|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأثنين  17  / 6 / 2019                                 ذياب مهدي آل غلاّم                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

من عوالم الغجر "موسيقى وغناء ورقص"

ذياب مهدي آل غلآم
(موقع الناس)

عينهم الى الارض ومخيمهم يرحل للسماء ....!

استهلال :
الحرية والارض لهم بدون حدود ، هويتهم عشقهم للحياة وكيف يعيشونها كوجود .. عرفوا دروب العبودية فابتعدوا عنها وجعلهم عشقهم للحرية يعيشون بعيداً عن التنظيمات البشرية المعتادة واختطوا لأنفسهم مجتمعاً خاصاً أًحيط عبر التاريخ بالكثير من الغموض والغرابة والخروج عن المألوف. إنهم الغجر(الكاوليه) أولئك الرحالة الظرفاء المنبوذون، من أكثر شعوب العالم غموضاً وعزلة عبر التاريخ، اختاروا منذ الأزل حلم الرحيل نحو الحرية المطلقة ، والهروب المتواصل دون تحديد الوجهة التي سيختارونها فالحنين إلى اللامكان واللازمان هو جوهر الحلم الغجري، ليس لدى الغجر وطن وعلى نقيض جميع البشر ليس لديهم حلم العودة إلى وطنهم الأصلي "الهند". عند الكاتب شاكر لعيبي الذي يقول إن مفردة كاولي وكاولية التي تعني في العراق الغجريّ والغجر قد تكون متصلة بالنطق الهنديّ لمفردة قوّال وتكتب وتنطق كاوّالي 
qawwali ويشرح لعيبي ان كلمة qawwali موجودة في القاموس الإنكليزيّ ويعرّفها بصفتها نمطاً من الموسيقى العباديّة الإسلامية التي ترتبط اليوم بالتيار الصوفي في الباكستان .

المدخل :
حين نقلب صفحات التاريخ لنتعرف على سبب نشأة وعراقة بعض الموسيقى ، نجد أن السبب الحقيقي الأول هو الإضطهاد وما الموسيقى والغناء والرقص إلا أدوات للمطالبة بالحرية والتخلص من شر العبودية . الموسيقة الغجرية "الكاولية العراقية" مزيج من تراث سومري ريفي عراقي رغم جذورهم الهندية ، موسيقاهم بدأت كمزيج من أحزان وآلام اقوام مهزومين مع اقوام تائهين عابرين الحدود بدون جواز او تذكرة تعريف . ان الموسيقى والغناء الكاولي العراقي تكون عبر التاريخ وتجذر في وسط وجنوب العراق ومن ثقافات بعينها ونغملت منسجمة تعلن عن نفسها بعذوبة . فمن يستمع إلى عازف العود وهو يضرب بأنامله الأوتار ، وضابط الايقاع الطبلة "الدرنكه ، الزنبور" نجد ان هذا العزف الموسيقي قائم على نوتات عراقية شرقية أساسية ، ومن ثم بقية الملحمة الغنائية المتفردة نغم وشجن وحزن وعشق صوفي ، ولا ينتهي جمال الفن الكاولي "الغجري" هنا ... بل إنه لايكتمل إلا في عنفوان الراقصات ، أولئك اللواتي يعلن ثورة ضد الألم حين يضربن بأرجلهن الأرض ويتتخاذف اردافهن ، وينثر الشعر الطويل موجات للصخب ، والجسد الذي يتسامى مع فنطازية الجو المشحون بالمتعة والهروب من واقعه الى آفق ساحر. والراقصات دائما يحركن اياديهن كجنحان معلنات عن الحياة والحرية . هنا الرقصة الغجرية "الكاولية" رقصة لا تتمحور حول قصة رومانسية بقدر انها ملحمة إنسانية شامخة بنشيد ونشيج عراقي مجبول عليه هذا الوطن منذ آور وقيثارة أوروك شبعاد والى يومنا هذا . انه فن يعكس بجلاء تقاليد واعراف التنظيم الغجري الاجتماعي الكاولي. فهي تحتوي على شعر ريفي عراقي شعبي منتظم يحاكي الظلم ويفسر المعاناة الإنسانية التي يعيشها كل منهم .

كانوا يمثلون حلقة مهمة في حياة العراقي العاشق للطرب والكيف، فهو غالبا مايقضي لياليه الحمراء بين احضان فتيات الغجر مقابل مبلغ من المال. وان دخلت مجتمعا صغيرا مثل مجتمع الغجر فهذا يعني انك تخترق عالما اخر من العادات والتقاليد التي تختلف كثيرا عن عادات وتقاليد العراقيين . تشكل الأغنية الغجرية رافداً مهماً من روافد الأغنية العراقية، بل أن المطربين الغجر هم رديف للمطربين الريفيين، ويندر أن يُحيا أي حفل ترفيهي من دون أغنية غجرية، ولا داعي لذكر الأسماء لأنها محفورة في ذاكرة العراقيين، وراسخة في وعيهم، بل أن بعضهم لا يعرف أن أصل هذه الأغاني الترفيهية غجرية لأنه يظنها جزءاً من التراث الغنائي الريفي في الأقل. والغجريات ايضا نجوم في التلفزيون العراقي على الرغم من العقبات التي وضعها ممثلون عراقيون في طريق صعود الغجريات على خشبة المسرح او الظهور في التلفزيون الا ان الفنانات الغجريات نجحن في ان يكونن نجوم لامعات في سماء الفن العراقي . ، وبالرغم من أن العراقي ينظر الى هذه الفئة بعين الغمز فانه لايستطيع ان يتخلى عن دورها، واستطاع الفن الغجري ان يكسب اهتمام العراقيين ودخل الفن الغجري الاذاعة والتلفزيون بسبب الاهتمام الشعبي الكبير به وعلى وجه الخصوص في مناطق الريف العراقي، وكان العراقيون قبل ظهور التلفزيون يدعون الغجر لاحياء حفلات الزفاف أو مناسبات الختان على الهواء الطلق حيث يقدمن الكاوليات الرقص والغناء لقاء مبلغ معين .

قصة طريفة رواها لي كبار السن في الشامية منذ سنوات ففي أواخر الخمسينيات من القرن الماضي اشتهرت فتاة من الكاولية ، بجمالها الأخاذ ورقصها الفتّان فهام بها أحد وجهاء المدينة ، ومن ابناء مشايخها ، على طريقة الفيلم الشهير (الغجر يصعدون إلى السماء) تزوجها وبنى لها بيتاً وأسكنها ، وانجب منها بنين وبنات ، وكان شاعرا مجيدا بالشعر الشعبي ووسيم بجمال عراقي رجولي ، وحينما توفيت أم هذه الغجرية (الكاولية) أتى بها الى النجف ودفنها في مقبرة وادي السلام وشيد قبرها بعلو ودالة في شاهدته ... فكانوا اهلنا يمازحونه او (يعيرونه) بقولهم ايضا شعرا هزجا ،هوسة : "لو مات (افلان) شتبني عليه" ....!؟






 

 

 


 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter