| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

حميد الخاقاني

 

 

 

الثلاثاء 11/10/ 2011



جدل هادئ ومتأخر مع عبد الخالق حسين (2)

في هويـة الدولــة وعلاقتـها بالناس

حمـيد الخاقاني

للدكتور حسين رأي آخر، واجتهاد مختلف، فيما أوردتُه، في مقالتي تلك، من أن الدولة، عندنا، لم تعد للناس بعدُ، فنراه يذكر في نقده لهذا الاجتهاد بأن "هذا الكلام غير دقيق، لآنه وكما بينا أعلاه، أن الدولة تتكون من الشعب، والوطن، والسلطة، والسيادة، لذلك فالسلطة أو الحكومة هي جزء من الدولة وليست كل الدولة. فالدولة هي دولة الشعب في جميع الأحوال".

يُقيمُ السيد الكاتب حكمَه القاطع هذا على أن السلطة جزء من الدولة، وليست الدولة كلها. وهذا افتراض صحيح، من الناحية النظرية، نجده في الكتب المدرسية التي تتناول موضوع الدولة بصورة عامة. ولكن هذه الصورة المثالية عن ملكية الشعب للدولة، والتي يرى أنها موجودة في جميع الأحوال، حتى ولو كانت الحكومة مغتصبة للسلطة، كما يقول في نقده، نعثر عليها في "كلام الكتب الجميل!"، وفي الدساتير كذلك. كما نسمعها في خطابات الساسة، ولا نراها في الحياة دائما، خاصة في حياتنا العربية التي تتظافر على تحديد حركتها، في الأساس، ثقافتان موروثتان : بطرياركية (أبويةـ ذكورية) ذات أردية قبلية غالباً، وأخرى دينية أخذت الكثير من عناصر تلك وأنماط تفكيرها.

ليست مقولات هاتين الثقافتين، أو أية ثقافة أخرى، وما قد تنطوي عليه من وعود جميلة، هي وحدها من يحدّد دقةَ الكلام، أي كلام، وصوابه من عدمه، وإنما الحياة الواقعية وتجارب البشر فيها. الحياة وتجاربها ينبغي لهما أن يكونا هما المعيار الأصلُ في الحكم على الناس والأشياء والمفاهيم، وليست الدساتير أو الشعارات والنصوص، في أي كتاب أو سِفْر وردت، أو ما يتصوره أحدنا من أنه قد "بيَّنَ الأمرَ أعلاه"، وليس على الناس إلا أن يُقِرّوا بما بيَّنَ وقال، وكفى.

لم تقم دولة المواطنين والناس الأحرار عندنا بعد. لا في الماضي ولا في الحاضر. مثل هذه الدولة نراها اليوم قائمة فقط، وهو ما يعرفه الدكتور حسين، في بلدان الديمقراطيات الحقيقية التي تتطور ديمقراطيتها وتتكامل باستمرار، على ما فيها من عيوب هنا وهناك، وما تعيشه من مشكلات كذلك. دساتير هذه البلدان التي تقع جميعها في "ديار الكفر!" تقريباً، ديمقراطية حقا، ومدنية حقاً. ليست هجينة، كما هو الحال في ديارنا "المباركة" نحن. صياغاتها عند أولئك الناس "الكفَرَة!" واضحة، لا تتناطحُ موادُ وفقراتٌ فيها مع بعضها البعض، تسعى الواحدة منها لنسخ الأخرى، ونصب الفخاخ لها، مثلما هو حال دستورنا مثلا. وهي بلدان لا سعةَ في المكان، عندها، لازدواجية الساسة، حيث حبل الكذب فيها قصير، يصعب، معه، على السياسي أن ينام على كذبه وخداعه طويلاً، وحيث الناس، في غالبيتهم، ومعهم الكثير من منابرهم وألسنتهم الإعلامية، ذوات حرة، واعية، مستقلة عقلياً وثقافياً عن الحكام وأحزابهم، لا تُسلمُ قيادها لهم، بشكل أعمى، حتى لو رأت فيهم، بين حين وحين، تجسيدا لأحلامها وحاجاتها.

استقلالية المحكومين عن الحكام عقليا وثقافيا هي شرط الحيلولة دون إلحاق الدولة بالحكام وأحزابهم، ومصادرة الأوطان لصالحهم بالتالي. وأراني أتطابق هنا، تماما، مع ما يراه المفكر والسياسي الماركسي الإيطالي (غرامشي)، من أن المهمة الأساسية للمثقف هي السعي لتحقيق مثل هذه الاستقلالية، والحفاظ عليها، وليس الوقوف على أبواب الحكام وبذل النفس للالتحاق بهم طمعاً في عطاء أو منصب ما. وتبدو هذه المهمة أشد أهمية، في بلدنا خاصة، حيث تسود ثقافة الإتباع والتقليد التي تجعل عامةَ الناس تتبع صفيرَ من تظنهم رعاتَها، وترتضي أن يسوقها هؤلاء أمامهم، لا أن تسوقهم هي أمامها. الأحزاب المتنفذة، عندنا، تشتغل لتأبيد هذه الثقافة، وإرساء دعائم سلطتها على قواعدها.

ولعل السيد حسين يعرف أن ثاريخ نشوء الدول يُظهِر لنا بأن الدولة ليست تكوينا ينشأ في فراغ، بمعزل عن القوى السياسية والاجتماعية التي تبني هذه الدولة ومؤسساتها، وتضع لها دستورَها وقوانينَها، وتقيم لها نظامها السياسي، وتخوض الصراعات لتحقيق ذلك. وأفترض أن السيد حسين على علم بأن التاريخ البشري عرف، وما يزال، نماذجَ مختلفة للدول، ينبع اختلافها من اختلاف نُظُمها السياسية، والقوى الاجتماعية الغالبة على السلطة والدولة فيها، وهو ما يؤثر، بدوره، على علاقتها بالناس وعلاقتهم بها.

إذن ثمة علاقة جدلية بين السلطة وأحزابها ومنظومتها الفكرية وبين الدولة. وغالباً ما يحدث، خاصة في بلداننا، نوع من التماهي بين هذه الحكومات وأحزابها وأيديولوجياتها وبين الدولة، وتجري مصادرة الأخيرة، وتجييرُها لصالح الأولى في الكثير من الحالات.

عندنا اليوم، في العراق، حالة مشابهة، لا تصعب رؤيتها على من لعقله عينان تُبصران. فمثلاً حين يكون لهذه الوزارة، أو تلك، عشرون مديرا عاما، سبعةَ عشر منهم ينتمون لحزب الوزير، أو عشيرته، وحين يتكرر المشهد نفسه في وزارات، ومؤسسات الدولة الأخرى، يحدث ذلك التماهي بين أحزاب السلطة والدولة، وتتم مصادرة الأخيرة لصالح الأحزاب الحاكمة وأهلها. وغالبا ما تتم هذه المصادرة لصالح أناس غير مؤهلين، وغير أكفاء. والدلائل على ذلك في هذا العراق كثيرة. في بعض وزارات الدولة، مثلا، يطغى الطابع العائلي على التعيينات في وظائفها!.

وعندما يسرق مزوّرو الشهادات، على سبيل المثال، وغالبيتهم من أحزاب السلطة، فرصَ التعيين في الوظائف العليا، وغير العليا، ممن كدَّ واجتهدَ من أبناء البلد، وحصل على ما يؤهله لإشغالها، يزداد غضب الناس على الحكام، ويحدث شرخ عميق بينهم وبين السلطة والدولة. وهكذا لا يعودون يرون فيها دولتَهم.

تتحدث التقارير الصحفية، حتى الآن، عما يربو على 30 ألف شهادة مزورة فقط، لعلها قمة جبل الجليد لا غير!. 4 آلاف من شهادات التزوير هذه في وزارة العدل وحدها، حسب تصريح للسيد الوزير نفسه. فليتصوّر الدكتور حسين معي وزارةَ "عدل"، في بلد "ديمقراطي"، وفيها كل هذا الفيض من الشهادات المزورة. ألا يستدعي هذا، وحده، أن نخرجَ، هو وأنا، ومن يرغب من أهلنا، في موكب عزاء راجلٍ، نقطع فيه مدن الاغتراب الأوربي، حاملين الرايات السود، مُيمِّمينَ وجوهنا شطرَ العراق. وهناك نطوف بموكبنا هذا مدنه جميعها، ونندبُ حال العدل والدولة والسياسة عندنا. نشقّ الجيوبَ، ونلطم الصدورَ عليها، ونبكي "طيحانَ" حظوظ البلاد وأهلها!.

أعتقد أن السيد حسين يرى أن موكب عزائنا هذا يصبح أكثر الحاحاً، وأكثر وطنية وأخلاقية، في ضوء توجه مجلس النواب لمناقشة مقترح قانون قدمته الحكومةُ لإصدارعفو "عام!" و"شامل!" و"نهائي!" عن المحكومين بجرائم استعمال الوثائق والشهادات الدراسية المزورة لأغراض التعيين والترفيع والترقية في الوظيفة العامة، بعد تاريخ 9/4/2003. ويتضمن مقترح القانون هذا مادة تنص على أن "يعاد المشمولون بأحكام هذا القانون إلى استحقاقاتهم الوظيفية القانونية وفقا لشهاداتهم الدراسية الصحيحة ويُلزمون بدفع الفروقات المالية إلى الخزينة العامة عن المبالغ التي تسلموها دون وجه حق استنادا إلى الشهادة المزورة".

هل يُمكن للسيد حسين أن يدلنا على بلد ديمقراطي يحترم نفسه، في هذه الدنيا كلها، تستنفرُ حكومتُه مستشاريها القانونيين وقضاتها لوضع قانون عفو عن مزورين في زمن يستفحل فيه الفساد ويشيع في مفاصل كثيرة؟ أم أنها فرادةُ "ديمقراطيتنا" وارتقائها على سواها، مثلما يقولون؟!
ثم كيف يُمكن لقضاة ومستشارين قانونيين يحترمون أنفسهم واستقلاليتَهم المُفتَرَضة، وحسَ العدالة لديهم، أن يذعنوا لطلب كهذا، ويصبحوا شركاء في "لعبة فاسدة" كهذه؟
ألا يكترث هؤلاء للتاريخ، ولما ستقوله الأجيال، وحتى أبناؤهم، عنهم؟ ألا نرى هنا مشهدا آخرً يُشَمّر فيه "العدل"، في "دولة القانون" عندنا، عن ساعديه، وينشط في تشريع اللاعدل؟

المُضحكُ ـ المُبكي في الأمر أن قانون العفو هذا يتحدث عن "استحقاقات وظيفية قانونية!" لمحكومين "مزورين"، يُريد لهم "قلب السلطة الرحيم!" أن يُعادوا للخدمة "وفقا لشهاداتهم الدراسية الصحيحة!". هل لديهم شهادات أصلاً، وفوق هذا صحيحة حقا؟

كلنا نعرف، ومعنا من دفع لصياغة هذا القانون "العجيب"، ومن صاغه كذلك، أن قوانين السماء والأرض لا ترى أن لشهود الزور شهادات تُقبَل.

سبب اقتراح السلطة لهذا القانون، كما ذكر لـصحيفة "الصباح" في 18 أيار الماضي، مصدر في لجنة النزاهة، هو أن التزوير حصل "من قِبَل أشخاص غير مدركين لأبعاد فعلتهم خاصة العنصر النسوي منهم"!.

نعرف أن المنظومة الفكرية لأهل السلطة ترى أن المرأة "ناقصة عقل"، وهي "ناقصة دين" بالتالي، و"نقص العقل والدين" عندها حسب رأيهم، هو وراء عدم إدراكها لأبعاد فعلة هي ليست من العقل والدين في شيئ!. ولكن أيرَوْن في الرجال المزورين نقصاً ممائلاً لنقصها، وهم الذكور "العقلاءُ" الفحولُ؟ وإذا كان المزورون، نساء أو رجالا، لا يدركون أبعاد ما يفعلون، فهل دوائر الدولة ومؤسساتها أماكن لاستيعاب من لا يُدرك ما يفعل، وإيوائه ومكافأته على فقدان الإدراك هذا!؟

التزوير فعلة جنائية، مُخلة بالأخلاق والأمانة، لا يرتكبها الجاني، أو الجانية، تلقائياً، أو عفو الخاطر هكذا، وإنما يخطط لها مدة كافية، ويُمعن التفكير فيها، ويعي مقاصده منها، ويبحث عمن يُعينُه في ارتكابها، وإكمال أمرها بالتعيين والجلوس على كرسي الوظيفة الحرام، والتمتع بمالها الحرام. ولعله ظل، رجلا كان أو امرأة، يدعو الله (عز وجل) أن يوفقه في كل خطوة يخطوها فيها، وأن يُتمَّ "نعمةَ التزوير" عليه، أو عليها، باليُمن والبركة!. ولربما نذر، أو نذرت هي، نذراً لإتمام "جناية التزوير" بالخير والتوفيق عليهما!
لا بد أن المزورين هؤلاء، نساء ورجالاً، قد أوفوا بنذورهم تلك مثلما يتطلَّب الشرعُ، وأخرجوا "زكاةَ" المال الحرام الذي كسبوه، وأوصلوا "الخُمسَ" المطلوبَ عنه، ثم اطمأنوا بهذا إلى أن المال الحرامَ قد تزكّى، وأن نصيبهم سيكون، في الآخرة، جنان الخُلد!

من يرتكب هذه الجناية، إذن، يدرك أبعادها، فهو لا يقوم بها في سورة غضب، أو لحظة سهو وغفلة، أو تحت تأثير مخدر أو مُسكر، أو في حالة عدم انتباه وهو يعدو في طريقه إلى الوظيفة، لا يشغله غير خدمة "شعب مظلوم، مسكين"، حتى تشحذَ السلطة طاقاتها لإنقاذ من ارتكبوا جرائمهم عمداً، "وإيجاد مورد معاشي لهم"!

لمقترح قانون العفو هذا دوافع أخرى، بالطبع، لها صلة بهوية الدولة وعلاقتها بالناس. فمن المعروف أن غالبية مزوري الشهادات الدراسية العليا، أو الدُنيا ممن وُضعَ هذا القانون لهم، هم من ذوي القربى والأنصار، فقصد العفو عنهم هو، بشكل ما، عفو السلطة عن نفسها، أو عن بعضها. وفي العفو عن المزورين والحرص على إعادتهم للوظيفة دليل آخرعلى أن أهل السلطة يجدّون، "بالقانون" وعبر شكلية "ديمقراطية"، في الإبقاءعلى أكثرية وظائف الدولة في خانة حصصهم، أما عشرات الألوف من أهل الشهادات الصحيحة، ممن يجهدون في البحث عن وظيفة ما، دون جدوى، وهم مواطنو هذه الدولة أيضا، فليس لهم غير الفتات.
ولنا أن نسأل، إنْ كان المتهالكون على "وليمة" الدولة سيُبقون بعضَ الفتات منها لمواطنيهم الآخرين من غير المزورين؟ على الأقل مكافأة لهم على نقائهم الأخلاقي، وعدم ارتكابهم جناية التزوير!.

أظن أن السيد حسين يوافقني بأن الدولة لا تعود دولةَ مواطنة كذلك، ولا يرى جميع الناس أنها دولتهم، إذا ما وضعت الأحزاب الحاكمةُ، نصبَ أعينها، مصالح عقائدها الدينية، وأيديولوجياتها الفكرية والسياسية، وحساباتها الحزبية والشخصية، وحكمت الناس بمعايير هذه العقائد وتلك الحسابات، وجعلت هدفَها "الأسمى" أن تختمَ على الدولة والمجتمع، والناس في النهاية، بختم عقائدها، وتغليبها على سواها، خاصة في بلد تتعدد فيه الأديان والمذاهب، والأعراق وتيارات الفكر والسياسة، كما هو العراق.
في مثل هذه الحالة يشعر أهل العقائد والمذاهب والأفكار والأجناس الأخرى، من كبير الأقليات وصغيرها، أنهم، في أفضل الأحوال، مواطنون من الدرجة الثانية، أو حتى أقل منها. ثم أن السلطة، والدولة معها، تصبحان، وبأشكال مختلفة، دولةَ وسلطةَ "دعاة" و"مبلغين" دينيين، في المقام الأول، يرون أن مهمتهم "الشرعية" هي أن يأخذوا الناس إلى "الجنة"، رضيَ الناس بذلك أم أبوا!. وكثيرة هي الظواهر، وإجراءات المنع والتحريم التي تؤكد فهمَ الأحزاب الحاكمة، عندنا، للسلطة والدولة بوصفهما أدوات لترويج عقائدها وأيديولوجياتها، والتقيد بأحكامها، مثلما تفهمها هذه الأحزاب وتريدها.

تصبحُ العقائدُ، في مثل هذه الأحوال، "هراوةً" أيديولوجية تُلوِّحُ بها السلطة والدولةُ في وجه أيّ فَهم للحريات، وللحياة عموماً، يتناقض مع فهمها هي.

من بين إجراءات المنع العقائدي، والتلويح بـ"الهراوة"هذه، ما قام به عميد كلية (طب الأسنان) في (جامعة الكوفة) مثلاً، حينما صار يلاحق الطلبة على تصفيفة شعرهم، وأنواع أزيائهم، لاعتقاده أن فيها خروجاً على "ضوابط" العقيدة و"ثوابتها!".

أليس الجامعات في الدولة "المدنية الديمقراطية"، شأن غيرها، مؤسساتُ دولة، لا يجوز لمن يتولى، عن جدارة أو بغير جدارة، إدراتها أن يصادرها، ويضعها في زنازين تصوراته العقائدية الخاصة، ويشغلها وطلبتَها بمثل هذه "الترهات"، بدلاً من أن يكون الارتقاء بمستواها العلمي هو شغله الشاغل، وهمّه الأساس.

ما حدث في هذه المؤسسة نموذج لما حدث، ويحدث، في مؤسسات أخرى كثيرة، وفي المجتمع كذلك. ولا أعتقد أن الدكتور حسين يخالفني الرأيَ في اغتراب المواطن عن السلطة والدولة معاً، حين يفرض عليه من يدير مؤسسات هذه الدولة شكلَ ملبسه ومظهره، ويحدد له ما يسمعه وما يشربه، وما يُشاهده، وفي المستقبل، بالتأكيد، ما يقرأه، وما يجب عليه أن يفكر به، ويختاره أيضا. ولا شك أن السيد حسين يعرف بأن مثلَ هذا العقل، وهذه الثقافة، لا يتوقفان عند هذه الحدود فحسب، فهما شأن جميع العقائد والأيديولوجيات الشمولية يدّعيان لهما حقَ "الوصاية الشرعية" على الناس والمجتمع، وصياغتهما على الصورة التي تتحقق بها أحكام "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!"، كما يتصورها أهل هذا العقل، وهذه الثقافة، ويُصوّرونها!.

ويندرج في هذا السياق ما نقلته الصحافة عن وزير التعليم العالي من أن وزارته لن تفرض منع الاختلاط في الجامعات والمعاهد، كما طلبه منها أحد مراجع الدين، لكنها ستثقِّف بالقيم والثوابت الدينية، وكأن للجامعات دورَ مؤسسة "تبليغ ديني" ووظائفها، كما للمساجد والمرافق الدينيية الأخرى!

يحدث هذا كله في مرحلة تاريخية بدأ الناس يخرجون فيها، منذ تسعينات القرن الماضي وفي بلدان كثيرة، من أقبية الدولة العقائدية إلى رحابة الحياة. غيرُنا يحثّ خطاه نحو المستقبل، ونحن نعود إلى الماضي!

واضح أن صاحب الأيديولوجيا، هنا، لا يُبصر شيئاً آخر غير أيديولوجيته، ولا يُصغي إلا لأصواتها وحدها، متوهما أنها أصوات الحياة الحقيقية، وليس للجميع من مَخرج غير العيش على إيقاعاتها. ويظل دينه وديدنه أن يجعل منها أيديولوجيا السلطة والدولة والمجتمع، على السواء.

مثل هذا العقل ليس معنياً بتقصي علاقة الناس بالحياة وتأملها بتغيراتها الدائمة وما تأتي به من أسئلة وتحديات جديدة، وصياغة أفكاره وخططه، وأيديولوجيته بالتالي، على هديها. ما يشغله، في الحقيقة، هو علاقة الناس والحياة بأيديولوجيته هو، وبمنظومتها الفكرية ونظرتها النمطية للناس والأشياء والعالم. ما يشغل أهل الأيديولوجيات الشمولية هو أن يطردوا الحياةَ وتنوعَها، وغناها وتدفُّقَها الحيوي، ويُحِلّوا أيديولوجياتهم محلها، ويُبقوا الناس في إطار حظيرتها، ينصاعون لتعاليمها، مطيعَين لما تأتي به، مؤمنين بأن جعبتها تختزن علومَ الأولين والآخرين، ولديها أجوبة جاهزة على أسئلة الحياة جميعها، ما طُرحَ منها، وما لم يُطرح بعدُ!

في مثل هذه الحالة لا تعود السلطة التي يحكمها هذا العقل، وقد صادرت الدولة لصالحها، "خادماً" للناس والمجتمع، بل "سيداً" و"وصيّاً" عليهم، يفرض وصايته هذه عبرَ نوعين من العسف : فكري ـ ثقافي ـ قانوني (غسيل دماغ جماعي)، وآخر جسدي يجنحون إليه حالما يرون أن أحوال سلطانهم تستدعي ذلك.
فرضُ نوع مُحدد من اللباس مثلاً، على المرأة خاصة، ليس سوى نوع من العسف الجسدي والروحي معاً.

تسخير شرطة الدولة لإغلاق النوادي الاجتماعية، كذلك، صيغة أخرى من صيغ العسف، تجعل من الشرطة "الوطنية" التي يتحمل المال العام، أي مالنا جميعا، نفقاتها: تدريباً وتسليحاً ووسائل ومرتبات، أداةً عقائدية للحاكم، أو لرئيس مجلس المحافظة. تجعل منها شرطة "دينية ـ أيديولوجية" و"مجاميعَ أمرٍ بالمعروف ونهيٍ عن المنكر"، من الناحية العملية، كتلك التي في دولة "آل سعود"، أو في دولة "الولي الفقيه"!.

الناسُ، بسطاؤهم خاصة، لا يتلقون الدولةَ من خلال تعريفاتها التي تحفل بها كتب الفلسفة السياسية والقانون وعلم الاجتماع أو الفقه، ولا يتواصلون معها عبر مفاهيم وقنوات أيديولوجية أو ثقافية، وإنما يلتقون بها ويعرفونها من خلال حياتهم اليومية وتجاربهم العملية معها، ومع السلطة التي تدير شؤونها وشؤونَهم. تصبح صورة الدولة محسوسة ومرئية للناس من خلال عيشهم اليومي، وما يكابدونه فيه، وكيفيية تعاملها معه، ونوعية أجوبتها على تحدياته الراهنة والآتية كذلك.

هل تتشكل صورة الدولة وتتحقق عبر التواصل الحر والتفاعل مع الناس والمجتمع والتكامل بهما، أم بالتناقض معهما وبروح الوصاية عليهما؟
هل تقوم علاقة الناس بالدولة على أساس عقد ينشأ، عمليا وفعلياً، وليس بالنصوص أو الخطاب فقط، على احترام حريات الناس وحقوقهم وكراماتهم في دولتهم، بحيث يمارس كل فرد، من خلاله، حريته وخياراته في المجالات جميعها، وبما يتطابق وقناعاته، دونما مساس بخيارات غيره، أو تقييد، لحريات وحقوق من يشاركه العيش في الوطن؟

يُمكن للدكتور حسين، ونحن معه، أن نرى صورة هذه العلاقة في حالة أمٍّ عراقية بسيطة، رآها الكثيرون منا عبر برنامج (المايكرفون المفتوح) الذي تبثه قناة (الفيحاء) الفضائية. ترسم هذه المرأة بكلمات بسيطة، ولكن ببلاغة عالية ومؤثرة، صورة السلطة والدولة، وحتى الوطن، كما يحسها ويراها غالبية العراقيين من الفقراء والمهمشين والمغلوبين على أمرهم.
تتحدث المرأة عن ضنك العيش وأعبائه، وتجاربها العبثية مع مؤسسات الدولة، ومحاولتها المُضنية في استخراج تقاعد لم تُفلح في استخراجه حتى بعد مراجعات تواصلت لمدة زادت على السنة!. وأثناء حديثها عن تجارب عيشها هذه، تعيدُ المرأة، ما بين قول وقول، وبلهجة عراقية تقطر مرارة، عبارةَ:" مَلَّينَهْ، حَتَّهْ آرْواحْنَهْ طِلْعَتْ . . . وِلْكُمْ چا هِيَّهْ وِلْيَهْ؟".

أفترض، بالطبع، أن الدكتور حسين يعرف أنَّ كلمة (وِلْيَهْ) الشعبية العراقية مُشْتَقَّة، لغوياً، هي وكلمة (ولاية)، بمعنى السلطة الدنيوية أو الدينية، من ذات الجذر الثلاثي (وَلِيَ). وإذا كانت (الولاية) تعني، في كتب الفقه، القيامَ بالأمر، والتصرفَ فيه، باختيار الناس ورضاهم (وهو ما لم يتحقق دائما)، فإن الـ(وِلْيَةَ) هي التسلّط والحَجْر على الناس، وإكراههم على ما لا يرغبون به، والوصاية عليهم، شاؤوا هذه الوصايةَ أم أبَوها. فهي، إذن، شكل آخر للقهر والاستبداد، يُنفِذ فيه المتسلط، حكومة كان، أوميليشيا، أو جماعة ارهابية، قولَه على الغير، رضي هذا الغير أم لم يرضَ. ويتجلى أحد مظاهر هذا الاستبداد حين تشير المرأة إلى ما يتعرض له الناس من منع وتحريم، في الحي الذي تعيش فيه، كما يبدو، إذْ تأتي نواهي المتصرفين في الأمر صارمة:" لا تْعَرِّسْ . . لا تْهَلْهِلْ! . . چا شْلَونْ اِحْنَهْ فرحانين، نْريدْ نْعَرِّسْ ونْهَلْهِلْ . . چا هِيَّهْ وِلْيَهْ غُمّانْ؟".
والأغَمُّ من الناس، كما قصدته المرأةُ، هو من غشيت بصيرتَه غِمامةٌ فاستبهمت عليه الأشياء وصار يخبط فيها خَبْطَ عشواء. وبهذا المعنى يرد في معاجم اللغة "غمَّ الثورَ"، أي وضع الغِمامةَ على عينيه وهو يدور في الساقية أو الطاحون!

تجربة هذه الأم مثالٌ حي على أحوال تنقلب فيها (الولاية)، حتى الآتية عن انتخاب، إلى (وِلْيَة غُمّان) ينوء بوطأتها الناس.
وبعد أن تتحدث المرأة عن تردي الخدمات، وغلاء تكاليف العيش والعلاج في المستشفيات، تُطلق حسرة يائسة، وهي ترفع وجهها للسماء:"هايْ وَينْ صايْرَة . . بْيا وطنْ؟".

مرارة القول هذه، ونبرة اليأس فيه، تعكسان مرارة الواقع واليأس منه، وممن يتولى الأمر فيه. حالة هذه المرأة شهادة عن أحوال ملايين العراقيين ممن طفح بهم الكيلُ، وفاضَ الغيظ، لفرط ما انتظروا، وصبروا دون جدوى. وهي شهادة عن قسوة السلطة والدولة والوطن، في الوقت نفسه، والتباس علاقة الكثير من الناس بها.

هناك قول بليغ ينسبه رواته إلى الإمام علي يقول فيه:"الفقر في الوطن غربة، والغنى في الغربة وطن". فذل السؤال عن الحاجة، إذن، يخلق هو الآخر، شرخا عميقا بين الانسان ووطنه، وبينه والسلطة والدولة على السواء. وذل الحاجة يتنوع بتنوع حاجات العيش وتعددها. الحريات حاجة، والوظيفة حاجة، والحقوق المدنية حاجة، والعدالة حاجة، والمساواة حاجة، والأمان حاجة، والضمان الاجتماعي والصحي حاجة . . وغيرها كثير. غياب هذه الحاجات ـ الحقوق، وذل استجدائها من السلطة إفساد لعلاقة المواطن بوطنه وبالدولة كذلك.

وإذا ما أدّت سياسات حكومة، أو دولة ما، على سبيل المثال، إلى اختلال مريع في التوزيع العادل للثروة الوطنية بين الناس، بحيث يحوز عشرة، أو عشرون بالمائة من المواطنين ذوي الحظوة والحظوظ عند الحكام، على تسعين، أو ثمانين بالمائة من ثروات البلد، بينما لا يكاد يصل التسعون، أو الثمانون بالمائة الآخرون من الناس، أي الأكثرية، إلا إلى ما نسبته عشرة، أو عشرون بالمائة منها، تهتز العلاقة بين هؤلاء الناس والوطن والدولة والسلطة. اختلال موازنة العدل هذه كان، وما يزال، أحد الدوافع الرئيسية في التمردات والثورات التي عرفها تاريخ البشر، ومنها تاريخ الدولة الإسلامية.

يُروى عن أبي ذر الغفاري، أحد الصحابة الأفذاذ، قوله:"إذا ذهب الفقر إلى بلد قال له الكفرُ: خُذني معك". وأول ما يكفر به الفقراء والمهمشون هو السلطة والدولة.

هذه الأحوال، وكثير سواها، تجعل من الحديث، بصفة الإطلاق، عن أن "الدولة هي دولة الشعب في جميع الأحوال"، تبسيطا ساذجا للأشياء، يقول شيئا، في الظاهر، لكنه لا يقول، في الحقيقة، أي شيئ. ومثل هذا القول يندرج، في تقديري، فيما يصف به الدكتور حسين كتابات من لا يشاطرهمُ الرأيَ، من أنها "كلام وعاظ السلاطين". كما أنه نوع من التمويه على الناس، وإيهامٌ لهم، إذ هو يرسم صورة "مغرقة بالمثالية والطوباوية"عن علاقة السلطة بالدولة، والدولة بالشعب، عندنا. وهي صورة لا علاقة لها بحقائق الحياة في بلادنا، على الأقل في لحظتنا الراهنة هذه!.

ولنا أن نستعيد، مع السيد حسين بعجالة، نماذج عن علاقة الدولة بالسلطة، وهاتين بالناس، من تاريخنا القريب والبعيد.

هل كانت الدولة، إبان حكم الطاغية، دولة الشعب، مثلاً، أم دولة الحاكم و(الحزب القائد)؟. فيما بعدُ ابتلع الحاكمُ الدولة و(الحزب القائدَ) نفسَه، وأخذ الوطن والشعب إلى جحيم، أوصلهما، في النهاية، إلى ما انتهيا إليه اليوم. كان الإعلام يتحدث عن "عراق صدام حسين!"، وليس عن عراق العراقيين.
ألم يصبح الوطن، في عهده، سجونا ومقابر جماعية، ومعسكرات تُجنّد الناس لحروب الحاكم العبثية، وأماكن للخوف؟

هل دولة القذافي، على سبيل المثال، هي دولة الشعب الليبي، أم أنها والوطن مزرعةُ العقيد وعائلته؟. ألا يرى السيد حسين في انتفاضة الشعب الليبي محاولة لتصحيح الخلل في هذه العلاقة، واستعادة الدولة التي سرقها اللصوص؟

هل دولة (ولاية الفقيه)، في جارتنا الشرقية، هي دولة الشعب الأيراني حقاً؟ يُمكننا أن نتوجه بسؤالنا هذا إلى ملايين الأيرانيين في المنافي. نتوجه به إلى الآلاف ممن قضت بإعدامهم محاكم الثورة، في حينها، ومنهم من صرف نصف عمره في سجون الشاه، وشارك في الثورة وهلل لها. بعضهم قبره معلوم، وبعضهم مجهول الرقدة.
يمكننا أن نسألَ أكرادَ ايران وسنتها وبهائيّها ومسيحييها. أن نسأل مئات الألوف من الشباب المنتفضين هناك عن مدى اغترابهم عن دولتهم ونظام الحكم الذي ابتلعها.

هل دولة آل خليفة هي دولة البحارنة جميعاً، أم أن الأكثريةَ مغتربة عنها، مما دفعها للثورة على حكم العائلة التي اختطفتها؟

يمكن لنا أن نواصل "لعبة" الأسئلة هذه، ونعممها على دول المنطقة جميعها تقريباً، ونبحث عن أجوبة لها في الثورات والاحتجاجات التي تجتاحها.
هي، في الظاهر، ثورات على الحكومات والحكام، لكنها، في الجوهر، ثورات لاستعادة الدولة والوطن والذات من سلطات وحكام ابتلعوا كل شيئ.

ربما شاهد الدكتور حسين، مع الكثيرين منا، ذلك المواطن المصري وهو يجهر بالصوت، في ميدان التحرير، قائلا :" الآن فقط شعرت أنني مصري حقاً". تونسيون قالوا مثل هذا. وسيقوله ليبيون ويمنيون وبحارنة وسوريون، وغيرهم يوماً.

في تاريخ أوربا المعاصر، وقارات أخرى، يمكننا أن نعثر، أيضا، على حالات مشابهة صادر فيها الحاكم وسلطته الدولةَ والوطنَ.
بعض أولئك الحكام لم يغتصب السلطة. أتاها عن طريق الانتخابات، لكنه اغتصب الدولة والوطن والناسَ فيما بعدُ.
هتلر نموذج لذلك. في عهده طغت عقيدته الفاشية، العنصرية، وزيُّها الرمادي، على المجتمع والحكومة والدولة، وابتلعتها جميعَها، ومضت بها، والوطن والناس معها، في آخر الأمر، إلى الهاوية. في الأدب السياسي صار يطلق، إلى اليوم، على ألمانيا الدولة والبلد، في تلك الحقبة، توصيف : ألمانيا النازية، دولة النازي.

الشيئ ذاته يمكن قوله عن ايطاليا موسوليني ، واسبانيا الفرانكوية.

سلطةُ السيد ستالين في الاتحاد السوفيتي الذي أصبح ماضياً، مثلاً، لم تكن سلطة الشعب كذلك، رغم أن الدستور كان ينص على ذلك، والكتب تتحدث عنه، وهو ما كان يصدقه الكثيرون في هذه المعمورة، ونحن منهم. دولته لم تكن دولة الناس كذلك. حتى الحزب لم يعد، في عهده، حزب الشيوعيين والطبقة العاملة، ناهيك أن يكون حزب الشعب. أصبح حزبَه هو وحدَه، فقد ابتلع "أبو الشعب!" كل شيئ، وافترس من المناضلين الشيوعيين الحقيقيين، قادة ومثقفين وعلماء، ومبدعين ومناضلين آخرين، ما لم يفترسه أيُّ معادٍ للشيوعية من وحوش هذه الأرض. لقد بلغ اغتراب الناس، في زمانه، عن أنفسهم، واستلاب وعيهم منهم، أن ضحاياه لم يصدقوا موتَه، وبكاه بعضهم عند رحيله!.

في شرق أوربا كذلك، قامت بعد الحرب العالمية الثانية، دول كان يُفتَرَض لها أن تكون دولَ ديمقرطيات شعبية، تسعى لتجسيد حلم بشري، أزلي جميل، في العدالة والمساواة والحرية وتحقيق الانسان فيها ذاتَه. بعد اندفاعة السنوات الأولى وعنفوانها، بدأت بيروقراطية الحزب القائد تزدردُ كل شيئ : الدولة، الحكومة، الوطن، الطبقةَ العاملة وحتى الحزب. وبدأ اغتراب الناس، والطبقة العاملة نفسها، عن الدولة والسلطة والوطن. ولم يشرع الناسُ باستعادة ما اغتربوا عنه إلا مع الانهيار الكبير لتلك الأنظمة نهاية الثمانينات/ مطلع التسعينات. الشيوعيون الصادقون أخذوا يستعيدون كذلك، بعد ذلك الانهيار، هويتهم الحقيقية، وأحزابَهم وحلمهَمُ الانساني، الأزلي، بطريقة جديدة.

إذن فالأمثلة كثيرة عن أحزاب سلطة وحكام يتصرفون وكأنهم يملكون كل شيئ : الدولة، الوطن، الشعب، وحتى الحياة، يحفظونها لمن يشاؤون، ويمنعونها عمن يشاؤون. ومن هنا فإطلاق القول بأن "الدولة هي دولة الشعب، في كل الأحوال" وهمٌ وتضليل للناس . وهو يشبه، في رأيي، ما يُطلقُه بعض أهل السلطة عندنا، من أننا دولة مدنية، تسود فيها الديمقراطية الأفضل في المنطقة!. يوهمنا الساسةُ هؤلاء بأنهم قد وصلوا بنا إلى الهدف المنشود، حتى قبل أن نراه، متجاهلين أن رؤية هدف ما، شرطٌ أساسي للوصول إليه. ولكن ماذا نفعل، وهم يرون، على الدوام، ما لا يراه أحدٌ أبداً!.

الدولة المدنية، الديمقراطية، لا تبدأ بالتحقق، في تقديري، والعودة إلى مواطنيها جميعاً، دون اعتبار لدين أو مذهب ، أو عرق أو انتماء فكري وسياسي، إلا بانعتاق هذه الدولة ومؤسساتها من سلاسل الأحزاب الحاكمة وعقائدها الدينية وغير الدينية، ودوافع ساستها الذاتية وحساباتهم الضيقة. كما أنها لن تقوم إلا بوجود فصل واضح بين الفضائين: الشخصي والعام. الوطن والدولة ينبغي أن يكونا فضاء مشتركا للجميع، محايدا، لا يستحوذ عليه هَوَسُ الأيديولوجيا وأوهامُها.

ولأن الساسةَ المتنفذين، عندنا، لا يُطيقون الخروجَ على هذا الهَوَس إلا في الخطاب الظاهري، نراهم قد أخذوا البلاد وأهلَها إلى صراع محتدم بين كتلهم وفرقهم منذ سقوط نظام الطغيان إلى يومنا هذا. هذ الصراع المُعَطّل لكل شيئ تقريبا، هو، في الجوهر، صراع على تحديد صورة الدولة أيديولوجياً، وخياطتِها على مقاس كل فريق منهم، ووضعها في إطار منظومته الفكرية والعقائدية، أي أخذها والناس معها إلى حظيرته هو.

منذ ثمان سنوات، وبعد كل هذا الخراب الذي أصاب حياة الناس، الخراب الموروث وما أضيف إليه، لم يحدث أن استمعنا منهم، جميعا، إلى جدل ونقاش جديين، يشارك فيهما أهل الاختصاص والمجتمعُ عموماً، حول صورة الدولة ووظائفها في الاقتصاد والاجتماع والتعليم، وحول مشروعها العلمي ـ الثقافي، وخططها لتحديث البلد والمجتمع في الميادين كافة، وفي زمن حداثة مُعَوْلَمة شديد التعقيد والتركيب، تكاد الأشياء وأسئلتُها، وما يصحبُها من تحديات، تتطور وتتغير فيه كلَّ ساعة.

الجميع يتحدث، في خطاباته، عن الدولة المدنية، وكأنه أول من اخترعها، لكننا لا نرى لدى هذا الجميع تصوراً واضحاً ودقيقاً عن السبيل إلى هذا الهدف، ولا عن الهدف نفسه. كما لا نجد عندهم رغبة، ولا حتى قدرة، على إطلاق حوار نقدي مفتوح حول رؤيتهم لمفهوم هذه الدولة، ننخرط فيه جميعاً، ونضع على طاولته جميع الأفكار والرؤى، نُقلِّبها من جوانبها المختلفة، ونجتمع على النافع منها لوطننا، والحافظ، حقاً، لمدنية الدولة ودستوريتها. الدولة المدنية عندهم شعار يُطلق للاستهلاك، لمُجاراة (الموضة)!

أليس لنا أن نتساءل، مثلا، كيف ستبدو مدنية هذه الدولة في ظل عقلية "المعسكرات" الطائفية والقبلية والعرقية السائدة، وثقافتها ومقاتليها داخل مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، وخارجها؟
كيف تتحقق مدنية الدولة دون الإقرار النهائي بتميز مواطنيها الأفراد واختلافهم عن بعضهم البعض، وحقهم في أن يختاروا كل شيئ يعنيهم، بحرية تامة، انطلاقاً من الملبس وانتهاء بالخيارات الفكرية والعقائدية، وأن يتحملوا مسؤولية خياراتهم هذه؟
ما معنى الحديث عن مدنية الدولة في وقت ينسبُ فيه "السادةُ" الحكامُ لأنفسهم حق الوصاية على الحريات، وتحديد معناها، وحجمها وشكلها، والتصرف بأمرها، وأمر الناس بالتالي، على هواهم وهوى عقائدهم؟
كيف ستبدو صورة (الدولة المدنية) دون أن يتحقق الإدراك بأن الحريات، قبل أن تكون قوانين ومماراسات سياسية واجتماعية، ينبغي أن تكون فضاء ثقافيا وفكرياً مفتوحاً وضرورياً للعيش كما الماء والهواء والضوء والغذاء؟

كيف سيكون حال هذه الدولة، على سبيل المثال، وقد وضعنا لها مصدرا أساسيا للتشريع، دينياً، لا يمكن له، من حيث الجوهر والبنية، أن يمثل ضمانا حقيقياً لا للتعددية الثقافية، المتفاعلة أطرافها مع بعضها بعضا، ولا لحرية الخيارات العقائدية والفكرية، أو للحريات الفردية والعامة؟

المصدر الأساس للتشريع هذا له حقائقه المطلقة، عليها يقوم، ومنها ينطلق القيِّمون عليه، ويرسمون حدودَ الجائز والممنوع في ضوئها. فكيف يمكن الجمع بين مدنية الدولة وديمقراطيتها، وحياديتها في عراق تتعدد فيه الثقافات، وتتنوع الأديان والمذاهب والأعراق، وتيارات الفكر والسياسة، وبين الجوهر الإطلاقي، الأحادي، لمثل هذا المصدر؟

ألا يرى هذا الجميعُ بأن وضع سلطة ما، دينية أو غيرها، فوق سلطة الدولة المدنية الحقيقية، وبرلمانها المنتخَب من أفراد أحرار، إنما هو فخّ يسلب هذه الدولة روحها، ولا يُبقي منها غير صورة شاحبة؟

المأساةُ في هذا العراق أن كل فريق برْوَزَ إطاره وهيّأه، وطلاه بماء الذهب، في وقت ما تزال فيه الصورة غائبة، أو غير كاملة بعدُ.
الدولةُ التي ستنشأ، على قاعدة هذه العقلية، ستتماهى مع السلطة وأحزابها وعقائدها، بالضرورة، ولن تكون دولة الجميع، في النهاية، وهو ما نرى مقدماته، بجلاء، في أكثر من ميدان. توابيت العقائد والمصالح، الحزبية والذاتية، مصفوفة ، إذن، لوأد الدولة الوليدة، حتى قبل ولادتها، وليس للناس سوى أن يعيشوا وهمَها في الخُطب والشعارات والمواعظ، تماماً مثلما كان الحال في الماضي.





جدل هادئ ومتأخر مع عبد الخالق حسين (1) نقـد السـلطة أم العـداء لهـا؟





 


 

free web counter