| الناس | المقالات | الثقافية | ذكريات | المكتبة | كتّاب الناس |
الثلاثاء 30 / 6 / 2026 حامد خيري الحيدر كتابات أخرى للكاتب على موقع الناس
المعاهدات والاتفاقيات السياسية في وادي الرافدين
حامد خيري الحيدر *
(موقع الناس)
كانت المعاهدات والاتفاقيات السياسية من أبرز الوسائل التي اعتمدتها الأنظمة الحاكمة في بلاد وادي الرافدين القديمة منذ فترة مبكرة من تاريخها وعلى مدار حِقبها المتعاقبة، لتنظم علاقاتها السياسية مع مختلف الأطراف سواء مع المدن الأخرى أو مع البلاد والأقاليم البعيدة، وكانت تلك المعاهدات تُعقد أما لحل مُشكلة أو فَض نزاع ما نَتج بسبب تضارب مصالح الأطراف المتعاهدة، أو لبلورة وتحديد مآربها ونفوذها ومناطق حركتها وانشطتها الاقتصادية والاجتماعية والسكانية أو لعقد تحالفات عسكرية ضد طرف أو أطراف أخرى، من أجل المنفعة المتبادلة ودرء الحروب وأبعاد شبح الاقتتال الدموي أو لتقاسم اسلاب وغنائم الدول والممالك المُنهارة، وكان عقدها يتم أما بشكل مباشر بين أطرافها والمُستفيدين منها بعد وصولهم لقناعة وجوب أبرامها، أو بواسطة وتحكيم طرف آخر له سلطة قوية أو علاقة مَتينة أو نفوذ معيّن عليهم أو لمصلحة خاصة يجنيها هو الآخر نتيجة ذلك أو بمُحصلته النهائية، وقد يجري خلال عقد المعاهدات السياسية ومن أجل ضمان تنفيذ بنودها اعلان حالة زواج ومُصاهرة بين أشخاص يُمثلون أطرافها.
وكان قد وَرَد المُصطلح المُعبّر عن مفهوم "المعاهدة" بالسومرية بصيغة "سيليم" التي تعني "سلام" وقد انتقلت الكلمة بنفس المعنى الى الأكدية وبصيغة مقاربة هي "شلام" أو شولوم"، ومن هاتين الصيغتين جاءت الكلمة العربية "سلام" بمعناها المُجرد، كما وَرد للمعاهدة مصطلح آخر وَرد بالأكدية بصيغة مَجازية هي "نيش أيلاني" وتعني "قَسَم الآلهة" بدلالة أن المعاهدات كانت تُبرم بين اطرافها بالقسم باسم الآلهة لمنحها المصداقية والبُعد الديني لتكون شاهدة عليها، كوّن الحكام حسب المعتقدات الرافدينية هم وكلاء الآلهة في الأرض وأن تلك المعاهدات أنما تتم في حقيقتها بين الآلهة تفسها المُمثلة لأطرافها المتنازعة، أما مصطلح "عقد المعاهدة" فقد جاء بالأكدية بصيغة "أبيشو شلاموم" وتعني "صُنع السلام"، وكذلك المصطلح الأكدي "شاليمام شكانوم" ويعني "تثبيت السلام" أو إرساء السلام"، وخلال الفترة الأشورية المتأخرة في الألف الأول قبل الميلاد وَرَد وأنتشر تعبير لغوي بالأكدية الآشورية يُمثل مفهوم المعاهدة هو "آدي" ويعني "عهد" التي جاءت منه الكلمة العربية ذاتها.
كانت أقدم إشارة عن بواكير المعاهدات السياسية التي عقدها حكام وادي الرافدين قد وَرَدت في الملحمة القصيرة المعروفة في الأدب الرافديني باسم "أينمركَار وحاكم آراتا"، التي بيّنت طبيعة المفاوضات التي جَرَت بين "أينمركَار" ثاني ملوك سلالة "أوروك" الأولى العائدة الى بدايات عصر دويلات المدن السومرية الثاني بحدود 2800 ق.م، وبين "آنوكشيرانا" حاكم الاقليم الجبلي المُسّمى "آراتا" الواقع في الأجزاء الغربية من أيران، من أجل تأمين الطرق التجارية لغرض حصول "أوروك" على المعادن الهامة والاحجار الكريمة، والتي انتجت أتفاقاً يقرب الى صيغة معاهدة رسمية ضَمنت مصالح "أوروك" الاقتصادية، وهذه تُمثل أقدم معاهدة سياسية تتم بين وادي الرافدين وطرف أجنبي خارج حدوده الجغرافية، ومن أهم وأبرز المعاهدات السياسية أيضاً تلك المُبرمة خلال عصر دويلات المدن السومرية الثاني بحدود 2650 ق.م بين دويلتي "لكَش" و"أوما" السومريتين" بتحكيم وضمان "ميسليم" ملك كيش"، تمت بين طرفيها من أجل أيقاف التقاتل بين المدينتين وتقاسم الأراضي الزراعية وحصّص الإرواء المائية بينها، وتُعدّ أقدم معاهدة مُوَّثقة معروفة في التاريخ تُبيّن الشروط والأحكام وواجبات التنفيذ، وكذلك المعاهدة التي فرضها الملك الأكدي الرابع "نرام سين" 2291-2255 ق.م على الملك العيلامي "خوتا" الذي أعترف ضمنها بخضوعه وبلاده للسلطة الأكدية مقابل منح "عيلام" السلام والعيش بشكل مُستقر، ومن المعاهدات المهمة في التاريخ الرافديني التي تحمل رمزية خاصة، معاهدة "أوتوحيكَال" أمير سلالة "أوروك" السومرية الخامسة مع أمراء عدد من المدن السومرية الأخرى منها "أور" و"لكَش"، وتم خلالها الاتفاق على تسوية الحدود بينها وأيضاً توحيد جيوشها من أجل تحرير بلاد سومر من الاحتلال "الكَوتي" وهذا ما تم فعلاً عام 2120 ق.م في أول حرب تحررية عرفها التاريخ.
كما تُعد المعاهدات السياسية التي عقدها الملك البابلي المُحنَّك "حمورابي" 1792-1750 ق.م مع عدد من ملوك فترة العصر البابلي القديم 2006-1595 ق.م منهم الملك الآشوري "شَمشي أدد الأول" 1813-1781ق.م وملك "لارسة" "ريم سين" 1822-1763 ق.م وملك "ماري" "زمريلم" 1778-1761 ق.م من الدلائل القوية التي تُبيّن طبيعة العلاقات الدائرة بين ممالك تلك الحقبة التاريخية، والتي كان طابعها العام تضارب المصالح وتقلبات المَآرب، فعمدت تلك المعاهدات للمهادنة والمُجاملة والتهدئة بينها تارة والى فرض الإرادات السياسية بالقوة العسكرية تارة أخرى، أما المعاهدات التي تم عقدها خلال العصر "الكشّي"/البابلي الوسيط 1595-1168 ق.م فكانت تهدف بشكل أساس الى التوازن والتهدئة وترقب نتائج الصراعات المحتدمة بين القوى الكبرى في الشرق الأدنى القديم المُتمثلة آنذاك بمملكة وادي النيل والمملكة "الحثيّة" في آسيا الصغرى والمملكة "الميتانية" في شمالي وادي الرافين وبلاد الشام، وكان من أبرزها المعاهدة التي عُقدت بين الملك "الكشّي" "بورنابوريش الثاني" 1375-1347ق.م وبين الفرعون المصري "أمنوفس الرابع"/"أخناتون" 1367-1350 ق.م، من أجل تنظيم وتطبيع العلاقات بين بابل ووادي النيل، وكذلك المعاهدة التي عقدت بين الملك ال الملك "الكشّي" "كدشمان أنليل الثاني" 1279-1265ق.م مع الملك "الحثّي" "حاتوشيلش" والتي سارت وفق نفس هدف وغاية سابقتها.
ومع حلول الألف الأول قبل الميلاد برزت الدولة الأشورية كقوة عسكرية وسياسية عظمى في منطقة الشرق الأدنى القديم خلال فترة العصر الآشوري الحديث 911-612 ق.م، ويُمكن اختصار تاريخها بأنه جملة من الحروب والمعاهدات السياسية مع شتى الأطراف الداخلية والخارجية، تمكنت خلالها من خلق فكر سياسي معقد يجمع بين الترهيب العسكري والدهاء السياسي تم توظيفه ببراعة متناهية في تثبيت أركان حكم الدولة وتوسيع مناطق نفوذها لمديات أوسع وأكبر، وكان من أهم المعادات التي عقدتها الدولة الآشورية الحديثة تلك المُبرمة مع ملوك "بابل" لتبادل المصالح الاقتصادية وإحلال السلام بينهما، من أبرزها ما تم عقده بين الملك "شلمنصر الثالث" 858-824 ق.م مع الملك البابلي "نابو أبلا أدينا" 885-852 ق.م نصت بعدم التجاوز على حدود كِلا الجانبين واحترام المصالح التجارية بينهما، ومن المعاهدات المهمة آنذاك أيضاً ما عقده الملك "أسرحدون" 680-669 ق.م مع "بعل" حاكم مدينة "صور" في بلاد الشام ومن خلالها أصبحت المدينة خاضعة وتابعة للسلطة الآشورية مُقابل بعض الامتيازات التجارية وحقوق الأبحار للمدينة، وكذلك تلك المنعقدة بين الملك "آشوربانيبال" 668-626 ق.م مع بداية حكمه والفرعون المصري "بسماتك"، وبموجبها اعترفت سلطة وادي النيل بسيطرة الآشوريين على مَمالك ومدن بلاد الشام، ومن أهم المعاهدات السياسية التي عُقدت خلال الألف الأول قبل الميلاد كانت المعاهدة الكبيرة التي غيرت جانباً من تاريخ وادي الرافدين وتم عقدها بين ملك الدولة البابلية الكلدية "نبوبلاصر" 626-605 ق.م وبين "كي أخسار" ملك "ميديا"، من أجل القضاء على الدولة الآشورية وسَلب ممتلكاتها وأماكن نفوذها وسيطرتها، تمت خلالها علاقة مُصاهرة بين الجانبين تزوج بموجبها ولي العهد البابلي حينها "نبوخذنصر الثاني" 605-562 ق.م من "أماتيس" أبنة الملك "الميدي"، وقد تحققت أهداف هذه المعاهدة بعد سنتين من أبرمها مع أسقاط طرفيها للدولة الآشورية وعاصمتها "نينوى" عام 612 ق.م واقتسام أسلابها.
المصادر:
_ طه باقر ... مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة / الجزء الأول ... بغداد 1973
_ عامر سليمان ... العراق في التاريخ القديم ... الجزء الأول ... الموصل 1993
_ عبد الرضا الطعّان ... الفكر السياسي في العراق القديم ... بغداد 1981
_ A. Olmstead … History of Assyria … CHICAGO 1990
_ G. Roux … Ancient Iraq … LONDON 1964
_ H. Crawford … Sumer and the Sumerians … NEW YORK 1991
_ L. Delaport … Mesopotamia … LONDON 1970
_ S.N. Kramer … The Sumerians … CHICAGO 1963* باحث آثاري