حمودي عبد محسن

 

| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

 

 

 

 

الأحد 30/10/ 2005

 

 

 

ذات اليد الجميلة
 


حمودي عبد محسن
www.hamodi54@hotmail.com

اليوم عيد ميلادها الثلاثين ، الفاتنة ذات اليد الجميلة ، و الذراعين الناعمتين ، و الشعر الأسود الطويل ، و العينيين الساحرتين ، نفد صبرها على الأرض الباردة ، و حطمها الشوق إلى البحر الدافئ ، فقررت الرحيل إليه لتحتفل مع البحر ، و عبور بحار إلى الشرق الذي ولدت فيه ، و طالما تغنت بأشجاره ، بأنهاره ، بشمسه ، بصخوره ، بزرقة سمائه ، و كواكبه السيارة ، و طلوع البدر في الليل ، و هبوب نسيم فجره ، و زقزقة طيوره قبل الغروب ، حطمها الشوق إلى زبد البحر الذي ولدت منه أفروديت ، كان ذلك حلما هائجا أن تبرز إليه من دنياها ، تتجاوز الحدود بين البلدان ، و تخرج في رحلة خفية غامضة إلى مصدر الجذب الحضاري القديم الساحر ، تتنفس هوائه ، و تطأ أرضه ، و تسير بخطى بطيئة إلى الوراء مئات السنيين ، تسير إلى الوراء إلى ذلك الجزء من العالم الذي تشكلت على أنقاضه حضارة الغرب ، و ها هي تقف كأنثى مشهورة بجمال يدها في مؤخرة سفينة مبحرة ، تتحدى إله البحر بوسيدون ، الذي يتجول بمظهره الملكي ، بلحيته المدببة ، و شعره الطويل ، في أعماق البحر على عربة تجرها أحصنة ذهبية حاملا حربة حرب ، فارضا سلطته ، و قوته على سطح البحر ، ذات تاريخ أنكر أوديسيوس فضله بانتصاره في حرب طروادة ، فأغضب بوسيدون ، لذلك هيج بحربته أمواج البحر ، و حكم عليه أن لا يصل إلى بيته ، و سيكون تائها في البحر .كانت ذات اليد الجميلة ممشوقة بعينيها الناعستين التائهتين في مياه البحر ، البحر يمتد من تحتها ، و تمتد عيناها المستغرقتان فيه بعيدا ، بدا لها البحر رهيبا ، فأدارت عينيها ، كان كل شئ هو بحر عجيب ، أذعنت إلى رهبته ، و نظرت مرة أخرى إليه ، لترى امتداده مثل امتداد عينيها إلى أفقه ، حدقت كثيرا إليه ، حدقت بتركيز إلى بعده ، لتبتلع عيناها سعته ، و كأنها موجة فيه تعلو و تهبط . اتسعت عيناها ، رأت شبحا يمشي عليه ، و مرق أمامها سريعا ، ذلك لم يكن وهما ، إنه استرسال في الرؤية ، رؤية عفاريت البحر الصغيرة ، أسماك ضخمة لها زعانف ظهرية و بطنية ، أحصنة مجنحة ، لأن عيناها صارتا تمتدان مثل إيقاع البحر ، مده و جزره ، صعود أمواجه و هبوطها ، تياره السطحي ، و التحتي ، كان كل شئ في البحر امتثال لامتداد عينيها ، و انبثاق ذهولها ، ظلت تنظر فترة طويلة ، لم تكن تتصور أن يكون البحر قاسيا ، ماردا أو متوحشا ، فتاهت عيناها فيه مرة أخرى ، و تاهت نفسها ، و فزعت لضجيج نوارس فوق رأسها ، فامتدت يد مجهول إلى شعرها المسترسلة على ظهرها ، و داعبته ، تذكرت أن يدها تمسك سلة مليئة بالرغيف ، فراحت ترمي الرغيف إلى البحر ، و السفينة تشق مياه البحر العظيم ، و تترك خلفها خطا طويلا عريضا لأمواج تتطارد ، و تتكسر ، لاغية زبد المياه ، و فقاعاته ،ضائعة في أفق البحر الأزرق الفاتن ، الشفاف ، بينما كانت النوارس تزعق ، و تخفق بأجنحتها .أعجبها هذا المشهد ، إذ كانت تنقل بصرها تارة إلى المدى البعيد بارتجاف أمواجه ، و تعرجاته ، و تارة أخرى إلى طيران النوارس ، أعجبها طائرا غريب بقي يحلق ، و يحوم حول السفينة دون أن يهبط إلى المياه ، دون أن يلتقط قطعا من الرغيف ، أدهشها ذلك ، مما حدا بها أن تقول بصوت ضعيف :
_ إنه يكره أن يأكل فضلات البشر .
ثم راحت تراقبه ، لتستكشف فيه أشياء كثيرة ، لم يكن الطائر يشبه طائرا كونيا ، إنه أبيض اللون ، إلا أنه مذهب الجناحين ، لم تكن تبالي أن تخوض مخاطرة غير محسوبة في زمن قلق ، لم يكتشف منذ عدة قرون ، و لم تكن تبالي أن تستكشف نفسها تتحمل عبأ عبور البحر ، الآن أرادت أن تستعرض نفسها أمام الطائر ، ففلت منديلها الأخضر من عنقها ، و أخذت تلوح به ، و تهزه في الهواء ، هبط الطائر بسرعة إلى المياه ، فقد لاحت له سمكة تقفز لتزاحم النوارس على قطع الرغيف ، التقطها ، و حط على سياج السفينة ، و تركها تسقط منه على سطحها ، ارتعبت ، و شهقت : ( آه ) ، ثم تراجعت إلى الوراء ، كانت السمكة تتلوى عاجزة ، و تقفز ، و تحرك زعانفها كأنها تطلب النجدة .تشجعت ، و رفعتها بصعوبة من زعنفها اللزج ، و أعادتها إلى البحر قبل أن تفتح خياشيمها في الهواء ، و تموت .التفتت إلى الطائر ، و عاتبته بنظرتها ، فاقترب منها ببطء شديد ، فقد وجد في عينيها حزنا لا يطاق ، ربما _ حزنا على آلاف البشر التي تموت في الطرقات الغريبة ، و تموت في الحروب التي لا معنى لها ، و لا معنى لأنهار الدماء ، و العنف ، وجد في عينيها توسل ليسود العالم السلام ، و يعيش الأطفال في أمان ، لم تلبث أن بحثت بنظرتها في عينيه الصغيرتين عن معنى نظراته الثاقبة ، فوجدت فيهما رقة ، و حنان ، إذ كان يشع فيهما بريق ساحر .ساد صمت بينهما .تفحصت عينا الطائر جسدها بنظرة خاطفة ، أصابها الخجل من هذه النظرة ، إذ رأت عينيه تتحركان ، و تكشفان بروز نهديها ، و سر وقفتها ، و عطفها على النوارس .حرك رأسه بتعبير مفاجئ ، فخفضت عينيها على الفور ، و غطت صدرها بمنديلها ، ثم رفعت بصرها بحيرة ، و نظرت حولها ساهية ، و جرى تبادل سريع للنظرات بينهما ، خفض الطائر رأسه ،كأنه يسألها :
_ ما اسمك ؟!
قالت بسرعة :
_ بريسيس .
ثم استمر صمت آخر عذب بينهما ، و هو يرفع بصره ، و يثبت عينيه على يدها ، اقتربت منه ، مدت يدها له ، فراح يمشي منقاره عليها _ إنه يقبلها ¬_ يقبل جمال فتان بلمسة سحر ، و سالت من عينيه دموعا عليها ، متوجا إياها ملكة لطائر مقدس .رفرف الطائر بجناحيه ، و تركها تلوح له بمنديلها ، و قد ارتسمت عيناه في عينيها ، و ذاكرتها ليس كشيء مجهول بل كعيني ملاك رقيق شفاف له هيبته في سعة هذا البحر ، و سعة الغيم الأسود الغاضب الذي ظهر مندمجا بشريط الأفق ، فاختفى فيه الطائر كبقعة بيضاء .
لم تمض لحظات حتى نهض إله المطر _ أبولو _ ابن زيوس غاضبا من منامه ، فقد آمنت به بشدة ، و نذرت نفسها لخدمته ، الآن لم يكن صوته الإلهي الآخر يرن في رأسها بإيقاع الزمن القديم ، لأنها لا تريد أن ترى أبطالا ملتحين محاربين ، و لا أذرع مرفوعة مطبقة على قبضات الأسلحة ، و لا أيدي تمسك صولجانات العروش ، و لا رؤوس تعتمرها تيجان ، و لا وجوه بعيون جانبية أو كاملة ، إنها تريد أن ترى نحلة مفتوحة الجناحين متجه إلى الزهور ، و أيدي تمسك سعف النخيل ، و أغصان الزيتون ، و أكاليل الخصب _ ذلك الانتصار البشري _ هذا الصوت الآخر أغضب أبولو ، فأسقط الغيم مطره غزيرا ، و ظهر بوسيدون في عربته عاري الصدر ، صارخا ، يضرب البحر بحربته ، فأظلمت السماء عابسة ، و هبت ريح باردة طازجة ، ثم ساد ظلام دامس ، فحدثت ضجة داخل السفينة ، و انتاب جاذفيها هلعا ، و اضطرابا شديدين ، فتعالى صراخهم ، و هم يتدافعون في اتجاهات مختلفة ، و يرتطم بعضهم ببعض ، و بجدران السفينة ، و سقطوا على بعضهم ، و تدحرجوا مع الأشياء ، أما بريسيس فتشبثت بسياج السفينة ، و هي تسمع هدير عنيف ، و ترى ارتفاع أمواجا ضخمة ، مفزعة ، شريرة ، و قد أيقنت أن بوسيدون هيج البحر ، و أبولو أغضب السماء ، و إن عاصفة جامحة هبت بسرعة خاطفة ، و إن أمواج الإعصار العالية تصفع السفينة ، تمايلها ، و تهزها مثل أرجوحة ، و تلاطمها ، و تحفر أنهارا في صدرها ، و المطر يهطل فوقها كشلالات مياه ، و إن السفينة أصبحت تدور في زوبعة رهيبة ، و ظلت بريسيس تصرخ ، و تجاهد بذراعيها ، و ساقيها ، و هي لم تصدق نفسها أن تروى طائرا عملاقا بجناحيه الذهبين يخترق دوي الإعصار ، و يلتقطها بين رجليه ، و يطلق صرخته : ( يابو ) ، التي ضاعت في دوي المياه ، و هو يستأنف اقتحامه دوران الزوبعة الهادرة ، و يحلق في الغيوم متحديا بوسيدون ، و أبولو ، و الكون كله .
كان الكون هادئا ، و دافئا ، و أشعة الصباح الرائعة تراقص جسدها المقذوف على شاطئ البحر تحت أشجار زيتون ، و قد اعتراها الوهن ، و الضعف ، و تمزقت ثيابها ، و أضاعت منديلها ، نهضت بصعوبة ، و أجالت نظرها حولها ، لم تر سوى طائرها المقدس يزعق فوق شجرة زيتون ، أما السماء فكانت صافية ، و البحر هادئا كالصباح هادئ و رقيق ، متألق ، يفوح برائحة عطر الزهور ، مشت بتثاقل إلى البحر ، فوجدت في طريقها كوبا خشبيا ممتلئ باللبن ، و سلة قش فيها حفنة زيتون ، رفعت الكوب إلى فمها ، و جرعت اللبن جرعة واحدة ، ثم أكلت حبات الزيتون ، و دفنت بذوره في الأرض ، و جلست تراقب البحر ، و تعيش زمنا أجمل مما مر عليها ، أجمل مما مر على الأبطال المحاربين ، لأن مثل هذه اللحظات لن تتكرر ، و لن تعود ثانية إلى الوراء ، فكانت عينيها مستغرقتان في البحر ، تائهتان ، تمتدان مثل امتداده ، و هي تحتفل بعيد ميلادها الثلاثين مع البحر ، في سحر الشرق .

27 . 5 . 2005