهدي السماوي وحسين الهلالي ومحمد حسين عبد الرزاق وزيدان حمود، وبعض هؤلاء كان يؤلف ويخرج في نفس الوقت، في حين هناك من أخرج أعمالاً عالمية وأعمالاً عربية، وأنا من بين هؤلاء.

الفنان علي بصيص يقول : الفقيد مهدي السماوي كان يُفصّل كتاباته المسرحية على الممثلين الذين يعرفهم، وإذا إنتقلنا من النصوص إلى الممثلين فأنا أعتقد أن هناك أزمة حقيقية في هذا المجال، إذ لا أرى جيلاً جديداً من الممثلين، فالجيل المسرحي ينحسر وليس هناك جيل ظل!

الفنان زيدان حمود لا يتفق كثيراً مع زميله علي إذ يقول : المشكلة ليست في وجود الممثلين، بل في المخرجين الذين لا يتابعون الأجيال الجديدة من الممثلين، بل يعتمدون على تكرار نفس الوجوه في جميع أعمالهم.

الفنان عمار سيف ينظر لمشكلة الممثلين من زاوية أخرى فيقول : الممثلون في الناصرية بعدد أصابع اليدين، وهناك تعامل مادي واضح لدى أغلبيتهم، إذ لا يعمل الكثير منهم دون أن تدفع لهم، كما أن العلاقات الشخصية المتشنجة بين بعضهم تؤثر كثيراً على واقع المسرح، كما تلعب العلاقات دوراً في الإختيارات والمساهمة في هذا العمل المسرحي أو ذاك، هناك جو من الريبة والشك يسمم الأجواء الفنية وعلينا جميعاً أن نحاول التخلص منه.

الفنان سعد شهاب يحاول تفسير آراء زميله عمار قائلاً : إسقاطات الوضع الإقتصادي الصعب الذي عشناه جميعاً سنوات الحصار، إنعكست دون ريب على المسرحيين الذين يحتاجون وعوائلهم للمادة، وربما لا تزال آثار ذلك الظرف مستمرة حتى الأن، كما أعتقد أن الممثل الناشيء يحتاج لدعم مادي لتشجيعه وشده للمسرح، أما بالنسبة للممثلات وهن عموماً قليلات بسبب الظروف الإجتماعية التي يدركها الجميع، فهن يشترطن، عند موافقتهن على العمل، الذهاب والإياب بالتاكسي، وأن يكون هناك عقد واضح قبل العمل، وأيضاً أن يحصلن على مصرف يومي!

الفنان ياسر البراك يتناول جانباً موضوعياً في قلة الممثلين فيقول : في السبعينات والثمانينات كان معهد وأكاديمية الفنون الجميلة يضخان العشرات من الخريجين للمدينة، ولكن هذا الأمر توقف بسبب الظروف الإقتصادية أيام الحصار في التسعينات، كما أن النشاط المدرسي تلكأ في أداء دوره، فلم تعد هناك أجيال جديدة للمسرح، أما موضوع الممثلات فلنكن صريحين في السبب الرئيسي لإنحسارهن، إذ تعرضن لبعض المضايقات والتحرش من قبل زملاء في العمل مما أبعد الكثيرات!

المشكلة في ندرة قاعات التمرين والعرض !
قلت : وماذا عن قاعات التمرين والعرض هل هي متوفرة ؟

الفنان سعد شهاب أجاب : قاعات التمرين والعرض المسرحي مفقودة في الناصرية، بإستثناء قاعة مقر الحزب الشيوعي التي نستعيرها للتمرين، أما العرض ففي قاعة النشاط المدرسي، وهي قاعة لا تصلح للعرض لصغرها وصغر مسرحها وإفتقاره لكل متطلبات المسرح الحقيقي، ومن المهم الإشارة إلى أن معظم مدارس الناصرية فيها قاعات ومسارح، ولكنها حولت لقاعات رياضية ولمخازن، بل إن بعض المدارس رفعت المسرح من قاعاتها!

الفنان عمار سيف يؤكد كلام زميله قائلاً : معظم القاعات في المدارس ألغت المسرح من مهامها، عدا قاعة مقر الحزب الشيوعي فهي مفتوحة لنا في كل حين.

الفنان كريم عبد يؤيد ذلك قائلاً : المدارس الجديدة التي تبنى الأن هي أصلاً بدون قاعات، وكأنما هناك موقف مسبق ضد المسرح.

الفنان ياسر البراك يفصّل هذا الموضوع قائلاً : لا وجود لمسرح نظامي في مدينة الناصرية، وأقصد بالمسرح النظامي ذاك الذي تتوفر فيه مقومات العرض المتكامل، هناك الكثير من القاعات المسرحية في الناصرية وغالبيتها تابعة لمديرية التربية في المحافظة، ولكن العقلية المتخلفة التي تتحكم في القرار هي من يقف خلف تعطيل إستخدام هذه القاعات للتمرين والعرض المسرحي، لقد إستحوذت النقابات والأحزاب على القاعات، والحزب الشيوعي العراقي هو الوحيد الذي يفتح قاعة مقره للمسرحيين جميعاً ومن كل الإتجاهات.

الفنان عبد الحسين ماهود أضاف حول نفس الموضوع قائلاً : البهو وقاعته الممتازة تابعان لبلدية الناصرية، وهما محتكران من قبلها، أما المركز الثقافي في الناصرية والذي تبرعت به إيطاليا للمدينة ومثقفيها، فهو تابع للمحافظة ولإدارتها المحلية، وهكذا حُرمنا نحن المثقفين والمبدعين من أي قاعة خاصة لنشاطاتنا! كما إن بناء المسارح وتصميمها غير خاضع للشروط الفنية، بل هو إجتهاد خاص بالمقاولين وما يريدون تحقيقه من أرباح.

منظمات المجتمع المدني هي المنتج الرئيسي للمسرح الأن
قلت : لننتقل للمنتجين، في الستينات والسبعينات أذكر أن مديرية التربية بل وبعض إدارات المدارس الأبتدائية أو الثانوية وبعض النقابات، هي من كانت تقف وراء إنتاجنا لمعظم المسرحيات التي قدمناها في تلك الفترة، وسؤالي من ينتج الأعمال المسرحية الأن؟

الفنان زكي عطا ينبري للإجابة قائلاً : مديرية التربية لديها ميزانية خاصة للأنشطة والمهرجانات، ولكن حصة المسرح في هذه الميزانية ضعيفة جداً، كما إن غياب الفرق المسرحية الرسمية، أي التابعة للدولة حرمنا من إمكانية الدعم المادي للإعمال المسرحية، لذلك أطالب من هذا المنبر أن تعود ( فرقة ذي قار للتمثيل ) والتي كانت تابعة لمؤسسة السينما والمسرح لتؤسس من جديد ، أما من ينتج الأن فهي منظمات المجتمع المدني، وهذه المنظمات لكل منها سياسته وأهدافه وشروطه أيضاً، وهي تُملي على الفنان رؤيتها ووجهات نظرها! هناك أيضاً ( هيئة الإستثمار ) التابعة للدولة ولهذه الجهة أيضاً أجندتها الخاصة، فهي مثلاً تطلب أن نتحدث في أعمالنا المسرحية، عن دور الحكومة وإنجازاتها وعن موضوعات تتعلق بالديمقراطية والتعددية، ولكن وفق وجه نظرها .

الفنان كريم عبد يقول : الظروف الإقتصادية والسياسية التي عاشها ويعيشها العراق، ألقت بظلالها على جميع الناس وبينهم المسرحيين، لذلك لم يعد غريباً أن نشهد منظمات المجتمع المدني، وهي تزج بنفسها في موضوع المسرح، فهناك ربح مادي للعاملين والمسؤولين عن هذه المنظمات، وأيضاً للمخرجين المسرحيين الذين يُخرجون لها، لذلك كانت معظم الأعمال المسرحية التي أنتجت عبر هذا الطريق ضعيفة بل هابطة. الغريب إنه ليس هناك جهة رسمية ما ترعى المسرح، في حين في الكويت مثلاً نجد أن كل وزارة تتبنى فرقة مسرحية.

الفنان سعد شهاب يعود للكلام قائلاً : هناك ميزانيات من الدولة خصصت للثقافة، ولكن المؤسف أنها تتسرب لأمور لا علاقة لها بالثقافة، أقول لك بصراحة لو يخصص بهو البلدية للمسرحيين ونشاطاتهم فلن نحتاج لأي منتج وسنعتمد على أنفسنا وعلى ريع نشاطاتنا، معظمنا الأن وبسبب الهاجس الفني الذي يسكننا نعمل مجاناً.

الفنان عمار سيف يشير لتجربة في هذا المجال فيقول : في ( جماعة الناصرية للتمثيل ) كنا، نحن أعضاء الفرقة، ندفع بدل إشتراك شهري من أجل تغطية إحتياجاتنا، وكنا نحسم أيضاً 10% من ثمن الهدايا والجوائز التي تحصل عليها الفرقة، لصندوق دعم المسرح.

الفنان زكي عطا يورد مثلاً على إهمال المسؤولين للمسرح والثقافة فيقول : السيد عادل عبد المهدي، في زيارته للناصرية قبل الأنتخابات، ومن أجل الترويج لنفسه، أهدى نادي الناصرية الرياضي مبلغ 50 مليون دينار، ولكنه لم يتذكر المسرحيين أو المثقفين عموماً، وأيام وزارة السيد الجعفري تم تجميد أموال نقابة الفنانين، مما جعلنا ندفع من جيوبنا من أجل أن تستمر نقابتنا ونشاطنا.

الفنان عبد الحسين ماهود يضيف : أنا منتج لأعمالي ومن جيبي الخاص، وما يدفعني هو هاجسي الفني، لذلك أنا لا أعول على منظمات المجتمع المدني ولا أتحمس للعمل معها.

الفنان ياسر البراك يختتم هذا المحور بالقول : لقد إتفقنا مع مجلس المحافظة بأن يتم تخصيص 1% من ميزانية المحافظة للثقافة، وسيقر هذا الأتفاق في المستقبل، وسنتابعه مع مجلس المحافظة.
 
جمهور المسرح مقتصر على النخبة
لننتقل للجمهور - قلت للحاضرين - كيف هو الأن؟ وهل لا زال المسرح يشد الناس كما كان في السابق ؟

الفنان عبد الحسين ماهود يجيب : لنعترف إن جمهورنا المسرحي هو من النخبة، ففي المحافظات، والناصرية من بينها، ليس هناك نجم يشد الناس ويجذبهم لمتابعته كما هو الحال في العاصمة مثلاً، كما إن الجمهور الواسع تحتاج عملية إعداده وتدريبه على حضور المسرح لإعلان وإعلام، وتحتاج أيضاً إلى مسرح غني بالديكورات والإنارة والأزياء وكل ما يشده ويجذبه، لذلك أقول بصراحة أن هناك قطيعة بيننا وبين هذا الجمهور العام.

الفنان عمار سيف يخالف زميله ويقول : أنا لا أتفق مع ما يقوله زميلي عبد الحسين، ففي مسرحية ( حرب الفلافل ) مثلاً إمتلأت القاعة بجمهور متنوع، وكذلك حدث الشيء نفسه مع أعمال مسرحية أخرى، أعتقد أن المشكلة في جذب الجمهور، تقع على عاتقنا كفنانين، بمعنى إن علينا أن نجد الوسائل الفنية المناسبة للوصول للناس .

الفنان زكي عطا يربط الجمهور بالقاعات فيقول : إن جزءاً من ضعف علاقاتنا بالجمهور، هو بسبب إفتقارنا لقاعة عرض مناسبة وثابتة، حيث يستطيع الجمهور أن يتعود على متابعة أعمالنا فيها، الناس بحاجة للمتعة الفكرية وتلمس الجمال وتذوقه، ولذلك أقترح بل وأطالب أن يتحول بهو البلدية لجهة ترعى الفن، ليكون في مقدورنا إستخدامه لنشاطاتنا.

الفنان ياسر البراك يسبب حالة القطيعة مع الجمهور الواسع حينما يقول : أعتقد أن هناك ثلاثة اسباب أو عوامل لضعف صلتنا بالجمهور وهذه الأسباب تتلخص في :
1 - تنقصنا سعة الأنتاج المسرحي وديمومته، وهذه من أبرز العوامل التي تعوّد الجمهور وتدربه على حضور المسرح، نحن أحياناً نقدم ثلاث مسرحيات في شهر واحد، في حين لا نقدم أي مسرحية خلال ستة أشهر .
2 - يجب أن نعيد النظر في الأليات التي تعودنا عليها سابقاً لنصل الى الجمهور، يجب أن نذهب نحن إلى الجمهور في أماكنه وتحشداته، ولا ننتظر فقط أن يأتي هو الينا، لقد كانت لي تجربة شخصية في تقديم عمل مسرحي داخل مسجد، وقد نجحت التجربة، وحضر جمهور واسع.
3 - نحن نفتقر لدراسة حقيقية لقياس الرأي، ومعرفة ماذا يريد الجمهور؟ هل يرغب في أعمال عالمية أم فنتازيا أم كوميديا .. الخ. لذلك أؤكد قول زميلي عبد الحسين في أننا نقدم مسرحاً للنخبة.

الفنان سعد شهاب يعود للكلام من جديد فيقول : أؤكد ماقاله زملائي، فجمهور مسرحنا هو من النخبة، وأضيف إن مشهدنا الثقافي لا يزال أسير الماضي، إذ لا زال الفنان يتوجس، في حين إن علينا أن نتحدث بالمكشوف ، علينا أن نقدم أعمالاً تنزل من أبراجها العاجية لتتلمس مشاكل الناس وآلامهم ومعاناتهم، نحن لم نقدم عمل فرجة، كوميديا سوداء، لماذا لا نفكر أن نقدم أعمالاً كوميدية هادفة؟

المؤسسات النقابية والرسمية بيد الأحزاب الحاكمة
لننتقل لعلاقاتكم بالمؤسسات الرسمية كالنشاط المدرسي وإدارات المدارس، وأيضاً بالمؤسسات غير الرسمية كالنقابات والجمعيات والروابط، كيف هي صلتكم بهذه المؤسسات؟

الفنان ياسر البراك ينفرد بالإجابة عن سؤالي قائلاً : بإختصار أقول لك بأن مديرية التربية في المحافظة بيد حزب الدعوة، وكذلك نقابة المعلمين، وهذا يعني أن ما يريده الحزب هو في المقدمة، فهل يمكن أن يُدعم المسرح؟! في لقاء لنا مع مسؤولي المحافظة طرحنا فكرة تأسيس ( معهد فنون جميلة ) لتخريج جيل من المسرحيين والفنانين الجدد، فكان رد أحد المسؤولين { لا أريد أن أسنَّ سِنَّة سيئة !!!}

الحكومة المحلية غير واعية بأهمية المسرح لذلك لا ننتظر دعمها
قلت للزملاء: وماذا عن المؤسسات القطرية كوزارة الثقافة ونقابة الفنانين ؟

الفنان زكي عطا إكتفى بجملة واحدة إذ قال : دور وزارة الثقافة هامشي.

ويكمل الفنان ياسر قول زميله فيقول: كل البيوت الثقافية في العراق يقودها حزب واحد هو حزب الفضيلة، لأن مدير عام العلاقات الثقافية في الوزارة ( عقيل المندلاوي ) هو من هذا الحزب، أما دائرة السينما والمسرح فهي ضيعة خاصة للبعض، هناك دائماً عمل واحد لفنان واحد يمثل العراق في عدة مهرجانات عربية ودولية.

وماذا عن الإعلام في المحافظة هل أنصفكم أم خذلكم هو أيضاً ؟

الفنان عبد الحسين ماهود يجيب: المتابعة الأعلامية جيدة، ولكن ما نحتاجه هو التقييم النقدي الموضوعي، الذي يهيء لنا الطريق.

الفنان سعد شهاب قال : الإعلام عموماً منصف، وقد تابع بجدية كل أعمالنا ونشاطاتنا المسرحية والثقافية، خصوصاً قناة الفيحاء الفضائية.

الفنان ياسر البراك قال : على ذكر النقد الذي أشار له الزميل عبد الحسين، أود أن أذكر أنه كانت هناك مجلة ( المشهد ) وهي خاصة بالمسرح، وقد صدرت عام 2000، كما كانت هناك( رابطة نقاد المسرح في الناصرية ) ولدينا 9 زملاء يكتبون الأن في النقد المسرحي، بمعنى إن في المدينة حركة نقدية حقيقية.


مسرحنا في الناصرية وقف بوضوح ضد الإحتلال
أنتقل بكم إلى آخر محاوري في هذا اللقاء الهام واسأل : لقد رحلت الدكتاتورية وتغير الواقع السياسي والإقتصادي تغيراً جذرياً، ما هي إنعكاسات ذلك التغير الجوهري على أعمالكم ؟

الفنان عبد الحسين ماهود يقول :ليس هناك نص مسرحي عبّر بشكل واضح عن جوهر التغيير، أنا مثلاً كنت أكتب دون أن أحس بهاجس الشرطي داخلي، وفي زمن النظام السابق أصدرت أربعة كتب، وأخرجت أيضاً، ألأن أنا أيضاً أكتب نصوصاً جريئة ولكن المخرجين يتخوفون من إخراجها.

الفنان ياسر البراك يقول : لا زال المسرحي غير مستوعب للتغيير الذي حصل، والسبب في رأيي هو إننا كنا في نظام شمولي وسقط بإرادة الإحتلال، فالمسرحي هنا يعيش إزدواجية، هل هو مع أو ضد الإحتلال؟ لذلك يمكن القول أن المسرحي حذر وهو يتحرك في هذه المساحة، استطيع أن أؤكد لك إن كل ما قدم عن هذه الموضوعة كان سطحياً وغير عميق، ومن يتابع العروض المسرحية التي تمثل العراق وتقدم خارجه يلحظ أنها تدين الإحتلال، ولكن عروض الداخل لا تدين! ولكننا في الناصرية تحدثنا بوضوح ضد الإحتلال، في عدة أعمال مسرحية من بينها مسرحية ( طيور لا تحب الأوسمة ).

ويكمل الزميل ياسر قائلاً : أما عن هيمنة الظاهرة الدينية في واقعنا السياسي الأن، فأرى إنها أفادتنا في الحديث عما كان مسكوتاً عنه أيام النظام السابق، فنحن الأن نستطيع أن نقدم شخصية الحسين على المسرح، نعم لقد حدت هذه الظاهرة من حرية التعبير في مدن معينة، كما في البصرة مثلاً، ولكنها لم تؤثر كثيراً في الناصرية، فهنا قدمنا أعمالاً مسرحية عالمية وجادة وكوميدية وللأطفال أيضاً، ويمكن القول بثقة أن الوضع في الناصرية أخف وطأة من مناطق ومحافظات أخرى .

 

 

free web counter