الأحد 30/ 7 / 2006
الناصريه - مقهى ابو احمد
ابراهيم عبد الحسن
الناصريه ..هذه المدينة الاعجوبه العصية على كل شىءالمرشوشة بالليل والدمع والشعر والابداع. والاجمل من ذلك ما تعيشه الان مع اطلالة الحرية والديمقراطية ، بعد ان ولى النظام الدكتاتوري الى مزبلة التاريخ منذ صباح اليوم التاسع من نيسان ٢٠٠٣، حيث تحررت الاقلام والاحلام والاهداف.
في عام ١٩٩٨ نشرت احدى الصحف الصادرة باللغة العربية في المنفى موضوعا" تحت عنوان ( الناصرية ..المقهى والذاكرة ) بقلم حميد الامين وهو كاتب من العراق ، تطرق في تلك الذاكرة عن مقهى( ابو احمد ) وعن الشخصيات السياسية والادبية والفنية لمدينة الناصرية، التي كانت ترتاد هذه المقهى المشهورة انذاك. ويتحدث بالاخص عن ستينيات القرن الماضي وصولا" الى اوائل السبعينيات حيث غادر المقهى جل تلك الاسماءورحل من رحل وقد غيب كثيرا" منهم. وورد في مقدمة الموضوع (...هذا المقهى يقع وسط مدينة الناصرية جنوب العراق، ولهذه المدينة تاريخ حافل في الصخب والعنف على خارطة العراق السياسية ونادرا" ما تجد شخصا" فيها على الحياد، وحتى في القاصي الريف عند جمهرة الاميين من فقراءالفلاحين تجدهم يسهرون على المذياع ويتحدثون عن السياسة ادعاف حدديثهم عن المحاصيل الزراعية . وليس غريبا" ان يكون يوسف سلمان يوسف (فهد) مؤسس الحزب الشيوعي العراقي في اوائل الثلاثينات منها..).
لقد كنا نحن المولعين بقراءة الكتب الممنوعة والمواضيع المستنسخة اول من تلقف هذا الموضوع. ورحنا نستعيد ذكريات مرة عن الناصرية. وقد لتبت ردا" في حينها على الموضوع اطلع عليه بعض الاصدقاءوحاولنا تهريبه الى سوريا لايصاله الى نفس الصحيفة لنكمل الذاكرة مع الكاتب لما الت اليه المقهى ايام النظام البائد لكن عيون ازلام النظام كانت اقوى منا اما اليوم اذا ما عاد الكاتب فلن يجد مقهى ابو احمد، فقد مات الرجل رحمه الله وتحولت المقهى الى محل لبيع الاحذية
لقد عدت بنا يا حميد الامين يا امين الذكريات الى المقهى واسمح لي ان اعيدك الى الناصرية ذاتها لاكمل لك ما الت اليه المدينة والمقهى . فالناصريه كانت وستظل رغم انها اليوم (١٩٩٨) مرشوشة بالليل مالدم ومطوقة بحراسة الرفاق ولا اظن مدينة اشتبك تاريخها بالدم والسياسة والادب كما الناصرية. فقد كانت قلبا" يتسع للاتين من الريف او ايا" من امكنةالعراق وخاصة للذين يحملون في قلوبهم دماءالقصيدة وجراحات السياسة وشدة التمرد عكس الاتين اليها الان ببدلات الخاكي ويتمنطقون مسدسات ويحملون البغض والقسوة للانتقام من بؤرة الانتفاضة والتمرد . فقد كان للناصرية تاريخ زاخر بالنضالات البطولية ومقهى ابو احمد صفحة مجيدة من صفحات ذلك التاريخ الموشوم بالدم والادب. انها احتوت على الاقل احزان وجراحات ابناءها التى هي شبيهة باحزان وجراحات العراق.
هكذا كانت الناصرية، واليوم مطوقة بحراسة الرفاق وهم يجوبون شوارعها بسيارات الاهليين سخرة ليحصوا انفاسنا، ويتابعون همساتنا نحن البسطاءالقابعين تحت سياط المجاعة والالم وقائدنا يفخر بقصوره...نجازف لنبقى او نموت قريبين من رحم المدينة تطالعك وجوهنا الشاحبة وثيابنا الرثة بعد ان اختفت النضارة من وجوه اطفالنا الذين طالهم الحصار وما عادت الحصة التموينية تكفيهم. واذا شكونا يوما" ان نبحث عن فرصة في مدينة اخرى علينا ان نخبر المختار، والا سيعيدنا الرفاق مخفورين لاننا تجاوزنا حدود المدينة ولا نملك احصاء ١٩٥٧ . نعم يطوقون كل شيءويحتفظمسؤول ومختار كل محلة بخرائط لبيوتنا وعدد افرادها ذكورا" واناثا" ليتسنى له ان يمنحنا السلامة الفكرية فلن تكون افكارنا سلبية ابدا" الا اذا كانت مثل فكر المسؤول والمختار او لكى يلف كل البيوت مع رجال مدججين بالسلاح لياخذوا بطاقة الاحوال المدنية لكي نحضر يوم الاستفتاءاو لانتخاب ممثلين عنا لا نعرفهم ابدا.
فقد مات قيس لفته مراد بصمت وعاد الى قميصه الذي يرتديه صيفا" وشتاء'" وقيل ان زوجة فاضل البراك قد اودعت اليه بعض اوراقه الشخصية ابل ان يعدمه صدام. واحمد رشيد الذي وصفته بجراح المدينة فقد غادرنا الى بغداد وترك مبضعه واصبح اخر من تغلق بوجهه هو والمرحوم عبد الامير الحصيري بارات بغداد ابوابها، وان كان المرحوم الحصيري يتوسد اى شيءلينام. فأحمد رشيد يواصل ههوايته سيرا" ليجوب شوارع بغداد ، ولا ادري كيف ظل يقاوم هذه الرغبة بعد ان بترت ساقيه اثر مرض السكري قبل وفاته. واما مجيد الخيون فقد مات وترك لنا ابنته ايمان تملي علينا قصائد شعبية هزيلة في حب القائد.
ولا استطيع التحدث عن الاثنين في سوق الشيوخ لندرة ما اعرف عنهم سوى المعلم الذي صار وزيرا" في زمن لا يضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ولاكذلك عضو القيادة الذي لا يعرف من السياسة سوى ان - يحفظ الله الريس ويرعاه- وما عاد كاظم فرهود فجريسجن لان القراءات الحسينية منعت منذ اوائل السبعينيات تحت صمت رجال الدين الذين لايشبهون العلامة السيد راضي السيد عثمان، وعاد الينا اخيرا" عند الرحمن مجيد الربيعى بعد صمت طويل عن الحقيقة. عاد لنا بقصة هدارات سوداءليصف الحرب الايرانية العراقية من واقع محايد ، واما الموسيقى وحبنا لها فما ظهر لنا صوت غنائي كصوت حسين نعمة وستار جبار وانوار عبد الوهاب وفؤاد سالم ، وبقينا نحن في وله الى الى اصوات الرواد حضيري ابو عزيز وداخل حسن. وما عاد كاظم الركابي يكتب لنا مفردات الشعر الشعبي المشحونة باحاسيس مظفر النواب، بلكتب لنا ما يعتز به ( احنه مشينه للحرب) وهو يعلم اننا سقنا الى الحرب ونحن لا نملك ناصية القرار. وتوقفت اوتار كمال السيد وغرق طالب القره غولي حتى اذنيه بالحان اغاني القادسية. واما الصحفيون فما عادت حكايات ابو گاطع وجريدة كجريدة طريق الشعب، بل تربع فدائيون اكثر مما هم صحفيون، اما بيت الملا عمران فقد تحول الى اليوم الى مكان لبيع الحديد، فلم يبق لهذا البيت وضيوفه سوى سليم رشيد الملا عمران، المعلم الذي انهكه النظام بالبحث عن لقمة العيش. اما طاهر الذي ذكره الربيعي في قصصه فظل بعيدا" متربعا" في مكتبته التي سلب منها رجال الامن كل الحروف النيرة وتركوا فيها بطاقات الاعراس وحبرا" مغشوشا" ومسابقات قادسية صدام قبل ان يتوفاه الله لتحول مكتبته الى محل لبيع الاحذية، مثلما تحولت قبله مقهى اللواءالى محل لبيع الاحذية ايضا". اما مقهى العروبة التي تحول اسمها الى (مقهى المناضلين) ، فلن يرتاده اليوم سوى لاعبي القمار وكذلك يرتادها الاتين من الريف بصراخهم وعويلهم. لا يتحدثون لما كان يتحدث خلف الدواح، بل يتحدثون عن كيفية الوصول الى سكرتير المحافظ لشؤون العشائر عسى ان يدرج اسماءهم في قائمة الشيوخ الذين سيحضون بمقابلة (القائد الرمز) او ان يتحدثوا عن الفصل العشائري وكيفية اعادة نظام دعاوى العشائر التي الغته ثورة ١٤ تموز المجيدة.
ومات ابو احمد -رحمه الله- وما عاد لنا مقهى كمقهى ابو احمد، بل لدينا الان مقهى كتب عليها ظلما" ( مقهى الادباء).! ولا يفقه صاحبها معنى كلمة الادباء، الا انه يعرف كيف يبيع الشاي الممزوج بالصبغ الاسود وببسي بابل وبغداد< وما عدنا نملك مقومات الوجودية الثلاث، التي كما ذكرت ادخلها بعض الخبثاء، فقد اختنقت كتب سارتر وانقطع عنا غناءفيروز مع انقطاع التيار الكهربائي، واختفى الى الابد السينالكو الاصفر...!