| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأثنين 23 / 3 / 2026 فارس حامد عبدالكريم كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
التوزير بين السياسة والمهنية
فارس حامد عبدالكريم
(موقع الناس)حينما تحررت فرنسا من سيطرة النازية وعاد زعيم المقاومة الوطنية الفرنسية الجنرال ديگول الى فرنسا، توطدت علاقته بالفيلسوف والروائي الشهير أندريه مالرو (*)، الحائز على جائزة گونكور عن روايته الشهيرة (الوضع البشري)، وكلفه بمهام ثقافية وإعلامية عديدة وحاز على ثقته.
وعندما بدأ ديگول بتشكيل حكومته بموجب دستور الجمهورية الخامسة في 4 أكتوبر 1958 عرض على مالرو تولي أحدى الوزارات السيادية المهمة تقديراً لدوره الفكري البارز في مواجهة الفكر النازي والإستعمار بشكل عام والمساهمة في بناء اساس فكري للمقاومة الوطنية، ولكن مالرو رفض تولي هذه الوزارة السيادية وطلب تولي وزارة الثقافة، قائلاً، وسط اندهاش الجنرال من هذا الإختيار؛ (لقد اصبح عقل فرنسا بيدي).
لم يكن الأديب مالرو منتمياً لجماعة سياسية معينة بالذات وقتها ولكنه كان مفكراً انسانياً، رافضاً ان تكون دولته دولة استعمارية ودعا منذ مطلع شبابه الى تحرير الشعوب الرازحة تحت نير الاستعما الفرنسي وسجن بسبب ذلك، كما كان وطنياً نموذجياً بحق ومقاوماً شرساً للنازية وكان كل هذا كاف لوحده ليمكنه من تحقيق اكبر نقلة في تاريخ الثقافة الفرنسية الحديثة وكسب حب وثقة الجمهور.
هذا الحس الوطني المرهف وثقافته المتنوعة التي تمثل بحق نموذجاً لثقافة القرن العشرين هو الذي مكن مالرو من إعادة بناء وعي المواطن الفرنسي وتخليصه من إفرازات الحرب النفسية والإجتماعية وثقافة الحرب التي تراكمت خلال الحرب العالمية وفترة الإحتلال النازي وما رافقها من مذلة ومهانة مست الكرامة الوطنية في الصميم.
لقد صرف مالرو بسخاء بالغ على المشاريع الثقافية والأدبية والفنية وأزدهرت المسارح والعروض الفنية والسينمائية والترفيهية وطبعت وأعيدت طباعة المئات من عناوين الكتب والروايات وترجمت لمختلف اللغات...
حتى بدأ الفرنسيون يشعرون وكأنهم عادوا ليعيشوا في عصر النهضة من جديد بكل تفاصيله التاريخية...
وتصدرت فرنسا المشهد الثقافي العالمي وأضحت الثقافة مصدراً مهماً من مصادر قوتها، فلُقبت بعاصمة النور ....
يكفي ان تقدم مصالح شعبك العليا على مصالحك الذاتية الضيقة لتكون وطنياً بحق وتحقق اعظم الإنجازات في كل المجالات ...
(*) أندريه مالرو: فيلسوف وروائي ومفكر وناقد ادبي وناشط سياسي فرنسي، تؤرخ حياته لكل أحداث القرن العشرين هو صاحب رؤية موسوعية حيث يمتلك معارف دقيقة في الآثار وتاريخ الفنون والانثروبولوجيا ، تجنح أعماله إلى السيريالية والسخرية والغرائبية، منها: «أقمار على الورق» و«والأمل» و«قيود يجب أن تتكسر» و«اللاواقعية» و«عابر سبيل» و«الإنسان المزعزع وغيرها. نشأ عصامياً ومغامراً فغادر إلى العند الصبنية حيث شارك في تأسيس صحيفة ذات توجهات مضادة للأستعمار لفرنسي. عاد بعد ذلك إلى فرنسا وألف أولى رواياته «الطريق الملكي» والتي نشرت سنة 1930. لكن شهرته الحقيقية بدأت في 1933 حين نشر رواية«الوضع البشري» المتأثرة بالثقافة الصينية وفاز عنها بجائزة جونگور.