د. حسين أبو السعود
الجمعة 19/10/ 2007
ثقافة الطوابيرحسين ابو سعود
قرأت في صحيفة مصرية ما مفاده بأن الرجل المصري الذي يبلغ من العمر ستين عاما يقضي عشر سنوات في الوقوف في مختلف انواع الطوابير والتردد على المصالح الحكومية والاهلية المختلفة لانهاء معاملات او شراء حاجيات ، وذكرت الدراسة التي اجرتها احدى الجهات في مصر بأن سدس اعمار المصريين يهدر في الانتظار في الطوابير المختلفة ، واقول لا تثريب عليكم اليوم يا أهل مصر فإن اهل دولة متقدمة كبريطانيا مثلا قد يهدرون ضعف ما تهدرون من اعمارهم في الطوابير والانتظار علما بأن الشعب البريطاني كان الى وقت قصير قد تعّود الوقوف في طوابير حتى في مواقف الباصات لولا تدفق اللاجئين من مختلف الاجناس الذين لا يحبذون الوقوف في الطابور ويصعدون الباص حال وصوله أمام الاعين المفتوحة لعجائز الانجليز وتمتماتهن،وان الوقوف في الطابور في هذه البلاد أمر لا مفر منه البتة اذ لا يمكن للمرء ان يستغني من الذهاب الى الطبيب او البريد او ادارة الاسكان والتعليم والبنك ، والامر السئ في هذه الطوابير هو انك لو خرجت لاكمال اي ورقة ناقصة ستعود للوقوف من جديد في آخر الصف ، والامر الحسن الذي فيه هو ان الطابور يحوي الرجل والمرأة والشيخ والشيخة والشاب والشابة وتكاد الطوابير لا تخلو من وجه حسن يساعد في تخفيف وطأة الانتظار .
وقد لجأت بعض الدوائر الى استحداث نظام الارقام ، حيث يأخذ كل مراجع رقما له عند الدخول ثم ينتظر على الكراسي حتى ينادى عليه ، لان الانتظار قد يطول لساعات طويلة ، والمراجعة الواحدة تعني هدر نهار كامل في الانتظار ، ولا يخفف شدته الا الموافقة على المعاملة وانجازها ، على ان الانتظار قد يورث خيبات امل كبيرة مثل شخص كانت ابنته في الرقم الخامس عشر في قائمة الانتظار للقبول في مدرسة ثانوية ، وبعد عدة اشهر راجع ادارة التعليم ليراها قد صار ترتيبها الثمانين ، وعندما سأل عن ذلك قيل له بأن هذه القائمة تزيد وتنقص وترعد وتزبد وتطول وتقصر حسب السكان الجدد الذين يفدون الى المنطقة ، فبلع الرجل ريقه وكظم غيضه ورضخ لمرارة الانتظار .
وهناك طابور حضاري آخر اطلق عليه مجازا الطابور البيتي ، اي ان تنتظر لاسابيع او اشهر انجاز معاملة لترسل اليك بالبريد او بإنتظار موعد مع طبيب اخصائي ، قد يصل بعد موت المريض كما حدث مع البعض.
وقد عوّدت نفسي ان اصطحب معي عددا من المجلات والصحف لاقرأها اثناء الانتظار عند اي مراجعة لاي معاملة في اي يوم لانها قد تستغرق ساعات ، واذكر بأني ذات مرة كنت اقف في طابور امام البريد لارسال معايدات الى الاصدقاء في دولة آسيوية ، وكان الجو حارا مرطوبا ويصادف احد الايام الاخيرة من رمضان ، حيث تطول الطوابير في مثل هذه الايام اذ يلجأ الناس الى ارسال المعايدات ، فجاء ضابط برتبة مقدم وتقدم الناس حتى وصل الى الشباك واعطى معايداته دون ان يستأذن من الواقفين ولم يعجب هذا الامر احد الواقفين فتمتم ببضع كلمات غير مفهومة فأنتبه الضابط لتذمره فأتى اليه وبأدب بالغ اهانه وهدده بالسجن لو انه نطق بكلمة اضافية ، فبلع الرجل ريقه وخيبته وقال في سره : اللهم اني صائم وان لم اكن صائما فما عساني افعل لضابط كبير بهذا المستوى.
الطوابير كثيرة منها الطابور العسكري الذي اودى بحياة الرئيس المصري انور السادات عندما كان يستعرض هذا الطابور وهو في كامل اناقته العسكرية ونياشينه واوسمته .
كما ان هناك طابور الصباح في المدرسة وكم كان المدير يضرب الطلبة بالخيزران امام الطابور عندما كنا صغارا ، اقول ذلك لابين للعالم بأن معاناة العراقيين ليست وليدة اللحظة فهي تبدأ منذ الطفولة ، والطوابير العراقية هي اسوأ الطوابير على الاطلاق علما بأن الوقوف في الطابور ليس عيبا الا انه عيب وعار وشنارعندما يقف العراقي في طابور ليحصل على تنكة نفط او جالون بنزين ونفط بلاده يعبر المحيطات ليصل الى مختلف البلدان .
وكان لنا جار في السبعينات يعمل في محطة الوقود ( بانزينخانة) يكفينا شر الوقوف في الطابور شريطة ان نحمل تنكة اضافية من النفط الى بيته ، وكنا نوافق لان شعورا جميلا كان ينتابنا عندما لا نقف كالآخرين في الدور ، وقصة الطوابير العراقية لا تنتهي وقد تعوّد العراقي في العهد السابق ان يقف في الطابور للحصول على اي شئ ، ولم يسلم من الطابور حتى في السجن ، وقد تعوّد العراقي على الطابور وادمنه وقد لا يرغب بالتخلص منه لانه اصبح جزءا من ثقافته يقرأ معه الجرائد ويتحدث مع الاخرين ومنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا .
وهناك مصطلح يسمى بالطابور الخامس وهو يوحي الى ان العالم مقسم الى خمس طوابير وانا ان عرفت معنى الطابور الخامس فلا اعرف معنى الطوابير الاربعة الباقية ، والاهم من ذلك فإننا كأمة نقف في آخر طابور الامم وكلما اردنا الوصول الى مقدمة الطابور يعيدنا حكامنا الى آخره مرة اخرى ، وقديما قيل انتظر ياحمار حتى يجيك الربيع ويجيك معناه يأتيك ( للعلم فقط )