الجمعة 25/9/ 2009
مهرجان اللومانتيه... عيد يتجدد وآمال تزدهرداود أمين ـ باريس
باريس من جديد، باريس الفاتنة اللعوب التي لا أملُّ عشقها، والتي أحاول إيجاد تفسيرلهذا السحر الغامض الذي يشدني اليها من بين عشرات المدن التي زرتها، هل هو في الحنين لهذا الشباب، الذي غادرني منذ زمن، والطاغي على ملامح معظم سكانها؟ أم هو في ألوان الناس المختلفة وغرابة وتنوع أزيائهم؟ أم هو في الرتابة المفقودة هنا، وفي طعم الهدوء المشروخ؟ فباريس تكسِّر رتابة العقدين الأخيرين من عمري، وتهشم سيادة اللون الأشقر ومنظر المتقاعدين والعجائز الذي يسكن رأسي! باريس ربما هي أيضاً حنين لسارتر والبير كامو وأراغون ورامبو وفكتور هيجو، وهوس تلك القراءات المُثابرة، وجيلي الستيني الذي غاب ويغيب معظم فرسانه الآن ؟ باريس هي أيضاً، بل ربما قبل كل شيء هي اللومانتيه، فمن خلال مهرجانها تصادقنا، وفي أيام عيدها إرتبطت بها، وهي ذكريات أولى الرحلات للمشاركة في المهرجان، حيث الصكار وحسين كركوش وعدنان محسن وصلاح الحمداني وطه رشيد وصلاح جياد و( لصوصها الشطار! ) الذين تعمدوا أن يبقوا لصديقي (طالب غالي) عوده فقط ليعزف عليه لحن الضياع!
ورغم إنني عشت هذه المرة على حافة باريس، في حزامها الكادح، وفي ضاحية فقيرة من ضواحيها، ولم أزر أي معلم من معالمها المعروفة، فقد كنت طوال أيام رحلتي هذه (من الفندق للمهرجان ومن المهرجان للفندق) ولكني كنت أحس بأنفاس باريس، وفي المهرجان أُختصرت هي وفرنسا بل والعالم بأجمعه في مئات الخيم التي ملآت مساحة الكيلومترات المؤطرة لفعاليات المهرجان.
صبيحة الجمعة، الحادي عشر من سبتمبر( يا لبؤس المصادفة ) كانت أول أيام المهرجان، سيارة العزيز طه رشيد، وقفت أمام الفندق، فبيته ضمن نفس الحزام الكادح الذي إخترنا فندقنا فيه، كان عليه أن ينقل الزميلين السينمائيين اللذين يسكنان معنا في نفس الفندق، قتيبة الجنابي وليث عبد الأمير، فهما ضيفا المهرجان وعليهما مهمة إخراج فلم سينمائي عنه، وهكذا إنحشرنا أنا وأخي سمير مع الزميلين وأجهزة التصوير والكاميرات في تاكسي العزيز طه، الذي جاهد كثيراً كي يجد ( موقع تاير ) لسيارته حين وصلنا الى مكان المهرجان.
تنظيم أفضل وحضور أكثر تنوعاً وشباباً
الساعة كانت قد تجاوزت الحادية عشر صباحاً عندما دخلنا محيط المهرجان، من الخارج كانت خيمة ( طريق الشعب ) تبدو مغلقة، لكن الحركة داخلها كانت واضحة ومحسوسة، تسللنا من أحد ألأسيجة الخارجية للخيمة لنواجه بالرفيقتين المثابرتين( أم فرح وسعاد ) وهما تنحران رؤوس البصل والطماطة إستعداداً لزلاطة قادمة، أما داخل الخيمة فكانت خلية نحل حقيقية، فالسلالم منصوبة و(خالد) يرتفع فوق أحدها محاولاً تثبيت اللافتة الكبيرة لطريق الشعب،( والقادمة من الوطن هذه المرة) وباللغات العربية والإنكليزية والفرنسية، في حين يعاونه ( أبو نور وصباح وآخرين ) في شد الحبال من الجانبين. تستقر اللافتة في عمق الخيمة وتحتها تحتل اللوحة الفنية الرائعة للفنان (صلاح جياد) موقعها الأثير في خلفية المسرح، لوحة تشكيلية لصبية لا تُخطأ العين عراقية ملامحها، صبية في نظرتها حزن وآمل وهي تحمل باقة ورد تلتحم بكلمتي ( طريق الشعب ) وكأنما تريد أن تقول إن آملنا فيكم ومستقبلنا مرهون بنجاحاتكم.
العناق والقبلات تتصاعد مع كل قادم جديد، فمعظم القادمين هم من مدمني هذا المهرجان، ومن رواده الدائمين، إنهم يفدون من مدن فرنسا المختلفة ومن الدانمارك والسويد وبريطانيا وهولندا وألمانيا والجيك وأمريكا وفنلندا وبلجيكا وبولونيا وغيرها، العمل يتوزع دون تخطيط مسبق، فالمبادرات هي سيدة الموقف، وقوة العمل (الفائضة هذه السنة) مجندة لسد الثغرات وإكمال أي نقص يظهر، المناقل تمتلأ بالفحم، والطاوات الكبيرة تُغمر بالزيت الذي بدأت قناني الغاز تشتعل تحته، خبطة الكباب والفلافل ينبري لها المتخصصون لتخرج من بين أكفهم زاهية بعطرها الذي يجتذب الجائعين، ومع الساعات التي تمضي تبدأ ملامح الخيمة في الظهور زاهية ومنظمة أكثر من أية مرة سابقة، مسرح واسع في الوسط، ينتهي بلوحة صلاح جياد الرائعة، وفوقها ترتفع لافتة طريق الشعب عملاقة موحية، على جدار يمين الخيمة معرض فوتغرافي للفنان ( ناصر العساف ) يضم 12 لوحة فنية تشي بجوانب دالة على ما يعانيه الوطن ونسائه وأطفاله، بل وتراثه وأثاره أيضاً! في اليسار كانت عشرات البوسترات ومنشورات الحزب ووثائقه وصحفه وباللغات الفرنسية والعربية والإنكليزية، تصطف على طاولة كبيرة لتكون في متناول الزائرين، وحول الخيمة تتجاور الكراسي لجلوس المتعبين والزوار و( المتفرجين ! ) قواري الصيني الخاصة بالشاي تصطف الى جوار الفحم المتوجر، وإنفلونزا الخنازير حرمتنا هذه المرة من إستكانات الشاي المذهبة، فقد أستعيض عنها بأكواب بلاستيكية صغيرة تستخدم لمرة واحدة، وقد حولت هذه الأكواب الشاي اللذيذ الى (مدري شني !).
الرفيق (أبو نور) يحتل نفس زاويته المعهودة في كل عام، أمامه جهاز الكومبيوتر والسيديات وأجهزة الصوت وشبكة الوايرات الموصلة بالسماعات، الفنانتان (شروق وسفانة حلوائي) يتحاورن مع أبي نور، ويبدو إن ألأجهزة الصوتية غير جاهزة تماماً لفقرتهن الفنية القادمة، يتدخل المجتهدون لإصلاح العطل فيزداد ألأمر سوءاً، فالوشوشة في اجهزة الصوت أكثر من واضحة، وهكذا نُحرم هذا اليوم من أصوات شروق وسفانة الجميلة، ومن جهدهن القادم من الدانمارك والمُتهيء منذ أشهر للعطاء والتقديم.
الرفيق ماجد فيادي ( المطلوب من ألمانيا بالإسم لكي يساهم في المهرجان ) جلب زوجته الحامل معه للخيمة وراح يعمل بهمة 10 شباب، فمرة يصنع الفلافل وينزلها في الزيت الفائر، ثم يصيدها بشبكته عندما تطفو ناضجة، ومرة يلف السندويشات ملبياً طلبات المشترين، ولأنه عرّيس جديد فقد كانت عروسه، رغم حملها، الصق به من ظله، فهي تعاونه في إصطياد الناضج من الفلافل، وتشجعه على الوقوف والمثابرة، الرفيقة (شادمان) المحتفلة بعيد زواجها العاشر مع الرفيق (يوسف أبو الفوز) تقلب الأشياش أمام منقلة الكباب، مُراقبة درجة النضج ومستوى تحول الألوان في اللحم النازف لبعض دهونه، في حين تلف الرفيقة (سعاد) ما ينضج من أشياش، مكحلة السندويشات التي تصنعها باللبن والزلاطة، الزميلة ( راهبة الخميسي ) تأخذ مكانها كما في كل عام، منكبة على تشييش مئات اسياخ من الكباب، معاتبة، وهي محقة في عتبها، أنني لم أتذكرها في كتاباتي السابقة.
الرفيقة سعدية، ورغم وضعها الصحي الصعب وإستعانتها بعكازة، إلا أنها تشارك قادمة من لندن ، مصطحبة شقيقتها ليلى المقيمة في السويد، ( سعد الموسوي ) القادم من هولندا يأخذ العمل عن شادمان ويتسلم منقلة الكباب، السيديات تنوب عن الغناء الحي، ورغم إعتراضاتنا السابقة وإنتقاداتنا المتكررة، فلا زالت ( يمه كرصتني العكربة، وأنعل أبو اللي بجاك ) ضيفة خيمتنا الدائمة! (سعاد ونصيرة والطفلة هيلين) ينزلن لساحة الرقص، ويلتحق بهن (الشاب العشريني !) أبو سلام التميمي، ثم إمرأة فرنسية وطفلتها، وعندما تنبري أم سلام لغناء ( الهجع ) تنزل (ساجدة ومنال) بالهاشميات الملونة، جاذبات عشرات المشاهدين لأدائهن الجميل، الشابة مريم( القادمة مع عائلتها حديثاً من العراق ) تقدم أغاني عراقية تراثية تسعد بها جمهور الحاضرين، فيتحمس الرفيق( أبو هيلين ) للنزول والمساهمة في الرقص الى جانب إبنته، كما يتحمس عدد كبير من الفرنسيين، الذين يبدو من ملامح بعضهم أنهم من أصول أسيوية، للمشاركة في الرقص، في حين يتفرغ الصديق (عبد الرضا ) لصيد الفرنسيين والفرنسيات، حيث يتوجه لمن يتورط منهم بالوقوف والمشاهدة ساحباً إياه لساحة الرقص، مشجعاً إياه على المشاركة! وهكذا إستمر اليوم الأول من المهرجان بتصاعد ونمو وتفاعل وإنسجام حتى أوشكت الساعة أن تدنو من الواحدة ليلاً، حيث أعلن عن توقف البيع رغم الطلب والإزدحام !
السبت هو قمة المهرجان وذروته الطاغية
في اليوم الثاني من المهرجان، فاجئني العزيز( أبو ريتا ) الواصل ليلة أمس من بغداد، في زيارته الأولى لباريس، إذ كان يضع خبطة الفلافل في جهازها الخاص ويمضي مُنعِماً ومُعدِلاً من حواشيها، ثم يزحلقها في الزيت الفائر بإتقان يحسده عليه أفضل المحترفين، تعانقنا بمودة وعاتبته على هذه الزيادة الواضحة في الوزن، فقد التقينا قبل أقل من سنة في بغداد وإتفقنا أن نلتقي في اللومانتية، ولكن بشحوم أقل مما أشهده الأن! مازن وزوجته ريما يتنقلان من عمل لأخر، أما( أبو فرح ) فعندما يفرغ من عمل خبطة الفلافل، أو خبطة الكباب(وهو سيد الخبطتين! ) يبادر لتوزيع الرطب العراقي على جموع الحاضرين، وقد خصني بتينة قال إنه أبقاها لي منذ ليلة أمس، كما خص غيري بأشياء منعتني الصحة من تناولها! (سوسن ) التي إفتقدتها أمس بكرّت هذا اليوم مع زوجها، وإستلمت كما في كل مرة منقلة الشاي، وهي تتلفع بالهاشمي الأخضر الجميل .
الصديق الرسام عدنان الشاطي( صاحب موقع ناصرية نت ) والقادم لآول مرة من أمريكا، بدا مبهوراً وهو يشهد داخل الخيمة أصدقاء الطفولة الذين لم يلتقيهم منذ عقود، كما يلتقي بأشخاص لم يكن يعرف سوى أسمائهم التي تنشر في موقعه الألكتروني، لذلك كان فرحه طاغياً وإستثنائياً، فقد رقص مازجاً في رقصه بين الناصرية والعمارة، وكانت قبعة الكاوبوي التي يلبسها تتدلى وترتفع فوق جبهته وهو يردد ( ولكم آنه وين جنت عن هذا المهرجان.. خايبين آنه كاضيها بامريكا بواجي لوحدي! ) ثم يواصل ردحه المبتكر! ورغم إنه وضع سعراً للبورتريه الذي يرسمه، إلا أن زبائنه كانوا من شغيلة الخيمة، فتناقصت أوراقه وألوانه ولم يدخل جيبه سوى كلمتي( شكراً رفيق! ). أشرطة لأغان خليجية حركت الجو فنزلت نصيرة وأم فرح وسوسن وريما، والغريب إن سعدية هزت موضعياً وهي تشيش الكباب، وعندما بدأت أغنية ( خالة يم علي ) نزلت بشرى بإعتبارها أم علي حقيقية وشاركتها ساجدة وهيلين ومنال وعدنان الشاطي والتميمي وأبو فرح، وعندما ضافت الفسحة الواسعة بأعداد الراقصين صعد نصفهم فوق المسرح، ولأن الرفيق( صباح ) كان منغمراً بالعمل بالفلافل والبيع فقد إستغل نقله للزلاطة ليردح قليلاً، ولم تعقه فوطة العمل التي كانت تتدلى من وسط بنطرونه عن إكمال رقصته!
شروق وسفانة زهرتا خيمتنا لهذا اليوم
أجهزة الصوت التي خذلتنا يوم أمس تساهلت اليوم معنا، وأسعدتنا برحمة صفائها، فاليوم هو السبت وهو أهم أيام المهرجان وأكثرها إزدحاماً وحضوراً، الفنانتان الشقيقتان شروق وسفانة حلوائي القادمتان من كوبنهاكن تجريان آخر إختباراتهما على أجهزة الصوت، وحين تتأكدان أن كل شيء على ما يرام تبدأ معهما رحلة الطرب والفن الحقيقي، فمن كاظم الساهر الى فيروز الى أغاني المجموعة الى عبد الحليم حافظ الى ياطيور الطايرة، التي كانت قمة هذه الجولة الأولى من أغانيهن، وكان تجاوب الجمهور العراقي مع الفنانتين مذهلا واستثنائيا، فقد نزل معظم الحاضرين للرقص، ومن لم يرقص فقد صفق وتطوع ليكون ضمن كورس عفوي يردد مع المرددين، والغريب إن الدموع نزلت من عيون الكثيرين وهم يستمعون لأغنية ياطيور الطايرة! (وأحيل الأمر لعلماء النفس لتفسير هذه الظاهرة ! ) أما الجمهور الفرنسي فالموسيقى لغة عالمية وذائقته العالية للفن أجبرته على التفاعل والمشاركة، فكان العشرات من الزائرين يقفون مبهورين مندهشين لهذا التحليق الواضح في سماء فن يشهدون تأثيره وفعله في أصوات وقسمات وحركات متلقيه.
وفي الجولة الثانية للفنانتين كانت أغاني أم كلثوم وعبد الحليم حافظ، وكانت عندما تنفرد شروق تتراجع سفانة وعندما تنفرد سفانة تتراجع شروق، ثم يلتحم الصوتان في أداء هارموني واحد يعكس الإنسجام والتوافق، وقد شدتا كما هو متوقع جمهور الحاضرين بأغانيهما المختارة بعناية، وبأدائهما الذي ينم عن دراية وإستعداد وجهد حقيقي مبذول.
كما ساهم الفنان سامر عينكاوة القادم من هولندا بعوده الجميل وبأغانيه السياسية التي ذكرتنا بفترة السبعينات وبألحان كمال السيد وكوكب حمزة وحميد البصري وغيرهم، وعندما بدأت ( الجوبية ) غادر الراقصون الخيمة ليدبكوا خارجها، وقد إشترك معهم العديد من الفرنسيات والفرنسيين.
وبينما كان الرقص على أشده كان طابور الواقفين أمام منقلة الكباب وكشك الفلافل ومنقلة الشاي، طويلاً ومبهجاً، وهذا يعني أن مالية الحزب بخير، وكان الشغيلة المتطوعون داخل الخيمة يمنحون قوة عملهم بكرم وسخاء، فقد أبلى الرفيق ( أبو سمير ) القادم من لندن بلاءاً حسناً في تحضير الزلاطة وتشييش الكباب طوال يومي الجمعة والسبت، ولم تقصر زوجته الرفيقة( أم سمير ) كما لم يقصر الرفيق حسين(أبو نيل ) وشقيقته الرفيقة ( أم نصار) والرفيق (عدنان ) وزوجته وشقيقها (سعدي) القادم من الدانمارك، وكذلك بشرى ومنال وأم سلام ورفاه وعبد الرحمن والتميمي وكريم الحلو والشابين الرائعين القادمين من بولونيا خضير ودلزار، إذ كانا يتنقلان من عمل لآخر دون ملل أو شكوى، ورفاق وأصدقاء كثيرون لا أتذكر أسماءهم، وفي هذا اليوم إلتقيت بالعزيزة ( أم علي) زوجة الفقيد المربي ( فريد قاسم نادر ) الذي فقدناه قبل أكثر من سنتين، والذي كان وعائلته علامة من علامات خيمة الحزب في المهرجان، ولم نمسك، أم علي وأنا، دموعنا رغم الجهد الذي بذلناه، فالفقيد درسني في المتوسطة ودار المعلمين، وهذه العائلة التربوية العريقة أعرفها منذ عام 1953 عندما كان عميدها ( قاسم أفندي ) مديراً لمدرستي الإبتدائية.
الشاعر سامي عبد المنعم القادم من ألمانيا، تسمر على كرسيه طوال أيام المهرجان، وحين كنت أحثه على العمل كان يرد قائلاً ( ماجد فيادي عدال عشرة، وهو يمثلنه إحنه جماعة المانيا ) وعندما أحاصره بإلحاحي، يبادر لتناول لفة ( الكلينكس ) ويقوم بتقطيعها وإرسالها بيد كامل الشطري لكشك الفلافل والكباب، كان يجلس وقد أحاط به أبناء ناصريته، الذين كان عددهم هذه المرة يفوق نصف الحاضرين، وقد حمدت الله إن الدكتور العزيز كاظم حبيب ليس موجوداً في هذا المهرجان ليحصي أعدادهم كما فعل في مهرجان برلين !خلفية الخيمة لم تكن مكاناً لإعداد الزلاطة ومخزناً لموادها فقط، بل تحولت لورشة لقاءات سياسية وصحفية، فممثل قيادة الحزب القادم من الوطن، الرفيق فيصل الصراف إلتقى بالعديد من وفود الأحزاب الشيوعية كالفرنسي والسوداني وتودة وغيره، كما عقد ممثلو مكتب إعلام الخارج، الذين حضر أربعة منهم المهرجان هذه السنة، عقدوا العديد من اللقاءات الصحفية مع أحزاب شقيقة ومع شغيلة الخيمة وفنانيها وضيوفها، وكان السينمائيان قتيبة الجنابي وليث عبد الأمير يلاحقان بكامراتهم نشاطات الخيمة وما يقدم داخلها ، بل إن جهدهم تعدى حدود الخيمة لنشاطات المهرجان وفعالياته الرئيسية وجهد الأحزاب الشقيقة.
آخر أيام عيد الفرح
رغم إن يوم الأحد هو آخر أيام المهرجان، وعادة ما يكون الإزدحام خفيفاً فيه، إلا أن هذا الأحد كان مزدحماً وضاجاً كسابقه، كان عشرات ألوف الشبيبة من الجنسين يملأون شوارع ودروب وخيم المهرجان يرقصون ويغنون ويشربون ويأكلون، كما كان عشرات الألوف من الشباب ينامون في خيم فردية وزوجية في العراء وفي محيط المهرجان وطوال لياليه الثلاث، فالمتعة في المهرجان لا تعوض، وكل ما يحتاجه الأنسان من طعام وشراب وآمان متوفر ويسير، كانت البضائع المختلفة معروضة بسخاء وأسعارها تهبط عادة آخر أيام المهرجان، لذلك كان العرض والطلب على أشده، أما خيمة طريق الشعب فقد مارست نفس طقسها لليومين السابقين، فعدى السيديات التي كانت تضج بالأغاني العراقية والعربية الراقصة، فقد غنت الشابة مريم أغاني عراقية معروفة، كما دبك العديد من الشابات والشبان على ألحان كردية، ورقص الفنان صلاح جياد، كما في ألأمس، مع نفس الطفلة، رقصات خفيفة وهادئة، أما شغيلة الزلاطة والفلافل والكباب فقد تجددوا بأخرين، كانت الساعات تمضي ومعها تقترب لحظات الوداع، وهي أشد اللحظات ألماً ومرارة، فهذه الأيام الثلاثة جددت في المساهمين القوة والصداقة والروح الرفاقية المتسمة بالعطاء ونكران الذات، لقد كانت الكاميرات في أيادي الجميع تثبت هذه اللحظات السعيدة، وتحاول إيقاف الزمن على صورة أيام المهرجان، العناق وملامح دموع خجلة بدأت تلوح على البعض بعد إنتصاف النهار فمواعيد الطائرات والقطارات كانت كفيلة بنحر فرحنا المؤقت، وكان علي بعد الخامسة أن أغادر فطائرتي في صباح الغد وعلي أن أبكر في الإستعداد ، وهكذا كانت لحظات وداعي، كبقية المودعين، مؤلمة وقاسية وقد إختصرتها لكي لا يشملني مزيد من الحزن، على أمل أن نلتقي في العام القادم وفي نفس الخيمة!
لقاءات ومقترحات وآراء
في اليوم الثاني والثالث من أيام المهرجان، فكرت أن أنتقي بعض ضيوفه والمساهمين فيه، لكي أسمع أراءهم فيه وفي خيمة الحزب داخله، وكانت الحصيلة هذه اللقاءات السريعة ولكن ذات الأفكار الهامة، والمقترحات المفيدة، الفنان عدنان الشاطي القادم من أمريكا والمشارك لأول مرة في المهرجان، سألته عن إنطباعاته فقال : خيمة طريق الشعب هي نموذج مصغر عن الوطن، فالذين التقيتهم هنا في الخيمة هم شهادة على عراقيتها، فهم من كل القوميات والأديان والمذاهب والطوائف والمناطق، لقد أحسست أنني أنتمي للجميع رغم إنني لا أعرف معظم الموجودين، لقد شعرت هنا إنني قريب من الوطن، فأنا في أمريكا أفتقد لعلاقات وحياة كهذه، فهذه اللمة العراقية وهذه الأغاني العراقية الحية وليست في الأشرطة التي أسمعها هناك، لقد منحتني طاقة وحماساً جديداً، أما عن نشاطات الخيمة فتحتاج لتوزيع مسبق للمسؤوليات ولا يتم الإعتماد على المبادرات، وأن لا يقتصر الجهد الرئيسي على فعالية الأكل وبيعه، تحتاج الخيمة لأن تعكس صورة أفضل عن الوطن، وأن تنظم عملية الدخول والخروج من الخيمة بإنسيابية، وأن توضع المنشورات في مكان أفضل وأمام الخيمة لكي يتسنى إقتناؤها بسهولة من قبل الزائرين.
الرفيق عبد الرحمن دارا سليمان قال إنه يشارك في المهرجان منذ 21 عاماً، فهو يعيش هنا في فرنسا، ويرى إن عدد العراقيين الذين كانوا يساهمون فيه من فرنسا فقط يزيد على الثلاثين فرداً، وهو يرى قلة منهم الأن، في حين جرى تعويضهم بالرفاق الأنصار وغير الأنصار من بلدان أوربا القريبة، وهو مرتاح لهذا التطور إذ يلتقي بالعديد من رفاقه وأصدقائه القدماء، كما إنه مسرور لكبر حجم الخيمة ولتنوع نشاطاتها، ولوجود العنصر الشبابي بهذه الكثافة، خصوصاً من الجيل الثاني من أبنائنا، كما أشاد بما قدمته الفنانتان شروق وسفانة، إذ كانتا عنصر جذب ورقي للخيمة، وإقترح أن يجري إهتمام أكبر بالثقافة المحلية، أي العراقية فقط، وأن يخصص يوم للتعارف بين الموجودين وبشكل رسمي، وأن لا يُترك الأمر للصدفة.
خضير الأندلسي القادم من بولونيا والذي يشارك للمرة الثانية في المهرجان قال: إن خيمة طريق الشعب هذا العام أفضل من حيث التنظيم ونسبة المشاركين من العام الماضي، والملاحظ إن عدد الشباب مرتفع هذه السنة داخل الخيمة وهو أمر يسعدنا، كما إن المعارض الفنية جيدة وعكست جزءاً من معاناة شعبنا، ولكن ينقص خيمتنا معرض للكتاب، وأضاف إنه مستعد لإصطحاب 15 شاباً وشابة عراقية معه من بولونيا لو تحل أجور سفرهم !
الشاب دلزار بحزاني القادم مع زميله خضير من بولونيا والذي يساهم لأول مرة في المهرجان قال إنه سعيد جداً فما يراه في المهرجان هو إنتصار لليسار بعكس ما يشاع عن إنحساره وتراجعه، وقد أسعدته النسبة الطاغية للشباب في المهرجان، أما عن خيمة طريق الشعب فكانت رائعة وقد تجمعنا داخلها كعراقيين من كافة القوميات، ويقترح إيلاء إهتمام أكبر بالجانب الفني وتنوعه وأن يكون هناك معرض للكتاب .
السيد غانم فرنسيس وهو خبير في الزيوت النباتية ولاجيء جديد في فرنسا قال إنه تعرف على رفاقنا قبل أشهر قليلة من خلال ندوة فكرية حضرها في إحدى قاعات باريس، ولأن إبنته الشابة ( مريم ) تعزف وتغني فقد تشجع للمساهمة في المهرجان، وقد عبر عن فرحته بهذه اللمة العراقية وهذا التضامن والحب الذي يوحد المشاركين وكأنهم يعرفون بعضهم منذ زمن، وتمنى أن تضم الخيمة في السنوات القادمة عدداً أكبر من العراقيين وبغض النظر عن إنتماءاتهم وميولهم.
الفنانة شروق قالت إن المشاركين هذه السنة كانوا أكثر من السنة السابقة، كما إن عدد المبادرات الفنية كان أكثر وأفضل، فقد ساهم الزميل سامر عينكاوة والشابة مريم وام سلام وغيرهم، وعن مشاعرها وهي ترى هذا التجاوب من الجمهور عندما كانت وسفانة تقدمان فقراتهما قالت شروق : لقد أمسكت الدموع بصعوبة قبل أن تفلت من عيني عندما رأيت هذا التجاوب غير المتوقع وهذه الأيدي المرفوعة والأصوات المشاركة والمرددة لكلمات أغانينا. أما عن إستعداداتها المسبقة للمهرجان فقالت : نحن هدفنا في الأساس هو إحياء الغناء العراقي الأصيل والغناء العربي الكلاسيكي لعبد الحليم حافظ وفيروز وأم كلثوم وعبد الوهاب وغيرهم، نحن نطمح لتقديم فن ذي مستوى راقي، وقد سافرت لسوريا في الصيف الماضي وإخترت 17 أغنية من تجديد إلهام المدفعي وكاظم الساهر، وما نقدمه بعيد عن الكلمات المبتذلة وما يشاع الأن، لقد إخترنا ياطيور الطايرة لأنها لحن خالد وأصيل ولم يُغنَ بصوت نسائي، أما عن الخيمة فإقترحت زيادة الكراسي والطاولات.
الفنانة سفانة قالت إن التفاعل الذي رأته من الجمهور هنا لم تره من قبل في أي مكان آخر، والسبب في رأيها يعود لطبيعة الفعالية وقلة رسميتها وهذا الأنسجام والعفوية الذي يلف الحاضرين، كما أضافت بأنها أحست أنها لم تكن تغني لوحدها بل كان الجمهور يشاركها الغناء، خصوصاً في أغنية ياطيور الطايرة التي تعتبرها أغنية للعراق وللناس، وكانت سعادتها كبيرة أنها رأت جمهوراً يقترب بمشاعره وأحاسيسه من إحساسها ومشاعرها، وأكدت سفانة ضرورة أن يجري فحص وإختبار مسبق لأجهزة الصوت، فاللحظات التي عاشتها وهي تنتظر تشغيل الأجهزة كانت محزنة ويفترض أن لا يتكرر ذلك في المستقبل، كما أشادت بجهود من سمتهم بالجنود المجهولين أؤلئك الذين يعملون بصمت ونكران ذات في إعداد الأكل وتفاصيله .