| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

حسن حاتم المذكور

Smathcor@web.de

 

 

 

الأحد 20/7/ 2008


 
ونــدّعـيــك وطـنـــاً ...

حسن حاتم المذكور

ايهـا الوطـن الذي نـدّعيك ... مـن كتب غربتنـا عنـك وفيك ...؟ واحلامـاً بـاض عليهـا الصبــر ... كأي شيخـوخــة ’ تتعثـر فـي سعالـها ... اشبعتنـا تدجينـاً وبيعـاً ... بضـاعـة تصفعهـا اسعـار الدلالين فـي بازارات العمليـة السياسية ... مـن كتب علينا نخسـرك كعكـة تشفطهـا ألسنة الأطماع وقـد اختلط نزيفهـا باللـعـاب ، وبعـد التخمــة تتبـول علـى بقاياهـا .. ثـم تتقـيء شهواتهـا علـى أسرتنـا الوطنيـة ... بغـداد تبحث عـن بكارتهـا ...فـي مواخيـر المليشيات ... الحكومية والأهليـة ومتـعددة الجنسيات ، ونحن علاسون نفتعـل ادوار العـزة والكرامة .

يـا وطـن النهرين الرئيسيين والمذهبين الرئيسيين والقوميتين الرئيسيتين والحزبين الرئيسيين وكذلك الضفتين والشارعين والعشيرتين والمتشظـي في وحـدة وطنيـة مصابـة بـفـقـر الوحـدة وعاهـة الأنشطار، ايهـا المسروق والغائب عـن عيون اهلـه...نكرهه حبـاً ونهجـره شوقـاً ونتغرغـر فـي اسمـه كالمجانين وقـد تقطعت خيـوط الود بيننـا وبينـه مـن طـرف واحـد .

نخافك ايهـا الذي تدّعينـا وندّعيك ونكـره خوفنـا فيك وغربتنـا عنك وفيك مثلمـا نكـره الحب الذي لا يثمـر عشقـاً والأدعـاء مـن طـرف اللسـان .

تسألنـا الشوارع البعيـدة : ان كان لنـا وطنـاً يـومـاً ... ؟

- على مـا نعتقـد ، اجبناهـا .

- لا اعتقـد ... انكـم مجـرد عراقيون متطرفون فـي اوهامكــم .

هـل خلعتنـا مـن بين احضانـك ام هربنـا منـك محققـاً تنتـزع مـن قلوبنا عواطفهـا ... ؟

لا نتذكر سوى اننا نكره العـودة اليك مثلما نكـره رائحـة الكراهيـة والأحقاد وعفـونـة روائح بارود الأخلاق المتفجـرة ومنظـر بشاعات الفتنـة المستوردة .

فـي مكتبـه الذي استورثـه تـواً ، شاهـدنـا عيـون سعادتـه تفترس لحمـاً طريـاً لفتـاة فقـدت ذاتهـا واشياءهـا الأخـرى عنـد ابواب مكتب سيادتـه ولعابـه يسيـل اصفـراً كالقيـح على لحيتـه التـي جعلهـا خلط الأصباغ بلـون التبـن ... يشرعـن لهـا شروطـه واليتيمـة لا تملك شروطـاً ، لقد فقدتهـا عندمـا نـزعت اسمال صباهـا ، سوى ارتجافـة شفتيهـا ينشـدن :

حجـي مـد ايـدك وخـذ ظلـت عليـك

هـو مـن الباب للمحراب مبيوك الوطـن

هـذا وكتـك .. انـه حصتك بين اديك

حجـي مـد ايـدك وخـذ ....

صـاحب المكرمات والمواعظ ... منتصبـاً بكاملـه ، ينصب ويرفـع ويجرجـر ويجلـد المفردات عن ظهـر قلب ، يتأمـل طفلاً بـاع كـلـيـتــه قبـل عامين ليشتري شفـاء والديـه ، واخيـراً عاد يتيمـاً مكبلاً بشروط الجــوع ... وسيداً يفتـح مكاتبـاً لأعمـال الخيـر فـي اسواق الأرامـل لمـن يرغب ترقيـع شيخوختـه المتهتكـة فـي العراق الجديد ... وروزخونـاً كان يستدين اجـرة غرفتـه فـي المهجـر ، فأصبـح ـــ وفـي العراق الجديد ايضـاً ــ يؤجـر الناس حـزبـاً للأصلاح الوطنـي !!!! ... وفيك ايهـا الوطن شاهـدت عراقيـاً يصبـغ حـذاء شقيقــه فـي المذهب والقوميـة والعشيرة والحـزب .

لبسنا فيك ثـوب اللامعنى وحملناه ارثـاً وطنيـاً مرقعـاً بمفردات طفولـة كانت ، لكنهـا فقدت صلاحيتهـا ذكـريات لا تستحق الأجترار بعـد ان تعـرت عـن اسمال الفـرح .

بعـد اربعين عامـاً ، عدنـا اليك نبحث عـن صرختنا الأولى ودمعتـنا وابتسامتنا وافراح امـهاتنا ، سلمنـا على عمتـنا نخلـة الدار ، رشقتنـا بدموعهـا ... انهـا لا تأتمـن مـن عـاد متأخراً ، فحملنـا على اكتاف الجرح ذنوبـاً اقترفناهـا بأسمك ...

عـدت كغيري الى غربتي حيث امرأة لا تفهمنـي وحبـاً لا يعشقنـي ووحشـة سأمت غربتـي وصبـراً مـات فيـه الصبـر ، وحيث مقبـرة دفنـا فيها اعـز الأصدقاء... سألوني عنك ، ان كنت لا زالت تستحق عشقهم المقبور ... ؟ كذبت عليهـم وعنـد محراب مآساتهـم انشـدت ( مـوطنـي ... الجلال والجمال والبهـاء ... وعالياً ترفرف ... وحمـل جمـال ... ) .

ايهـا الذي تشبـه الوطـن ، ابحث فيك عـن فسحـة انصف فيهـا بقايـا دقات قلبي كـي ابسقهـا آمنـه مطمئنـة فـي حفـرة اسميهـا وطنـاً ، فوجدتك مزاداً محجوزاً للديدان ، تزدحـم فيك ، تتـدافع وتتحاصص فـي فـورة افتـراس علـى جسدك الذي كان وطنـاً .

ما كنـا فيك يومـاً كمـا ينبغي ان نكون ، كانت طفولتنـا تقاتـل الجوع فـي شوارع المـدن المكتضـة بالبطرانين ، يرعفون فـي وجوهنـا الفاظـاً مهينـة ــ شروكيـة ، معـدان ، واولاد شوارع ــ ثـم يأخـذنـا الغروب مثقلين بالأنكسارات الـى مقابـر الأحيـاء فـي الشاكريـة والميـزرة وخلف السدة وشطيـط وخان حجـي محسـن ، وفـي صبانـا نفـذت الأقدار مـا كان مكتوب على الجبين اقـامـة جبريـة خلف السدة والنهايـة والسلمان والأمـن والفضيليـة وابو غريب واوكار الأجهزة المختصة وغير المختصة وفـي كـل سجونك الممتـدة مـن شمال غربتـك الى جنوبهـا .

كان اوغاد الشذوذ العروبـي ممـن رضعوا روائــح روث العقائـد العفلقيـة ، يحتفلون في عرسهـم على بغـداد منـذ (45) عامـاً ، ثـم استورثوهـم ، رقصـة الدمار على صـدر تمـوز الوطـن ، يواصلون افتراسنـا ويشربون دمـاءنـا فـي حفلـة المـوت الجماعـي وليلـك يسخـر مـن استغاثـة اوجاعـنـا ولـم تحترم آدميتنـا كسجنـاء ندفـع ضريبـة عشقنـا اليـك .

ايهـا الذي نسميك وطنـاً وندّعيك مكابرة لـم تكرمنـا فـي قبـر انفـرادي فيـه خصوصيـة سيئآتنـا وحسناتنـا كمـا تفعـل الأوطان ويرغبـاه منـكــر ونكيــر ، رميتنـا فـي حفـر مكتضـة بالأخرين يتشاجرون مـع بعضهـم ، هـذه جمجمتـي وتلك اطرافك ... وهنـاك مـن يتقاسـم الأضلاع ، وبجانبنـا طفلـة تتوسـد طفولتهـا لعبـة سألت عـن امهـا ، وبدون اكتراث اجبناهـا : بأمكانك ان تبحثي عنها فـي مقبـرة جماعيـة اخـرى ، توسدت لعبتهـا وانشدت ( لعـيـون الـوطـن مـغـدوره انـام الليــل ) .

وجدنـا انفسنـا مهّجرين عنك او مهاجرين فيك وان لـم يسعفنـا الحظ فتصطادنـا شرطتك بكـل مـا للسذاجـة والرعـونـة تستنطـق فينـا حتـى النـوايـا ، ومـع الملايين تتسكـع اشواقنـا وعشقنـا عنـد منافـذ ازمنـة يحرسهـا المـوت المليشياتـي والمتبقـي مـن المراسيـم الجمهوريـة ... ومـن بعيـد نشاهـد بغـداد مسحوبـة مـن جدائلهـا لأحتفاليـة عـرس جـديد ، تراقـص حزنهـا فـي احضان فصلــة جـديدة للقـردة .

مـن انت ولمـن ايهـا الذي ندّعيك وطنـاً ... ؟ ايهـا المصنوع مـن عناد الذين لا يملكون فيك وطنـاً ويصرّون على انهـم يملكوك مـن طـرف واحــد .

اسمـح لي ايهـا الذي ادّعيك واعشقك واتمناك ان اكرهك لمـرة واحـدة عندمـا تكون نهـايـة غربتـي وحشـة تمتص فيهـا تلال الثلـج ما تبقـى مـن ملـح الجنوب فـي جسدي ويخنق البرد والضباب حـزن الجنوب فـي صراخ روحي ، واشعر ان ثمـة وطـن قـد مـات بين اضلاعـي ، وان شعاراتي وهتافاتي واناشيدي الوطنيـة والقوميـة والأمميـة والحزبيـة والعشائريـة كآخـر خيط بيني وبين الذي اسميـه وطنـاً قـد سقطت نهايـة مفجعـة فـي حفـرتي مـن دون ان تدّعيك ثانيـة .



20 / 07 / 2008



 


 

free web counter