حيدر سعيد
الخميس 16/3/ 2006
(لو جئت اليوم عليُ لحاربك الداعون اليك واسموك شيوعيآ)
حيدر سعيد
تتلمذ علـــــيُ (ع) في بيت الرسول محمد (ص) في تلك المدرسة التي اختزنت من المعارف والمثل الانسانية النبيلة الكثير، من هذه المدرسة جاءت بلاغته ومبدأيته وانسانيته واخلاصه وصدقه وآهليته واستعداده للتضحية من اجل مبادىءه ، خبر حركة المجتمع واقترب من كل مكوناته ، وخاصة كادحيه ، حيث تعرف بعمق عن معاناتهم وما يمتلكون من حيوية وبعد اجتماعي طبقي . كانت بصماته واضحة المعالم في الحياة الاجتماعية والسياسية ، حيث لم يستطع حتى المخالفين لفكره ان يستغنوا عن اراءه السديدة كالاخذ بمشورته في المنازعات والازمات ، في القضاء والسياسة والحرب .. صاحبت فترته الكثير من المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية خاصة في زمن الخليفة عثمان ، حيث نشأت طبقة من الاثرياء على حساب استغلال الطبقات الفقيرة ، مما دفعه نتيجة وعيه الثاقب والعميق لمجريات الاحداث ،واحساسه بمعانات البسطاء من الناس ، ان يحدد موقفه بجانب هؤلاء البسطاء ، ويلعب دورآ متميزآ في حشد الجماهير وتحويل مجرى نضالها بالاتجاه الصحيح وهو المطالبة بتغيير الوضع الناشىء وانتزاع حقوقهم ، من هنا وقع اختيار الفقراء عليه ، قائدآ لنضالاتهم ، كونه اكثر الموجودين قدرة وامكانية واستيعاب للمرحلة . جاء علي (ع) الى الخلافة يحمل برنامجآ اصلاحيآ يشمل الجوانب الاساسية في المجتمع ، ابتدأه بتغير بنية السلطة الفوقية والتحتية على حد سواء . انطلاقآ من فهمه بأن اية اصلاحات ستصطدم حتمآ بمعارضة من لدن الاجهزة الادارية والسياسية للسلطة السابقة التي ستفقد امتيازاتها ، محاولة منها في تعطيل كل اجراء اصلاحي وذلك بوضع العراقيل في طريقه . لقد ادرك علي ذلك ولهذا بدأ فترته بتطهير الادارات وعزل المسيئين الذي قال فيهم :
(... ولكني آسى ان يلي أمرهذه الأمة سُفهاؤها ،وفجًارُها ، فيتخذوا مال الله دُولآ ، وعباده خُولآ ، والصالحين حربآ، والفاسقين حزبآ ، فان منهم الذي قد شرب فيكم الحَرام ، وجلد حدًآ في الاسلام ، وان منهم من لم يُسلم حتى رضخت له على الاسلام الرضائخُ..) . –(نهج البلاغة) .
اما من حيث الحقوق فقد ساوى بين الناس على اساس الاخلاص ، ولم يفرق ابدآ بين المسلمين وغيرهم ، وكان واضحآ جدآ في ذلك حيث قال بهذا الخصوص :
( الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له والقوي عندي ضعيف حتى اخذ الحق منه) نهج البلاغة)
اما بخصوص سياسته بالجانب المالي فقد حارب دون هوادة الذين كونوا الثروات بشكل غير مشروع ، متبعآ المساوات والعدالة في التوزيع والعطاء ، متحديآ الطبقات الثرية الارستقراطية ، خاضعآ اياها الى المحاسبة والمساءلة ، امام القضاء ، ولم يعطيها الفرصة حتى تنهب وتسرق من اموال الشعب . وبذلك اغلق الباب بوجه المنتفعين .
بهذا المنهج المنصف لضعفاء القوم طبعت سياسته . مما جعل الطبقات المتضررة من هذه السياسة ان تتخذ موقف المعارضة ، وتبذل كل مالديها من اساليب كالمكر والخديعة وشراء الذمم وتشويه صورة علي وبرنامجه ، محاولة بذلك تجريد ه من قاعدته الواسعة بين صفوف المحرومين والفقراء ، حتى يسهل الاطاحة به . لكنه وبالرغم من معرفته بموازين القوى وخطورة الموقف استمر في نهجه الاصلاحي ملخصآ ذلك بقوله :
( فأما هذا الفيء فليس لاحد على احد فيه اثر’ ، وقد فرغ الله من قسمته ، فهو مال الله ، وانتم عباد الله المسلمون ، وهذا كتاب الله به اقررنا وله اسلمنا ، وعهد نبينا بين اظهرنا فمن لم يرضَ به فليتول كيف شاء ) . (نهج البلاغة)
كانت سياسة علي (ع) التي اعتمدت على مبادىء الامانة والانسانية والعدل والحرية ، قد تعارضت مع سياسة معاوية الذي اعتمد الارهاب بكل اشكاله والتجويع وتحريك القبائل ضد بعضها البعض واتخاذ الدين غطاءآ لتمرير اعماله الخبيثة والتنكيل بالذين يعارضون نهجه ، وذهب بأصحاب هذه السياسة التشكيك بأسلام علي ، كما شككوا من قبل بالنبي واتهموه بالسحر .
هكذا كانت مسيرة علي الاصلاحية ومواقفه المبدأية مع الفقراء والمحتاجين والدفاع عنهم وانصافهم . ولو قدًر لعلي ان يكون حاضرآ في هذا الزمن لخرج من يسميه شيوعيآ ، كون الشيوعيون هم من اكثر المدافعين عن البسطاء والكادحين وقدموا في سبيل الدفاع عنهم الاف الشهداء ووقفوا ببسالة ضد القهر والاضطهاد والدكتاتورية ومن اجل الحرية والديمقراطية .
نعم لو جاء عليٌ اليوم لحاربه الداعون اليه واسموه شيوعيآ .
السويد