| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

حميد الخاقاني

 

 

 

السبت 27/2/ 2010

 

(اتحـاد الشـعب) :
الوقـوفُ حيثُ يكـون العـراقُ وأهلـهُ

حمـيد الخاقاني

يُمنّي الساسةُ "الكبار!" أنفسهم "بأن التحالفات الكبيرة هي التي ستحصل على أصوات الناخبين في الانتخابات المقبلة" . ويُشيعون بين الناس أن خير البلاد يكمن في العمل على وجود كتلتين كبيرتين ، في البرلمان القادم ، أو ثلاث ، متناسين ، عمداً ، أن التناقض والتنازع والتناطح ، أي كل ما وسم العملية السياسية ، وأسهم ، وما يزال ، في تعطيل البلاد عن الانطلاق لبناء نفسها ، لم يكن طوال السنوات الماضية ، إلا من مسؤولية "الكتل الكبيرة" وساستها ، حيث الكلُّ يتربص بالكلّ ، في مجلس النواب أو في الحكومة ، وحتى بين من يرون أنهم ممثلو هذه الطائفة أو تلك . الجميعُ منشغلٌ بكشف "عورات" سواه ، موحيا للناس المساكين بأنه ، وحده ، أطهر الطاهرين ، وأن لا "عورات" فيه ، فهي عنده محفوظة ، مصونة . وتظل عيون الجميع ، في هذا كله ، شاخصة لبريق السلطة ، لا لشيئ سواها .

ولأن هذا البريق يصيب من يبصر إليه بالعماء ، نراهم "تقاولوا" على (قانون) يشرّع لنهب الأصوات التي لم يمنحها الناس لهم ، والاستيلاء على مقاعدها التي لم تصبح شاغرة إلا بأثرٍ من روح قانونهم هذا.
ولم يردعهم عن ذلك أن قبائل العرب قد بايعتِ الرسول (ص) على ألاّ تنتهب ، وأنه قد قال : "ولا ينتهبُ أحدٌ نهبةً يرفع الناس فيها أبصارهم ، حين ينتهبها ، وهو مؤمن" ، أي أنَّ المرء الذي يأخذ ما ليس له جهاراً لن يكون مستكملاً لشرائع الإيمان . لكنّ غايةَ احتفاظ الأكثرية بسلطتها تبرر لها ، كما يظهر ، حتى النهبَ الذي نهى عنه دينها!

ولكن الناخبين ـ المنخوبين قتلاً وأمراضا ، وعطالة وقلة خدمات ، وضياع آمال ، و . . و . . و . . وحدهم القادرون على إفساد لعبة "الكبار" هذه عليهم ، وذلك بأن لا يقعوا في الوهم ، مرة أخرى ، ويصدّقوا بأنّ سحرَ "افتح يا سمسم!" يتحقق في بقاء "الكبار" كبارا ، وفي تشكيل أحد ائتلافاتهم الكبيرة للحكومة وحده!
من يصدق هذه الأسطورة يتغافل عن أن ما مضى ، من سنوات سبع عجاف ، أظهر بأن الكثيرين منهم لم يعودوا جزء من الحلّ لمشاكل البلاد وكوارثها ، بل أصبحوا هم ، ومنظومتهم الفكرية ـ السياسية ،
إحدى معضلاتها .ا

إفساد هذه اللعبة على لاعبيها "الكبار" تطهيرٌ وتنزيهٌ للعملية السياسية مما لحقها من أوظار وتشويهات ما تزال عالقة بها . وهو تنزيهٌ يستعيد به العراق نفسه ، ويعود لأهله جميعاً ، ويرجع الناس لبعضهم البعض .

مثل هذا التنزيه يتحقق ، كما أرى ، في استعادة الناس لوعيهم ، وخياراتهم الحرة ، دونما وصاية من أحد ، أو من (دوغما) بعينها ، أللهم إلا عقولهم وما أفضت إليه تجاربهم المريرة في السنوات الماضية .

فرص هذا التنزيه ستكون أكبر مع قائمة (اتحاد الشعب) ومرشحيها ، فهم يقفون حيث تكون مصالح العراق وحاجات أهله . تاريخهم الطويل يشهد لهم بهذا ، وكذلك تجارب سنوات ما بعد سقوط طاغية الأمس . لم ينتحوا لأنفسهم ، في تاريخهم كله ، مكاناً تتقاطع فيه مصالح البلاد وأهلها مع ما يريدونه
لهما . ولم يُصغوا لصوت غير صوتها .
لعلهم أخطأوا هنا مرة ، أوهناك أخرى ، لكنهم ظلوا ، وهو ما يميزهم عن سواهم ، صادقين مع وطنهم وأنفسهم حتى وهم يرتكبون ذلك الخطأ . لم تكن المصالح الحزبية أو الشخصية دوافع تلك الأخطاء ، بل كانت أخطاء الاجتهاد فيما يمكن أن يكون خيراً للوطن وناسه .

ثمَّ أنهم ، وتلك ميزة أخرى لهم على غيرهم ، يعودون ، دائما ، إلى أخطائهم ويلقون بها ، وبأنفسهم وتجاربهم ، في موازين النقد والمساءلة والتقويم ، ويوصلون نتائجها للناس كي يتعلم منها الآخرون كذلك ، ويتعظوا من تجاربهم . لست أعرف تيارا ، أو حزباً سياسياً ، في العراق ، يقف مع نفسه وتجاربه ويتأمل فيهما ، مثلما يفعلون هم . من يقوم بمثل هذا الفعل أجدر من غيره بثقتنا ، وباطمئناننا على أنفسنا ووطننا معه .

لدينا ساسة وأحزاب وفرقٌ كانت تتوجس ، حتى زمن قريب ، خيفة من لفظ "ديمقراطية" مثلاً ، وترى فيها رجساً من عمل الشيطان ، أو "بضاعة" غربية مستوردة ، لا يجوز لها أن تجد مكاناً في ادبياتها وفكرها ، وخطابها السياسي . وإذا بمن كانوا يستعيذون منها بالأمس ، يصبحون هكذا ، بلا مقدمات ، ودون استئناف مع النفس ، وجدل مع ما كانوا عليه ، آباءها اليوم!

من الممكن ، بالطبع ، أن يتغير الناس ، ولهم الحق أن يتغيروا ، ويغادروا قناعات وجدوا أن من الخطل البقاءَ عندها . ولكن ، أليس من حق الناس عليهم ، وتلك بعض سمات الديمقراطية والديمقراطيين الحقيقيين ، أن يعرفوا منهم مواطن الخلل في تلك القناعات ، إن كان فيها خللٌ ، حتى يتعلموا منهم ، ويتغيروا مثلهم؟ أم أن ما نشهده هو ، في الحقيقة ، تسخيرُ آليات الديمقراطية ، في ظرف معيّن ، مثلما يرى بعض أيديولجييهم ، لإبقاء الأكثرية على أكثريتها ، ورسم الدولة والمجتمع والفرد ، بالتالي ، على صورتهم هم . أي تلك الصورة النمطية التي لا تسمح منظومتهم الفكرية ـ السياسية بسواها! . وهي صورة ستنتهي ، مثلما علمنا التاريخ في الماضي والجاضر ، إلى الاهتزاز والزوال في النهاية ، ولكن بعد أن تكون البلاد وأهلها قد خسروا أوقاتا ثمينة ، في زمن لا يسمح حتى بفقدان يوم واحد!

وما يقال عن هذا يقالُ عن "الطائفية" وكوارثها كذلك . فجأةً أخذ الجميعُ يصبّ غضبه على هذه الطائفية ، ويدعو ، في خطابه البلاغي ، إلى تجاوزها ، بحيث صرنا ، نحن المغلوبين على أمرنا من بسطاء العراقيين ، ضحايا هذه الكوارث ، نتلفت حولنا ، نبحث حائرين عمن أتانا بهذه الويلات ، وكأنَّ " العقل ـ اللاعقل" الذي أقام العملية السياسية على أركان التحاصص الطائفي ـ الإثني (هم يسمونها المكونات!) ، وطبع الحكومة والدولة بطابعه ، وسعى ، ومايزال ، إلى تشكيل المجتمع بروحه ، هو ليس "عقل" ساسة الكتل الكبيرة ، وإنما جاءتنا به أشباحٌ هبطت علينا من كواكب مجهولة!

من لا يستأنف مع نفسه ، ويُخضع ممارساته وخطابه لنقد مفتوح ، ويتحمل ، بالتالي ، قسطَة من المسؤولية الأخلاقية والسياسية ، في الأقل ، عما حدث للبلاد والناس ، وما يزال يحدث ، لا يمكن لخطابه الجديد ، ووعوده الجديدة أن تنطويا على صدقية حقيقية . فهو يتحدث عن الديمقراطية ، مثلا ، لكنه يحمل معه انشوطة خنقها ، قوانين وأوامر وممارسات!. وهو يلعن "الطائفية" ، في الظاهر ، ويبقي عليها باطناً .

(اتحاد الشعب) لا تقيمُ للناس أسيجة دينية ومذهبية ، ولا ترى في الدولة غنيمة تتقاسمها الطوائف والأقوام ساعية ، فيما بينها ، لما يريدونه ، هم و"السيد الأجنبي" معهم ، توازنا طائفياً ـ إثنياً ، لن يكون سوى وهمٍ دموي آخر ، يجعل البلاد تسيرُ ، ابدأ ، على حافة الهاوية . ولنا في حال (لبنان) نذير شؤم قاتم .

تجاوز "الطائفية" ومآسيها يتحقق مع (اتحاد الشعب) ، وحلفائها من ديمقراطيين حقيقيين ، وعلمانيين ، فيها أو في قوائم وتيارات أخرى . كان العراقيون يجتمعون في (اتحاد الشعب) ، وما زالوا ، على الوطن ، وما يمكن أن يكون خيراً له . لا أحد منهم يسأل الآخر : من أي دين ، أو مذهب أو عرق أنت؟.
ما يجمعهم هو أنهم يحلمون حلمَ الناس في وطن يتسع لأهله جميعاً ، أياً كانت عقائدهم ومذاهبهم ، وإيماناتهم وفلسفاتهم في الفكر والعيش ، ويجهدون وإياهم لجعل هذا الحلمَ حقيقة .
رُقيُّ العراق وسعادة أهله كانا ، وما زالا ، هما المحور الذي تطوف حوله أفكار مرشحي (اتحاد الشعب) وأفعالهم . كلُّ فكرة ، أو فِعلة ، يذهبون إليها ، تصدرُ عنه وتردُّهم إليه . لا شيئ يشغلهم سوى مصائره وأقدار أهله ، الفقراء والمحرومين خاصة .

لو كانت أفكار ساسة "الكتل المتنفذة" وأفعالهم لا تجد ، حقا ، محورا لها غير العراق وحاجات أهله ، ولو كانت نزاعاتهم وخلافاتهم لأجل خيره وخير ناسه ، لا غير ، وليس طمعاً في السطوة والسلطان ، أو رغبة في تسييد جماعة على أخرى ، أو ميلاً لأهواء حزبية وشخصية ضيقة ، لأمكن محاصرة الأرهاب والفتنة الطائفية ، في وقت مبكر ، والقضاء عليهما ، ولما سال دم الناس أنهارا ، ولما هُجّر الكثيرون أو هاجروا ، ولما ظلت البلاد ترواح ، حتى بعد سبع سنوات ، تائهةً وسط الخراب الشامل .

العراقيون ، في فكر (اتحاد الشعب) ، إخوة في الوطن والمواطنة ، ونظراء لبعضهم البعض في الخلق .
لهم أن يتعددوا أديانا ومذاهب ، وقوميات وأحزاباً ، وتيارات ومدارس فكرية ، وأن يتمتعوا بحرياتهم الدينية والفكرية والسياسية والشخصية كاملة ، ويتفاعلوا فيما بينهم ، في ظل (دولة قانون) مدنية ، عصرية وحقيقية ، تكون لمواطنيها جميعا ، تخدمهم وتنوب عنهم . دولة لا تُشَرَّع فيها قوانين تتسع ، من خلالها ، مساحة المحرّم والمسكوت عنه ، وتضيق حرية القول والحركة والخيار ، تحت أي قناع كان .

ولهذا فمع (اتحاد الشعب) ، والديمقراطيين الحقيقيين ، يمكن للعراق أن يعود لروحه الحية الأولى ، ولأهله أن يعيدوا اكتشاف ذواتهم ، بوصفهم أناسا أحراراً ، فاعلين ، لا أتباعاً يمضون حيث يشارُ لهم .

ولهذا ، أيضا ، فإن (اتحاد الشعب) ، والتيارات السياسية الديمقراطية معها ، هي الأقدرُ من سواها على إخراج العراق من الحالة التي يبدو فيها ، عجوزا طاعنا في السن ، مكفهر الوجه ، عابساً ، لا تعرف البهجة إليه سبيلاً ، والمُضيّ به إلى حال يعود معها فتياً ، مفعما بالفرح ، مستعيداً حيويته وطاقته الداخلية على الخلق والإبداع ، والسباق مع نفسه للخروج من الحطام الذي تراكم منذ عقود ، وما يزال يتراكم ، في مناحي حياته المختلفة ، والعيش وسط العصر وتياراته الهادرة .

مع ( اتحاد الشعب) قويةً ، هي وحلفاؤها ، في البرلمان وفي الشارع ، تتعزز الشروط الثقافية والاجتماعية ، السياسية والقانونية ، لخروج المرأة ، حقا لا خطابا فحسب ، من دور الظل والتابع للرجل ، حتى وهي تجلس نائبة في البرلمان . كما أنها ستستعيد ، معها ، وعيها بذاتها وبقدراتها ، وتغادر أحوال الاستلاب التي حاصرتها فيها الثقافة الذكورية السائدة ، منذ قرون طويلة .
مع (اتحاد الشعب) تدرك المرأة المستلبَة بأنها ليست "ناقصةَ عقل" ، ولا "مصدر فتنةٍ وغواية" ، أو أنها "عورة" ينبغي سَترُها وتكفينُها ، بل هي أصلٌ في الخلق ، لا فرعٌ . ولعلها الأصل الأجمل والأغنى ، والأكثر رأفة ورحمة وانسانية . حروب الدنيا كلها ، منذ أن بدأت الحياة وإلى يومنا هذا ، لم تُطلق شرارارتها هي ، بل "الذكور" من أولي الأمر ، ممن تزعم ثقافتهم بأنهم الأكثر حكمة والأوسع عقلاً!
تحقيق حرية المرأة ومساواتها الكاملة بشريكها الآخر في الحياة : الرجل ، يعني تغييرا كبيرا في صورة العراق ، وخروجه من الظلمة إلى النور حقاً .

لا سبيل للفساد والمفسدين مع (اتحاد الشعب) ، والديمقراطيين الحقيقيين الآخرين . لا يمكن لجمَ هذا الوحش المستشري الذي يبتلع كل شيئ ، ولا يجعل لإعادة البناء والتطوير من معنى ، إلا مع لجان نزاهة حقيقية ، مستقلة حقاً ، وقضاء مستقل حقاً ، ورقابة اجتماعية مدنية وإعلامية غير مقيّدة ، ونظام سياسي يقوم على العدالة والشفافية ، لا يغطي فيه المتنفذون على فسادهم وفسادهم أنصارهم والقريبين منهم .
صحيحٌ أن أصوات ساسة الكتل الكبيرة ، غالباً ما تعلوا مُطلقةَ وعودها بمواجهة هذه الآفة القاتلة ، والقضاء عليها ، ولكنَّ غير القليل من مواطن الفساد تنتشر في وزارات ومؤسسات يقودها وزراء منهم ، ويكثر أصحابهم فيها ، وبعضهم متورط في قضاياها .
ولنا أن نتساءل ، بعد هذا : أليس اعتلاء المناصب والوظائف ، كبيرها وصغيرها ، بشهادات مزورة ، وبتغييب معايير الكفاءة والتأهيل والاختصاص ، وبمعرفة قادة "الكتل المتنفذة" ومباركتهم ، أحياناً ، مفسدة؟ أليس استخدام المال العام ، والمال السياسي ، في شراء ذمم الناخبين وأصواتهم فساداً وإفساداً للناس؟ .
لقد أعمى بريق السلطة أبصار البعض وبصائرهم ، إلى حدّ ذهبوا فيه ، إلى اقتفاء خطى (معاوية بن أبي سفيان) في توظيف المال السياسي لكسب الولاءات ، مع أنهم يلعنونه ليل نهار . وكان هو ، مثلما يذكر الأخباريون والمؤرخون ، أول من خطَّ هذا السبيل البغيض ، في التاريخ العربي ـ الاسلامي ، ليتبعه أهل السلطان من بعده .
فهل يمكن لمن يقتفي هذا الأثرَ السيئ أن يقضي على الفساد حقاً؟ وهل ينبغي لنا أن نصدق ما يقول في هذا وغيره؟

و(اتحاد الشعب) التي كان أهلها وحلفاؤهم ، دوماً ، ضحايا . طاردتهم جميع الأنظمة ، وكفَّرهم البعض
، وما زال البعض يضيق بهم ، تعمل ، جاهدة ، مع تيارات أخرى ، على إيقاف دوامة الدم التي تعصف ببلادنا ، وذلك عبر (مصالحة حقيقية) ، تكون العدالة معيارها ، يُنْصَف فيها الضحايا ، دون تمييز بينهم ، ويُنتَصَف فيها ممن أجرموا ، دونما تسييس ، ودون "أن تزر وازرة وزرَ أخرى" حقاً . وما عدا هذا ينبغي للوطن أن يتسع لجميع مواطنيه ، في ضوء دستوره وقوانينه ، دون أن تكون ، في هذا ، منَّة من أحد على أحد .
الانتقامُ والتهميش ، والإقصاء وإنذارات الإجلاء من المدن والمساكن خلال 48 ساعة! ، وتهييج العواطف والغرائز ، حيث يغيب الوعي وينطفئ ، ظواهر لاعلاقة لها بدولة القانون المنشودة ، ولن تبني أوطانا ، أو تُخرجَها من محنها .

ولكي لا تُجَرُّ البلاد من أنفها ، أو أذُنها ثانية ، وتُصبح ضيقة على أبنائها ، من جديد ، ولكي يكون سقوط الاستبداد ورحيله تحررا حقيقيا للانسان العراقي من المنظومة الاجتماعية ـ الفكرية والسياسية التي ظلت ، وعلى مدى تاريخنا كله ، تعيد انتاج الاستبداد وتكريسه ، بصيغ شتى ، وبأقنعة مختلفة ، تبدو مناقضة لبعضها البعض ، في الظاهر ، لكنها تصدر عن العقل والثقافة ذاتهما ، مشيرة إلى عملية متواصلة من تبادل الأدوار بين الضحايا وجلاديهم . لكي لا نظل أسرى "أقدار" كهذه ، تعمل (اتحاد الشعب) على تأصيل وإشاعة ثقافة تنويرية تأخذنا إلى آفاق الحداثة حقاً . ثقافة تقوم على التحليل والتشخيص ، والسجال والبوح والابداع ، وقوة الأسئلة التي تثيرها ، وضرورتها . ثقافة تُطلق سراح العقل من أسر التبعية والتضليل ، وتحرّضه على اختراق الحجب ، وفتح فجوات واسعة وسط الظلمة . ثقافة تقوم على تنوع الأصوات والتيارات وتعددها ، وحريتها في الابداع والتعبير ، وتفاعلها الحي مع بعضها البعض ، ومع ثقافة الآخر الغريب . ثقافة ترى إلى المثقف بوصفه فاعلية نقدية ، تحيا في حوار ونزاع دائمين مع الحياة ، وتمارس حقها في نقد السلطة واستجوابها . ثقافة لا ترى في الموسيقى "عزيف شياطين!" وفي الغناء جريمة ، وفي فناني المسرح "رواكيص!" ، لا يجوز دعمهم ، حتى من أموال بلدهم!، أوتضع للبحث العلمي حدودا لا ينبغي له تخطّيها . ثقافة تكون ، معها ، للمرأة الأدبية والفنانة حرية البوح بما يشغلها ، وتنوء به روحها من هواجس وأفكار ، وأحاسيس ومشاعر . ثقافة لا يسود فيها صوت واحد ، يطرب له أهله وحدهم ، ويريدون لنا أن نرى ، معهم ، أنه قد أتانا بمعجزات وحقائق ، ما بعدها حقائق سواها!

مع (اتحاد الشعب) ، و حلفائها من ديمقراطيين وعلمانيين حقيقيين ، يكون للعراق وأهله نظام تربية وتعليم عصري وحديث ، تكون المدرسة والمعهد والجامعة فيه ، مواطن للعلم والمعرفة ، وإعادة انتاجهما ، على الدوام ، بما يتناسب وحاجات زماننا هذا، ومستقبلنا ، وتحدياتهما . البلاد المخربة هذه ، بحاجة إلى نظام ، ومناهج تعليمية ، لا ترى إلى التلميذ والطالب بوصفهما مفعولا به ، يتلقى "العلم" ليظل تابعا لمن يلقّنه ، لا فاعلاً يمتلك طاقات ذهنية تشتغل على استكناه الأشياء والظواهر واستنطاقها ، وتدرك أن ، هناك ، طرائق ووسائل مختلفة للوصول إلى الحقائق وإعادة اكتشافها ، وتغيير الحياة ، من خلالها .

بهذه المعاني ، وغير قليل سواها ، كنت ، وما أزال مع (اتحاد الشعب) وأهلها . وبهذه المعاني أمنحها صوتي واثقاً أن انتصارنا لها انتصارٌ لوطننا وأهلنا ، انتصار لمفاهيم الحق والحرية ، والعدالة والديمقراطية ، بوصفها قيماً انسانية وكونية لا يمكن تجزئتها ، ولا ينبغي النظر إليها بمكاييل الطوائف والإثنيات والمصالح الحزبية الضيقة ، بحيث يعجز البعض حتى عن العدل بين الضحايا ، ويريد لنا أن نصدق بأنه قادرٌ على أن يعدل بين غيرهم .

انتصارنا لـ(اتحاد الشعب) اختيارٌ للمستقبل .

 

                                                       

 

 

free web counter