د. ذياب فهد الطائي
الأحد 1/7/ 2012
الخطاب الليبرالي في الصحافة النسائية العراقية
(2-3)د.ذياب فهد الطائي
أمام مصطلح (الراديكالية ) نواجه التباسا في التفسير والتطبيق ذلك لأن المصطلح يطلق اليوم على مجمل الحركات المتطرفة والمتشددة بما فيه الحركات الدينية ، على أساس ان اصل ألكلمة ، يعني العودة الى الجذر (السلفية )
ولكن هنا ،نعني به الحركة النسائية ،التي ظهرت في الولايات المتحدة الامريكية خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين حين طالبت النساء الراديكاليات بإسقاط التنظيمات التي يهيمن عليها الرجال ، علما ان بدايات هذه الحركة ظهرت في انكلترا فيما سمي بحركة (الليفليرز )وتسمى حركة المتساوين ،وكانت حركة إصلاحية راديكالية برزت خلال الحرب الأهلية الإنجليزية خاصة في الفترة ما بين 1646-1649، وتلخصت مطالبها في :[1]
1- التسامح الديني
2- حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية لأكبر قطاع ممكن من الشعب .-
3-القضاء على السلطة التحكمية سواء تمثلت في ملك أو طبقة أرستقراطية أو حتى في مجلس العموم .
1- ضمان وجود قانون دستوري يحمي الشعب من الأشكال المختلفة للسلطة المطلقة الحكومية . ويعتبر الكثير من علماء السياسة الغربيين حركة (الليفليرز) نقطة بداية جيدة في تاريخ، النظريات السياسية الراديكالية، حيث تعتبر أول حركة في بريطانيا تتحدث عن "الشعب" كقوة سياسية علمانية ،وقد أكدت هذه الحركة" أن السلطة السياسية لا يمكن أن تُستمد إلا من الشعب ، وحاول أنصارها وضع مسودة دستور تؤكد هذه الفكرة وذلك في كتاباتهم المعنونة "اتفاقات الشعب" .
وتفسر الكاتبة (نادية ليلى عيساوي )[2] عدم قبول المجتمع للحركة الراديكالية النسوية فتقول (ولا يمكن النظر الى ردات الفعل هذه دون الإشارة الى أنها تعبّر عن خوف عميق من إمكانية زعزعة دعائم النظام البطركي (الأبوي) الذي جرى بناؤه منذ آلاف السنين: نظام هيمنة ذكورية ظل متماسكاً رغم كل الثورات والتطورات التكنولوجية التي حصلت على مر القرون الماضية. فالتراتبية الناظمة للعلاقات بين الجنسين تحولت الى قناعات راسخة عند كل من النساء والرجال الى حد صارت تبدو فيه السيطرة الذكورية طبيعية وبديهية)
وتتابع (تعتبر الحركة النسوية حركة ثورية تغييرية تهدف الى تحطيم البداهات الخاطئة ووضع المرأة في موقع (الفاعل) في المجتمع. ومن هنا التعاطي ،ومع صعودها ، فهم على أنه تهديد لأسس التنظيم الاجتماعي القائمة)
لابد من التذكير ان المجلات والصحف النسائية الليبرالية والراديكالية ، تتعرض اليوم الى ذات المواقف الرافضة والمشهرة والداعية الى الغائها،
يهاجم الدكتور بشر فهد البشر المجلات الداعية الى حرية المرأة فيقول: [3](في مجلة فرح عدد 43 ، تقول : الزواج المبكر إرهاق للمرأة وصداع للرجل .!!!!!(بمعنى انه مع الزواج المبكر الذي ينادي به شيوخ السلفية ويفتون بزواج الفتاة ابتداء من العاشرة من عمرها !!!)
ويتابع :
(ولا ننسى مجلة روز اليوسف وهي من أخبث المجلات ومن أوائل مصادر التغريب النسائي في العالم العربي ، في هذه المجلة تجد الخبث والخبائث ، وبمجرد أن تأخذ أحد الأعداد سوف تجد العجب . وكذلك مجلات ( اليقظة ، والنهضة ، صباح الخير ، هي ، الرجل ، فرح ..... الخ تلك القائمة الطويلة)
مجلة (نرجس ) نموذجا للفكر الراديكالي
هناك مجموعة من المجلات والصحف النسائية العراقية التي يمكن تصنيفها كصحافة راديكالية كمجلة رابطة الدفاع عن حقوق المرأة اوالصحافة النسائية الصادرة عهن الحزب الشيوعي العمالي العراقي ، ولكني فضلت أن أتناول بالبحث مجلة( نرجس) لأنها الأوسع انتشارا
تصدرمجلة (نرجس ) اليوم عن مؤسسة دار المدى للإعلام والثقافة والفنون
وهي مجلة نسائية اجتماعية عامة
رئيس مجلس الإدارة و رئيس التحرير "نرمين عثمان حسن " (الى ان تم تحويل ملكية المجلة لمؤسسة المدى )
المدير العام غادة العاملي
مدير التحرير نزار عبد الستار(كما تولت الروائية عالية طالب هذا المركز )
هيئة التحرير : سهام الشيخلي ،عدوية الهلالي وأسماء عبيد
ومن الملاحظات التي تولدت عند مراجعة اعداد المجلة ،وجدت انها تعرضت اكثر من مرة الى تبديل رئاسة التحرير وهيئة التحرير على وجه الخصوص
في العدد 9 لعام 2008 كانت نرمين عثمان تجمع بين ملكية الامتياز ومديرة مجلس الادارة ورئيس ألتحرير وكان مدير التحرير (نزار عبد الستار ) وهيئة التحرير (شاكر المياح ،سها الشيخلي و عدوية الهلالي )
في العدد 16 لعام 2009 اصبح مدير التحرير (حميد قاسم ) و هيئة التحرير عدوية الهلالي و أسماء عبيد
في عدد 44 عام 2012 أصبح فخري كريم (صاحب مؤسسة المدى ) رئيس مجلس الادارة ورئيس التحرير ، والمدير العام غادة العاملي ، وهيئة التحرير (سها الشيخلي و ابتهال بليبل )
تقول نجاة جبار كاظم في رسالة الماجستير التي تقدمت بها الى كلية الاعلام –جامعة بغداد عند حديثها عن المجلة (إن مجلة نرجس قد ركزت في خطابها على المرأة بشكل خاص وهو توافق مع فروض النظرية النسوية التي ترى ان النهوض بالمرأة لا يتم إلا عبر النهوض بالمجتمع ككل والتوجه إلى الر جل والمرأة معا في الخطاب الإعلامي)
وكان العدد 33 أيار 2012 قد حمل توقيع (نرجس ) على الافتتاحية بدلا من اسم رئيس التحرير كما جرت العادة في اعداد المجلة السابقة وقد يعزى هذا الى استبدال نرمين عثمان رئيس التحرير السابق بفخري كريم رئيس التحرير الجديد
المقال الافتتاحي
جاء في افتتاحية العدد 33 لسنة 2012
(في زمن ليس بطويل انطلقت دعوات التنوير وتحرير المراة في العديد من البلدان العربية ، وكان أشهر روادها في العراق الشاعر جميل صدقي الزهاوي الذي دافع عن حقوق المرأة بأبيات مشهورة ومعه الاديب المصري قاسم أمين الذي أصدر كتابين شهيرين (تحرير المرأة والمرأة الجديدة )
نقف هنا لنسجل الملاحظات التالية :
1- ابتدأ كاتب الافتتاحية القول (في زمن ليس بطويل )وهو يعني في زمن ليس ببعيد
2- اقتصر على الشاعر الزهاوي واعتبر ان (معه ) قاسم امين في حين أن الزهاوي قال قصيدته المشهورة :
مزقي يا ابنة العراق الحجابا *** واسفري فالحياة تبغي انقلابا
في عام 1929 ، و أن قاسم أمين قد دعى الى تحرير المرأة منذ عام 1890 م حين بدأ الكتابة عن موضوع السفور، وفي عام 1899 أصدر كتابه (تحرير المرأة )، لهذا فمن المستغرب ربط قاسم امين بالزهاوي وتجاهل أنصار حرية المرأة من العراقيين كالشاعر الكبير (الرصافي) والصحفي حسين الرحال علما أن (الرصافي) كان من اشد المناصرين لحرية المرأة ، ففي آذار من عام 1922، ألقى قصيدة طويلة منها :
:
:
لقد غمـطوا حق النسـاء فشـددوا عليـهن في حسـب وطول ثواء
ألم ترهم أمســـوا عبيـدا لأنــهم على الذل شبوا في جحور إماء
أقول لأهل الشـــــرق قول مؤنب وإن كان قولي مُسْخِط السـفهاء
وأقبح جهل في بني الشرق أنهمُ يُســــمون أهل الجهل بالعلماء
وكان ذلك في حفلة تمثيل قدمت على مسرح سينما رويال هاجم الرصافي المحافظين والمتعصبين هجوما عنيفا في معرض دفاعه عن حقوق المرأة , وتعرض جرائها الى محاولة اعتداء بالضرب [4]
كما كانت الاشارة الى أن الزهاوي (دافع عن المرأة بأبيات مشهورة )، تمثل استهانة بشعر الزهاوي هنا ، فقد دافع الزهاوي عن حرية المرأة بقصائد طويلة .
تتابع افتتاحية مجلة (نرجس ) : (ولم يتوقف التاريخ عند هذه الاسماء بل استمر يرفد العقل العربي بمواقف مشهورة في كل حين وصولا الى تاريخ الربيع العربي الذي نعيشه اليوم )
وتتابع الافتتاحية :( ومن ملاحظة بسيطة لمجريات الربيع العربي باتجاه واقع المرأة نجده في بعض مساراته قد تحول من ربيع المطالبة بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة ، الى شتاء التحريم والتكفير، بدء من الدخول الى الحمّام بالرجل اليمنى الى تتحريم الفن والسياحة والسفر والملبس والمشرب ،بالإضافة الى تهميش واقصاء دور المرأة في الدولة التي شاركت في بنائها ، كم من النساء شاركن في مظاهرات هذا الربيع ودفعن حياتهن ثمنا للوصول اليه ، وكم منهن تحملت مختلف اشكال القسوة والضرائب الجسدية والنفسية دون تراجع ،لإيمانها بأنها تدافع عن مستقبل الغد القادم بحريته الرائعة ،
ولهؤلاء النسوة نقول : دافعوا عن المرأة الإنسانة
ثم تشير الافتتاحية الى ما تتعرض له المرأة في الغرب من عنف وتختتم حديثها :
أما في البلدان العربية ، فبالرغم من أن دساتير معظم هذه الدول تنص على الحقوق التي كفلها الاسلام للمرأة ، وأحيانا أكثر من ذلك عند البلدان التي تبنت بعض الأنظمة العلمانية ، فلا زال وضع المرأة مماثلا لوضعه التاريخي خلال العصور السابقة ، بسبب الموروث الثقافي المهين عن المرأة ، وبسبب التمييز القانوني والفيزيائي الذي لاقى ازدهارا في بعض ثورات الربيع العربي ))
وأعتقد أنه من المفيد أن نشير الى بعض الملاحظات العامة قبل الدخول في تحليل مضمون الافتتاحية باعتبارها تمثل التوجه العام للمجلة
نلحظ أن اسلوب الافتتاحية المشار اليها يختلف عن الافتتاحيات التي كانت تكتبها رئيس التحرير السابقة (نرمين عثمان ) حيث كانت اكثر حرفية وتحكمها سياقات متماسكة
2- بعد قراءة المقدمة والربط بين بقاء اوضاع المرأة العربية مماثلا لوضعها التاريخي في بعض ثورات الربيع العربي ، كنت اتوقع ان تعالج المجلة في موضوعاتها هذه النقطة وان تكشف عن القوى التي تقف وراءها ، ولكن وعبر ابوابها العشرين، كانت مشغولة بالقضايا اليومية للمرأة ، وعلى وجه الخصوص لنموذج المرأة البرجوازية تقليدا لمجلات الخليج العربي
وعند تفريغ مواد المجلة في جدول بالتوزيع التكراري لها تبين ما يلي :
متابعات 17 مادة بنسبة 26% ، مطبخ 8 مواد بنسبة 13%، فنية 6 مواد بنسبة 10% ،عالم وتكنولوجيا 5 مواد بنسبة 7%، ثقافة 4 مواد بنسبة 6% ، تحقيقات 4 مواد بنسبة 6% ، تسالي 3 مواد بنسبة 4% ، قانونية 3 مواد بنسبة 4% ، الطيف العراقي 2 مادة بنسبة 3% ، جمالك 2 مادة بنسبة 3% ، رشاقة 2 مادة بنسبة 3% ، صحتك 2 مادة بنسبة 3% ، ملف العدد 2 مادة بنسبة 3% ، وطنية 2 مادة بنسبة 3% ، وكانت بقية الأبواب التي جاءت بمادة لكل منها (تربية أسرة ،أدب الطفل ،عراقيات ،أزياء، شخصيات , أمكنة ( وكانت مجموع مواد المجلة 68 مادة عدا اعلان واحد لشركة آسيا سيل(هاتف نقال )
الملاحظات على التوزيع التكراري:
1- تم اللجوء الى الارقام المدورة في حساب النسب المؤية
2- لوحظ ان عددا من الابواب خلت من اسم المعد او المقتبس ومن مصادر الاقتباس كما في (الفنية وجمالك والمطبخ وازياء ورشاقتك وصحتك) وحتى في مواد باب الثقافة
2- بعض المواد كنساء الانقاض يمكن ان تكون تحت عنوان تقارير، وصناعة المكاوية الى باب المطبخ
3- خلت المجلة من أي تحليل لواقع المرأة في برامج الأحزاب الدينية التي تتسيد مشهد الربيع العربي في مصر وليبيا واليمن على وجه الخصوص
4- خلت المجلة من الاعلانات رغم دعوتها المعلنين ، عدا اعلان لشركة خدمة الهاتف النقال
5- الطابع العام للمجلة بثوبها الجديد يمثل مظاهر مصطنعة للموقف من مسألة تحرير المرأة ، وبدلا من ربط هذه الدعوة فكريا بالتطورات الجارية عبر تحليلات مناسبة ، فقد تم التركيز على صور المرأة وقضايا الرشاقة والأزياء والجمال
تحليل المضمون للمقال الافتتاحي
1- هناك نوعان من اسلوب تحرير المادة الصحفية هما المثلث العادي او المثلث المقلوب ، ولكن المقال لم يلتزم باي من هذين الاسلوبين فجاء مرتبكا
2- كانت صناعة الافتتاحية المكثفة قد ابعدت الكاتب عن الوضوح من جهة وأوقعته في تجاوز على الواقع التاريخي للموضوع من جهة ثانية
3- كانت الاشارات السياقية غير موفقة لأنها جاءت مبتسرة وكذلك بالنسبة للسياقات النصية بحكم عدم التزام الدقة في العرض عند الحديث عن تاريخ الداعين الى تحرير المرأة في العراق
4- تقدم الكاتب بدعوة الى النساء ليدافعن عن المرأة الانسانة ، ولكن من كتبن في المجلة كن بعيدات عن هذه الدعوة
5- عموما كانت الافتتاحية شكلية ظلت تدور في حدود التوصيف دون التحليل ولهذا كانت الخاتمة في الاسطر الخمسة الاخيرة ، نتيجة ضعيفة قياسا الى المنطلقات التي بدأتها وكان الربط مصطنعا في الوقت الذي كان يتوجب أن يكون تلقائيا
6- من هنا اكرر القول ان الافتتاحيات التي كانت تكتبها للمجلة (نرمين عثمان ) أكثر موضوعية والتزاما بالمنهج الصحفي ، رغم انها كانت بذات المساحة التي شغلتها الافتتاحية موضوع بحثنا
[1] د. خالد أحمد الشنتوت ، المدونة
[2] http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=1065
وعيساوي هي باحثة جزائرية، ومنسقة برامج المرأة في ((المؤسسة من أجل تقدم الإنسان)).
[3] د. بشر فهد البشر ،أساليب العلمانيين في تغريب المرأة ألمسلمة صحيفة الشرق الاوسط في 21 – 01- 1990
[4] عبد الجبار البياتي ، لمحات من تاريخ الحركة النسوية العراقيةhttp://www.amanjordan.org/aman_studies/wmview.php?ArtID=1202