|  الناس  |  المقالات  |  الثقافية  |  ذكريات  |  المكتبة  |  كتّاب الناس  |
 

     
 

الجمعة  29  / 5 / 2026                                 حامد خيري الحيدر                                   كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس

 
 

 

نظرة على مبادئ علم الرياضيات في وادي الرافدين

حامد خيري الحيدر  *
(موقع الناس)

اعتبرت الرياضيات أحدى أهم العلوم التجريبية والتطبيقية التي برع فيها سكان وادي الرافدين منذ فترة مبكرة من تاريخهم، وفيها أسسوا وابتكروا نظماً وقواعد علمية خاصة لازالت مُعتمدة ومعمولاً بها حتى الوقت الحاضر والتي نُسبت خطأً الى اليونانيين بعدهم بقرون عديدة، وكان ذلك حاجة ضرورية واجبة بالنسبة لهم فرضتها مُتطلبات تشييد مدنهم الأولى في الألف الرابع قبل الميلاد حيث جَرى وأستمر بنائهم الحضاري المُطرد في المراحل التاريخية اللاحقة بتطوراته وتقسيماته المتنوعة في حقل البناء المعماري والتخطيط العمراني للمدن، وكذلك عند تحديد مساحات الأراضي وحساب الموارد الاقتصادية ونِسب توزيعها وتقدير الكلف التجارية، وتنظيم مشاريع الري وبناء السدود وتقدير مقادير استيعابها وكميات تصريف مياه جداولها وسواقيها، كل ذلك جعل الرياضات في حالة تطور مستمر حتى أكتمل نضجها وتفاصيل استخداماتها وكيفية تطبيقاتها سواء في الحسابات الجبرية أو النظريات الهندسية خلال فترتين من تاريخ البلاد، الأولى في فترة العصر البابلي القديم 2006 - 1595 ق.م والثانية خلال فترة الحكم السلوقي 312 - 126 ق.م والتي جاءت منهما معظم الألواح المسمارية الرياضية.

كانت أولى خطوات نشوء الرياضيات الرافدينية هو اهتداء أهل البلاد الى فكرة العدد بمعناه المُجرَد وتصوره بمَعزل عن الشيء المادي المعدود، وعند ابتكار الكتابة في أواسط الألف الرابع قبل الميلاد جَرى تدوين الأرقام لتُعبر عن أشياء مُعيّنة ملموسة، حيث كان الأساس في ذلك هو تدوين واردات ومُمتلكات المعابد الاقتصادية ليظهر على أثرها مفهوم الحِساب، وقد عَرف سكان وادي الرافدين نظامين حسابيين هما العُشري والستيني واستخدموا كلاهما جنباً الى جنب في كتاباتهم الرياضية، وكانت البداية باعتماد النظام العشري الذي يجعل من الرقم 10 ومضاعفاته أساساً للعَدّ، وأصوله ترجع الى استخدام الأنسان لأصابع يده العشرة في ذلك، ثم تم اعتماد النظام الستيني الذي جَرى استخدامه بالدرجة الأولى في المعادلات الرياضية والحسابات الفلكية وحساب الوقت والموازين والمكاييل، ويعتمد هذا النظام على الرقم 60 أساساً له مع استخدام أجزائه ومضاعفاته، وذلك لفوائده العملية ومرونته العددية، حيث أنه يقبل التحليل الى عوامل كثيرة (1 ،2 ، 3 ، 4 ، 5 ، 6 ، 10 ، 12 ، 15 ، 20 ، 30 ، 60) وبذلك يُمكن كتابة أجزاء الوحدة الأساسية وهي 60 بأرقام صحيحة، فإذا أريد التعبير عن نصف الوحدة كتب 30 وعن ربع الوحدة كتب 15 وعن ثلتها كتب 20 وهكذا، أما كيفية كتابة أرقامها فكانت تتم بتعدد العلامات المسمارية وفق قيمة الرقم المُرات كتابته، معتمدين علامة المسمار العمودي للدلالة على الرقم 1 وحتى الرقم 9 ثم يُكتب بعدها الرقم 10 بشكل زاوية مسمارية، وهكذا تتم كتابة الأرقام بشكل مُختلط من العلامات المسمارية العمودية والزوايا وصولاً الى الرقم 60 الذي تتم كتابته بنفس صورة الرقم 1.

كما توصل الرافدينيون القدماء الى مفهوم المرتبة العددية الذي يُحدد قيمة الرقم ضمن مجموعة أرقام حسب موقعه أو مرتبته منها، ففي النظام العشري تتوقف قيمة الرقم على مرتبته أن كان من الآحاد أم العشرات أم المئات... الخ، وتتضاعف قيمة الرقم عشر مرات كلما انتقل من مرتبة الى اخرى باتجاه اليسار، فالرقم 3 قد يُكتب ليعني ثلاثة فقط وقد يُكتب ليعني 30 أو 300 أو 3000 وهكذا من مضاعفات الرقم حسب النظام العشري وذلك استناداً الى موقعه في الرقم الكلي، ونفس هذا المبدأ ينطبق على النظام الستيني أيضاً حيث قد تعني العلامة المسمارية التي تدل على رقم 60 كذلك قد تعني 360 أو 3600 أو أي من مضاعفات الرقم 60 المضروبة بنفسها أو بعشرة أضعافها، وحيث أن الرياضيات الرافدينية لم تعرف مفهوم المرتبة الخالية أي الصفر العددي إلا في فترة متأخرة نسبياً وغالباً كان ذلك ما بين القرنين السابع والخامس قبل الميلاد، فقد كان يتم التمييز بين مرتبة وأخرى وفق أسلوب وشكل علامات الأرقام أما من ناحية الحجم أو كتابة الأرقام متباعدة عن بعضها إشارة الى مرتبة كل رقم منها، أما بعد ابتكار مفهوم الصفر فقد استخدمت علامة خاصة دالة عليه كانت تُكتب في وسط الأعداد وليس في آخرها وتكون بشكل زاويتين مسماريتين أو ثلاث واحدة فوق الأخرى.

وللتعامل مع كِلا النظامين الرقميين العشري والستيني أستخدم الرافدينيون القدماء العمليات الحسابية الأساسية الأربع (الجمع، الطرح، الضرب، القسمة) التي عرفوها هي كذلك منذ فترات مبكرة جداً، حيث عبّروا عن عملية "الجمع" بوضع العلامة المسمارية "آنا" بين الرقمين، أما عملية "الطرح" فكانت تتم بوضع العلامة المسمارية "لال" بين الرقم الأول المَطروح منه والثاني الرقم المطروح، كما استخدمت العلامة المسمارية "آرا" للدلالة على عملية "الضرب" حين توضع بين رقمين، أما عملية "القسمة" فقد كانت تتم بضرب العدد المُرات تقسيمه في كسر الرقم 1/...، ثم تُستظهر قيمة معكوس الأعداد من جداول مُعدّة لهذا الغرض، ويُقصد بمعكوس العدد هو الرقم الذي إذا ضُرب به العدد نَتج عنه الوحدة العددية، وحسب النظام الستيني فأن معكوس العدد هو الرقم الذي إذا ضُرب به العدد نتج عنه الرقم 60 الذي يُمثل الوحدة العددية الأساسية لهذا النظام، كما أستخدمت في العمليات الحسابية العديد من المصطلحات الرياضية السومرية مثل "شو.نيكَين" التي تعني "المجموع العام للأعداد" و"أيب.سي" التي تعني "الجذر التربيعي" و"با.سي" التي تعني "الجذر التكعيبي".

وقد تضمنت النصوص الرياضية المكتشفة في وادي الرافدين أنواع عديدة ومتنوعة من الجداول الرياضية، كان يُستفاد منها من قبل الكتبة عند أجراء حساباتهم اليومية خلال عملهم، كما كان بعضها يُستخدم لتدريب الطلبة في المدارس وتدريسهم مبادئ الرياضيات والحساب، قسم من تلك الجداول تتضمن مقادير الأوزان والمكاييل والمقاييس، وأخرى تتضمن عمليات الضرب المطولة ومعكوس الأعداد الصحيحة، كما كانت هناك أيضاً جداول مربعات الأعداد ومكعباتها ولوغاريتمات بعض الأعداد وكذلك جداول بجذور الأعداد التربيعية والتكعيبية، كما تضمنت النصوص أيضاً أنواعاً مختلفة من المسائل الرياضية الجبرية والهندسية وطرق حلّها، فيما يَخص الجبرية فقد تناولت مسائل حساب الكسور والمسائل "الأسّية" و"الآنية" من الدرجة الأولى المحتوية على مجهول واحد أو عدة مجاهيل، إضافة الى أخريات من الدرجة الثانية والثالثة وغيرها من المعادلات، وما يُلاحظ في هذه النصوص أن أساليب حل المسائل الرياضية لم تتم بواسطة الرموز والإشارات فقط وإنما بربطها بممارسات عملية حياتية على علاقة مباشرة بحياة النسان اليومية، مثل حفر قناة مائية أو بناء سور مُعيّن ذو قياسات خاصة وما يحتاجه من مواد انشائية، أو تقسيم حقل كبير وفق نسب مُحددّة، كم تضمنت النصوص الهندسية طرقاً لإيجاد مساحة المربعات والمُستطيلات وشُبه المُنحرف والمثلثات القائمة الزاوية والمُتساوية الأضلاع والمُتساوية الساقين، منها نظرية المثلث القائم الزاوية المنسوبة الى العالم اليوناني "فيثاغورس"570 - 495 ق.م، وأيضاً كيفية احتساب محيط الدائرة ومساحتها وعلاقة ذلك بقطرها ونصف قطرها، بالإضافة الى أجزاء الدائرة الأخرى مثل القوس والوتر، وكذلك قياس حُجوم العديد من المُجسمات مثل المُكعّب والأسطوانة والمَخروط الكامل والمقطوع والهرم الكامل والمقطوع وغيرها من الأشكال الأخرى.



المصادر:
- جورج سارتون... تاريخ العلم/ الجزء الأول ... ترجمة/ طه باقر وآخرون ... القاهرة 2010
- طه باقر ... موجز في تاريخ العلوم والمعارف في الحضارات القديمة والحضارة العربية الإسلامية ... بغداد 1980
- عامر سليمان ... العراق في التاريخ القديم / الجزء الثاني ... الموصل 1993
- فاروق ناصر الراوي ... العلوم والمعارف / الرياضيات ... حضارة العراق / الجزء الثاني ... بغداد 1984
- G. Contenau … Everyday Life in Babylon and Assyria … LONDON 1954
- H. Saggs … The Greatness that was Babylon … LONDON 1966



* باحث آثاري

 

 

 

 

 

 

 Since 17/01/05. 
free web counter
web counter