(سيد فرج)
حياة حافلة بالكدح والنضالداود أمين
نهاية الستينات، كنا مجموعة من مثقفي الناصرية، نتوزع بين الشعر والقصة والمسرح والتشكيل، توحدنا أعمارنا المتقاربة، وقربنا من اليسار العراقي، وتجمعنا البطالة ومحدودية موارد عوائلنا، لذلك كنا نجد في المقاهي المنتشرة في الناصرية، أمكنتنا الأثيرة، وكان إرتشاف ( إستكان الشاي ) الوحيد، والذي يكلفنا (10 فلوس) يمنحنا فرصة البقاء عدة ساعات، مسترخين فوق مصاطب المقهى، خائضين غمار مختلف الموضوعات البسيطة والشائكة.
(سيد فرج) كان نادل معظم المقاهي التي كنا نرتادها، وكنا نتتبعه أينما حل، فهو رغم عدم إشتغاله المباشر بشؤون الثقافة، فقد كان يسارياً معروفاً، وله من الإطلاع والمعرفة مايؤهله أن يكون واحداً من شلتنا المتجانسة، وأذكر أن مقهى كانت ملاصقة لسينما البطحاء الشتوي، هي ألأكثر وضوحاً في ذاكرتي، من بقية المقاهي التي كان لولبها (سيد فرج)، ففي تلك المقهى الواسعة، كان (سيد فرج) يدور بحرفية متقنة، حاملاً بين أصابعه مجموعة ( إستكانات الشاي )، ملبياً طلبات زبائنه، ومشاركاً إيانا في نتف مما نتحاور فيه! وقد ظل ( سيد فرج ) في ذاكرتي، وأنا في الغربة، مثل كل الأشياء الجميلة، التي أحتفظ بها عن الناصرية، حتى بدأت رسائله تفدني، مثل كثيرين من أبناء المدينة، من (رفحا) في السعودية، بعد مشاركته في إنتفاضة آذار، ضد سلطة صدام حسين، وبعد سقوط النظام، كنت حريصاً أثناء زياراتي الكثيرة للناصرية أن ألتقيه، وفي زيارتي الأخيرة، إقترحت أن أجري معه لقاءاً صحفياً فكانت هذه الحصيلة.
قلت لسيد فرج: الجذور ، الأيام الأولى، العائلة، كل تلك أمور تفيد القاريء الذي نريد له أن يتابع سيرتك، فهل يمكن أن نبدأ من هناك؟
يمسح (سيد فرج) بالمنديل، العرق المتصبب على جبهته قبل أن يجيب قائلاً : إسمي (فرج محمد حسن) ولدت عام 1936، في قرية الزيادات في ريف الشطرة، في عائلة فلاحية فقيرة، وكنت الولد الأول لأمي العمياء، ولي منها أخوان، ومن زوجة أبي لي مجموعة من الأخوة والأخوات.
عندما توفي أبي، الفلاح الفقيرعام 1948، وكنت في الثانية عشر من عمري، تركنا القرية، وإنتقلنا لمدينة الشطرة، مع زوجة أبي وإخوتي وأخواتي، وفي الشطرة إشتغلت عامل مطعم ثم عامل مقهى، وفي المساء كنت أدرس في مدرسة مديرها (محمود الجبوري) والد الفنان (بهجت الجبوري)، وأثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 كنت في العشرين من عمري، وكان طابع مدينة الشطرة يسارياً، لذلك كان إشتراكي في التظاهرات طبيعياً، مثل معظم شباب المدينة الذين أذكر منهم علي مطرود ومحسن مطرود وزامل سعيد الفتاح وغيرهم، وكنت خلال هذه الفترة قد إرتبطت بالحزب الشيوعي العراقي وحصلت على عضويته، وعملت ضمن مجموعة سيد نايف وشاكر عبد وعلي موسى الكهوجي وسيد عباس الصفار وفايق عبد سعدون، ثم أنتقلت للناصرية، وعندما إنتفضت مدينة الحي لبسنا الأكفان وخرجنا لمساندة الإنتفاضة، وكان معي كريم مناحي وسامي فرج وغيرهم ، فألقي القبض علينا، وأرسلنا لبيت (كامل عفره) لنسجن فيه، فهربت من هذا السجن فطاردتني الشرطة، مما تسبب في كسر في رجلي لا تزال آثاره باقية للآن، ولكن الشرطة لم تستطع أمساكي، فأختفيت في بيت، ومنه هربت إلى عبادان عبر السيبة، ومن هناك تسللت للكويت، وبقيت فيها لما بعد ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958.
قلت لسيد فرج: من المؤكد إنك كنت في قلب الأحداث بعد ثورة تموز.. هل تستطيع أن تصف لي تلك الفترة؟
يجيب السيد فرج قائلاً : كانت أعياداً حقيقية وأياماً لا يمكن نسيانها، فقد وجدت الشباب الذين أعرفهم في قلب الأحداث منغمرين في شتى النشاطات، فمن شبيبة إلى نقابات العمال، إلى إتحاد الطلبة، وبينهم فالح حسن جبري ونعيم الشطري ومحمد عباس (أبو فاطمة) وصاحب كاظم (أبو باسم) وصبري نعيم (أبو كفاح)، وقد عملت في مجال التنظيم العمالي، القطاع الخاص، وأذكر بشكل مميز إحتفالاتنا في يوم العمال العالمي في ألأول من آيار، وكيف كانت تتحول الناصرية لعرس حقيقي وعيد للجميع، فالزينة تطرز الشوارع، والألوان وسعف النخيل على واجهات البيوت والمحلات، ومن الذين أتذكرهم في هذه الفترة من الشيوعيين علي طلب وحميد غني وخالد غني وسعدي النجار وفؤاد مكطوف، وأذكر جيداً أن الحزب أرسلني عام 1959، ضمن وفد حزبي، بعد محاولة إغتيال عبد الكريم قاسم، للتهنئة بسلامته، فقابلنا الزعيم، وكان معي في هذا الوفد، خلف زيدان ومحمد عباس وصاحب كاظم وصبري نعيم، كما شاركت في وفد مطلبي للزعيم عبد الكريم، عام 1963، حيث حمل وفدنا عريضة عليها 560 توقيعاً، تطالب بإلغاء قرار العبدلي بدمج النقابات، وكان في الوفد والدة عباس محسن ونعيم الصابئي ورفيق صابئي آخر لا أتذكره، وقد إستقبلنا الزعيم وإستمع لمطاليبنا ووعد بإنجازها، وفي اليوم التالي للقاء حدث إنقلاب شباط الدموي، وعندما عدت للناصرية تم إعتقالي على الفور، وبقيت في المعتقل حتى 28/12/ 1963، حيث تمت محاكمتي، مع المرحوم إبراهيم دراج، فحكمت ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ، فأطلق سراحي في زمن عارف الأول.
وبعد ذلك (قلت لسيد فرج) ؟
يبتسم السيد ويقول: الباقي أنت تعرفه، ففي السبعينات عملت في التنظيم العمالي، وبعد إفتتاح مقر الحزب بعد قيام الجبهة عملت شغيلاً في المقر، بالإضافة لعملي الحزبي في المجال العمالي، وبعد خراب الجبهة عشت مثل ملايين العراقيين، حروب النظام وقساوة إرهابه وبطشه، وكانت إنتفاضة آذار المجيدة عام 1991، فرصة خاطفة لإستنشاق القليل من نسائم الحرية، فشاركنا نحن الشيوعيين في الإنتفاضة، وكان معي محمود طوبيا والكثيرين غيره، وقد بادرت لخط شعارات الحزب على جدران مدرسة الهدى للبنات، لكن فرحتنا لم تدم، وحريتنا المؤقتة أجهضت على يد السلطة وسمتياتها ومدافعها وقواتها الكبيرة، فهربت مثل مئات ألوف العراقيين إلى السعودية، وبقيت ثلاث سنوات هناك، رأيت فيها الكثير من الذل والمعاناة والغربة، فقررت، ومعي حوالي 200 عراقي، العودة مجدداً للوطن، متحملاً تبعات قراري، والتي تجست في إستدعاءات متواصلة للتحقيق، وزج إجباري في الجيش الشعبي، مما دفعني لمحاولة إنتحار لم تنجح.
والأن بعد سقوط النظام،(قلت لسيد فرج) ماهو حصادك؟ وهل أنصفك الذين منحتهم عقوداً من حياتك؟
يضحك السيد هذه المرة بألم ويمسك العصا التي يتكأ عليها بكلتا يديه ويقول : الآن تصدر المشهد الذين لم تعرفهم ساحات النضال ولا المواقف ولا السجون، والذين يجيدون التزلف والمراوغة والنفاق.