| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الأربعاء 13 / 1 / 2016 حامد خيري الحيدر كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
سرقة آثارنا... نزيف متى يتوقف؟حامد خيري الحيدر *
(موقع الناس)يتفق الجميع أن آثار أية أمة هي بمثابة الأرث الحضاري والمعنوي لها، وهي دليل رُقيها وصورة مساهمتها في المسيرة الانسانية... ولاشك أن فقدان تلك الشواهد بسبب التخريب أو السرقة تعتبر خسارة لا يمكن تعويضها ليس فقط لبلدانها وشعوبها انما للعالم أجمع، باعتبارها تراثاً انسانياً عالمياً.ومما يؤسف له أن ظاهرة سرقة الآثار والمتاجرة بها أخذت تنتشر وتتوسع في الفترة الأخيرة أكثر من ذي قبل. كما أصبح لها مروّجيها ومتعاطيها، وأصبح لها مافيات عالمية خاصة تديرها ثبت ارتباطها بسياسات دولية واقليمية. والملاحظ أن هذه الظاهرة كما هي حال تجارة السلاح والمخدرات والرقيق الأبيض، تزدهر عند نشوب الحروب والاضطرابات السياسية، وحالات عدم استقرار الأنظمة الحاكمة... وهذا للأسف ينطبق بشكل كامل على واقع عراقنا الحبيب، خصوصاً خلال عقوده الأخيرة..
أما أذا تناولنا السبب الحقيقي لرواج هذه الجريمة فأعتقد أنه من السذاجة التصور أنها لأسباب مادية صرفة، وهنا لا أعني الحلقات الأولى الصغيرة من المُنفذين لها، أنما تلك اللوبيات السرية التي تقف خلفها، والتي غايتها الأساسية من ذلك سلب تراث الشعوب، للحط من قدرها وتفريغها من أرثها الثقافي الذي تفتخر به، ليكون ذلك جزء من عملية كبيرة وممنهجة، خاصة حين يضاف اليها مشروع أفراغ تلك الشعوب من كوادرها وعقولها العلمية وكفاءاتها المهنية لتتحول بمرور الزمن الى كيانات مسخة لا شكل لها....
ولو أننا أمعّنا قليلاً في دراسة التاريخ لتتبع الجذور الأولى لقضية سرقة ونهب آثار الشعوب، لوجدنا أن العراقيين القدماء كانوا أول من أبتدع هذه القضية ولنفس المبدأ تقريباً (مع الفارق الزمني طبعاً)، حين كان ملوك وادي الرافدين ينهبون كل ما خلفه أسلاف الشعوب المقهورة التي يحتلوها ليجعلوا من تلك الجريمة مفخرة لهم يتباهون بها في مسلاتهم و كتاباتهم الملكية.. ومن أمثال هؤلاء.. الملك (سرجون الأكدي) 2371 - 2316 ق.م عند احتلاله أرض الشام، أو (أشوربانيبال) 668 - 626 ق.م عندما قضى على دولة (عيلام)، و(نبوخذنصر) 604 - 562 ق.م حين سبى مملكة (يهوذا)..... ليأخذ التاريخ دورته فتنقلب الأدوار في زمننا الحاضر لتغدو أرض الرافدين هي الضحية هذه المرة (لترد لعنتنا الى نحورنا)....
من جانب آخر فأن هذه القضية لا تنطبق فقط على المؤامرات الدولية أو الاقليمية ممثلة بمنظماتهما المافيوية، بل أيضاً على الأنظمة الحاكمة أيضاً ولنفس الغاية السابقة ألا وهي أذلال شعوبها واهانة عراقتها لعقدة في عقلية هؤلاء الحكام وشعورهم الدائم بالنقص أمام شعوبهم...
وهذا ما لوحظ في العقد الأخير من القرن الماضي، وكيف انتشرت هذه الظاهرة في العراق مباشرة بعد تلقى الطاغية المقبور هزيمته المُذلة أمام التحالف الدولي أثر ارتكابه جريمته البشعة بغزو دولة الكويت، ثم نيله تلك الصفعة القاسية من قبل شعب العراق فيما بعد في انتفاضة آذار عام 1991، وشعوره بمدى كره الناس له. فحاول اهانة هذا الشعب، خاصة أهل الجنوب بأن أباح رموزه الآثارية ودلائل ماضيه الخالد الى مافيات ومُرابيي الآثار في الداخل والخارج، وليجعل من أزلامه سماسرة لهذه التجارة...
ثم بذات الوقت وبأسلوب دعائي كاذب ومفضوح لم يصدقه سوى هو، حاول الإيحاء بحمايته الآثار ودفاعه المتناهي عنها من خلال أقامته لبعض المشاريع الثقافية والاثارية التي توحي بذلك.... لتتم المسرحية وتلعب آخر أدوارها عند حدوث الاحتلال الأمريكي البغيض لوطننا العزيز عام 2003، وما جلبه من دمار شامل لأرض الرافدين . لتحدث الجريمة الكبرى حينها بحق آثارنا العظيمة، عندما نُهب المتحف الوطني بشكل سافر أمام مرأى ومسمع جنود الاحتلال دون يحركوا ساكناً لمنع هذه الكارثة المروعة.. ثم ليستمر هذا المسلسل المفضوح في زمن سيطرة (الدواعش) على أم الربيعين الشمّاء ليعيث هؤلاء المتخلفين دماراً ونهباً وخراباً بآثارها الخوالد، ليبقى هذا النزيف المميت دون ضماد أمام أعين الشعب، وكل الخيّرين في هذا العالم دون علاج شافي يعيد لأعظم رموز الحضارة الانسانية كرامتها.
* باحث آثاري