|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الأثنين  15  / 6 / 2026                                 حامد خيري الحيدر                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

أساليب التدوين التاريخي في وادي الرافدين

حامد خيري الحيدر  *
(موقع الناس)

يُعد التدوين التاريخي أحد أبرز النتاجات الفكرية لسكان بلاد وادي الرافدين بعد اكتشافهم الكتابة ورُسوخ حضارتهم المدنية، حيث أستوعب كتّاب البلاد منذ فترة مُبكرة مدى أهمية توثيق الحادثة أو الواقعة التاريخية، لقناعتهم الراسخة بأنهم ليسوا حديثي العهد بالحضارة وإنما وَرثة ماضٍ وتراث عريق يغور في أعماق االزمن، حتى أن كلمة "تاريخ" العربية مُقتبسة بالأساس من كلمة "وَرخو" الأكدية التي تعني "شَهر" والذي كان يُعتبر الوحدة الزمنية الأساسية لدى المجتمع الرافديني حسب التقويم القمري المعتمد لديهم، لذلك بدأ يتولد لديهم ما يُعرف بـ" الحِسّ التاريخي" أي الاهتمام بدوين الأحداث الهامة في مجرى حياتهم وبيان بداياتها، وذلك وفق أساليب متنوعة ومتعددة لكنها سَعت الى نفس الهدف والغاية المُتمثلة بكتابة مُجريات أيامهم من منظورهم الخاص، رغم عدم وصول الكتّاب بمدوناتهم تلك أسوة بباقي مؤرخي العالم القديم الى مرحلة التحليل والتفسير العلمي لطبيعة حركة التاريخ، وذلك راجع الى معتقداتهم الدينية المُسيّطرة والمُسيّرة لتوجههم الفكري، والتي صَوَّرت الآلهة بأنها الوحيدة التي تمتلك ناصية الحقيقة ومَلكة التمييز بين الخطأ والصواب ومعرفة النتيجة المُسبقة للحَدث مهما كان مَساره.

وقد سار التدوين التاريخي الرافديني وفق ذلك في عدة اتجاهات وأساليب، الأول هو التوثيق التاريخي من خلال ذكر حادثة تاريخية معروفة ومشهورة بين الناس لتكون نقطة معلومة في تثبيت وتحديد حوادث أخرى مرافقة لها أو تسبقها أو تعقبها زمنياً، مثل التوثيق بحادثة الطوفان الشهيرة أو عند تولي أمراء وملوك لحكمهم أو عند بناء معبد رئيسي أو حدوث حرب كبيرة، أما الثاني فيتمثل بمدونات قصص الأبطال والملاحم الأولى التي يُروى من خلال سَردها العديد من الاحداث التاريخية التي مَرت على البلاد والمدن من سياسية ودينية وعُمرانية رافقت سيّر أحداثها وتتابع مُجرياتها، مثل تشييد المدن والمُنشآت البنائية من معابد وأسوار وحَفر قنوات مائية أو تصور طبيعة الصراعات والعلاقات السياسية فيما بين المدن أو مع البلاد البعيدة، ومن أمثلتها "ملحمتي "لوكَال بندا" و"كَلكَامش"، والأسلوب الثالث كان عبارة عن جداول مدوَّنة مُطولة يُذكر فيها بشكل مُتسلسل أسماء الحكام من ملوك وأمراء مع سلالاتهم الحاكمة ومُدد وتواريخ حُكمهم، مع ذكر جانباً من الأحداث الهامة التي وقعت للبلاد خلال تلك الفترات خاصة الحروب والانتصارات العسكرية، ومن أمثلة ذلك جداول الملوك السومريين التي كتبت غالباً في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد وتَم فيها ذُكر السلالات التي حَكمت البلاد منذ أزمان سحيقة سبقت الطوفان وبعدها وحتى نهاية حكم سلالة أور الثالثة السومرية 2113-2006 ق.م، كما يَندرج ضمن هذا الأسلوب أيضاً كل من قوائم السلالات الحاكمة في بلاد "بابل" خلال الألف الثاني قبل الميلاد بحقبتيه العصر البابلي القديم والوسيط (الكشّي)، وقوائم الملوك المُتعاصرين لبلادي "بابل" و"آشور" خلال النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد، والتي تضمنت أسماء ملوك كل بلد ومُقابله الملك الذي عاصره من البلد الآخر، وكذلك قوائم الملوك الآشوريين خلال فترة العصر الآشوري الحديث 911-612 ق.م المعروفة بـ"لمّو" التي تورد الأحداث التي جَرَت خلال سنوات حكم كل ملك.

ويُمكن اعتبار الكتابات التذكارية الرسمية بمَثابة نوعاً رابعاً من التدوين التاريخي، وهو أسلوب دأب حكام وداي الرافدين على العمل به منذ فترات مبكرة، الغاية منه توثيق الأعمال الهامة التي نَفوذها باسم الآلهة وقدموها لها كجزء من مسؤوليتهم تجاهها، سواء بناء المعابد أو عمل المشاريع الإروائية أو الانتصارات العسكرية أو الأنشطة الاقتصادية أو الجوانب الاجتماعية، وغالباً ما يَجري تدوين تلك الكتابات على أنصاب كبيرة جزء منها مُنفذ بالنحت بالبارز، يتم وضعها في المعابد الكبيرة أو الساحات العامة كي يراها عامة الناس وتكون بمثابة دعاية للسلطة الحاكمة، ومن أمثلة ذلك الألواح النذرية السومرية العائدة للألف الثالث قبل الميلاد، والمَسلة المعروفة باسم "مَسلة النصر" للملك الأكدي الرابع "نرام سين" 2291_2255 ق.م ومَسلات الملوك الآشوريين خلال العصر الآشوري الحديث، ويُضاف الى هذا الأسلوب من الكتابات أيضاً ما يُعرف بالحوليات الملكية التي يُدوّنها الملوك كل عام بشكل مُتسلسل تؤرخ أعمالهم التي قاموا بها خلال عام، كي يقدموها بشكل تقارير موّثقة عند عيد رأس السنة الى معبد كبير آلهة البلاد من أجل نيل مباركته وتجديد حُكمه، ومن أبرز وأهم هذه الحَوليات ما كان يُدونه ملوك العصر الآشوري الحديث، والتي تُعتبر بمثابة وثائق تاريخية تسجل إنجازات وأحداث حقب حكمهم.

ويُعتبر الصنف الخامس من المُدونات التاريخية أبرز تلك الأساليب وأكثرها أهمية، حيث أنها تُمثل الكتابة التاريخية المباشرة التي يتم فيها ذكر خلفيات الواقعة التاريخية ومُسبباتها وتسلسل الأحداث التي رافقت سيرها، أي أنها تذكر وأن بشكل غير مُعمّق الأسباب التي أدت الى نتائجها الظاهرة، ومن أقدم تلك المدونات النص المُسمى ("كلكَامش" و"أكَا") العائد الى أواخر عصر دويلات المدن السومرية الثاني 2800-2600 ق.م والذي يُصور أحداث الحرب بين مدينتي "أوروك" و"كيش" وفيه ترد أقدم إشارة الى طبيعة النظام البرلماني الذي كانت يُدير المدن السومرية حينها، ومن الأمثلة الهامة أيضاً عن هذا النوع من المدونات النص التاريخي العائد لأواسط الآلف الثالث قبل الميلاد والذي يصور النزاع الطويل بين مدينتي "لكَش" و"أوما" السومريتين ومراحل حربهما المشتعلة على مدى حِقب عديدة نتيجة خلافهما على الأراضي الزراعية ومصادر المياه، وكذلك النص الذي تركه المُصلح الحكيم "أوروأنمكَينا" أمير دويلة "لكش" عام 2400 ق.م ضمن اصلاحاته الاجتماعية الشهيرة وفيه وَصف لطبيعة النظام الديني الاقطاعي المتنفذ في البلاد والأحوال الاجتماعية البائسة لعامة الناس في ظلها، وكذلك نَص "حرب التحرير" الذي تركه الأمير "أوتوحيكَال" حاكم مدينة "أوروك" عام 2120 ق.م بعد توحيده البلاد وتزعم مُدنها للانتصار على جيش "الكَوتيين" الغزاة وتحرير "سومر" من سيطرتهم، وأيضاً النص المَعروف باسم "وثيقة النصر" الذي تركه "نبوخذ نصر" الأول ملك سلالة "أيسن الثانية"/"بابل الرابعة" عام 1110 ق.م بعد طرده العيلاميين من جنوب وادي الرافدين، بالإضافة الى العديد من الكتابات الهامة الأخرى التي تركها ملوك "بابل" و"آشور خلال الألف الأول قبل الميلاد التي وثقت جوانباً من تاريخهم، ليصل بعدها التدوين التاريخي الرافديني أوج قمته خلال القرن الثالث قبل الميلاد، عندما ألف الكاهن البابلي "برحوشا" كتابه المُفصّل الضخم عن تاريخ بلاد وادي الرافدين منذ أزمان ما قبل الطوفان وحتى زمن حُكم "الإسكندر المقدوني" للبلاد 333_323 ق.م، لكنه فُقد للأسف ولم يتبق منه سوى اقتباسات قليلة وَردت خلال فترات لاحقة ضمن مؤلفات المؤرخين اليونان والرومان الكلاسيكيين.


المصادر:
- صموئيل نوح كريمر ... من ألواح سومر ... ترجمة/ طه باقر ... بغداد 1957
- طه باقر ... مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة / الجزء الأول ... بغداد 1973
- عبد الرضا الطعّان ... الفكر السياسي في العراق القديم ... بغداد 1981

_ A.L. Oppenheim … Ancient Mesopotamia … CHICAGO 1977
_ G. Contenau … Everyday Life in Babylon and Assyria … NEW YORK 1966
_ H. Saggs … The Greatness that was Babylon … LONDON 1966
_ H. Saggs … The Might That Was Assyria … LONDON 1984
_ S.N. Kramer … The Sumerians … CHICAGO 1963
 

* باحث آثاري

 

 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter