| الناس | الثقافية |  وثائق |  ذكريات | صحف | مواقع | للاتصال بنا |

موقع الناس .. ملتقى لكل العراقيين /  ديمقراطي .. تقدمي .. علماني

 

 

عماد خليل بله
ekbelah@yahoo.com

 

 

 

                                                                                  الثلاثاء 16 / 7 / 2013

 

اوراق متناثرة من الحلة (6)

الطريق الى الشرقية الابتدائية

عماد خليل بِله

في احد الايام تغيب الاستاذ رشيد محمد علي عن حضور درس النشيد والموسيقى، وقدم الى الصف بدلا عنه معلم شاب تميزه تسريحة شعره الطويل نسبيا، حمل معه الة الكمان، لنكتشف بان الاستاذ عدي صاحب عبيد الذي يعلم الصف الخمس اللغة الانكليزية موسيقيا اخر في المدرسة ، وعازف متمكن. وهوالاستاذ الاصغر سنا بين المعلمين، للاستاذ عدي مظهر هاديء المحيا ، لكنه عمليا كان حاد في تعامله، لم يكن يميل لنشر المرح في الصف ، ربما لوجوده الطاريء في صفنا ألقى محاضرته متعجلا انتهاء الدرس، ذلك اليوم ادركنا قيمة المرح الذي ينثره وجود الاستاذ رشيد.

بين مجموعة المعلمين في الضلع الرابع لمستطيل الاصطفاف ، وقف رجل اشقر محمر البشرة ، نراه في الايام اللاحقة مرتديا بدلته الانيقة دائما ، هو معلم مادة التأريخ الاستاذ عبد الحسين شويليه. والاستاذ طويل القامة مقارنة بزملاءه، نظراته حادة ، ويده باطشة اذ يغضب، وعادة هو سريع الغضب، شديد بتعامله ، لا يتردد باستخدام أطرافه العليا والسفلى بمعاملة التلميذ الذي يثير غضبه، فبات درسه ساعة هم ثقيل ينتظر التلاميذ انتهاءهاعلى عجل، ومع قسوته فهو حريص على تغذيتنا بمعلومات الدرس بكفاءة وحزم جعلتنا في حالة انتباه تام، وتحضير مسبق لمادة الدرس. وقف بجانب الاستاذ عبد الحسين شويليه معلما عُرف بهدوء طاغ، وادارته للدرس أختلفت، فهناك مجال لحركة هاديئة تتناسق مع انفعال جميل، ونحن نتابع المعلم ذو الجبهة العريضة محمد علي شاكر ملتصقا بالسبورة يتلاعب بمختلف الوان الطباشير، و صغار الصف الثالث نجلس صامتين متابعين بشغف حركة يديه التي تنتهي برسمة ملونة جميلة تبهرنا. درسه لا يمل، يأخذنا في رحلة داخل عوالمنا الخيالية، ورؤوسنا الصغيرة صاغية لحديثه عن الرسم والموهبة والابداع ساهمت بالكشف عن قدرات بعض التلاميذ في الرسم. وفي الصف تلميذ قريب للمعلم اسمه علي جابر شعابث.

ودرسنا الاخر صاحب حصة المرح والنشاط وهو درس الرياضة. معلم الرياضة الرشيق المليء بالحيوية كان يقف هناك مرتديا قميصا نصف كم. احببنا الدرس فهو الوحيد الذي يخرجنا من حصار جدران غرفة الصف. كان محظوظا من يقع عليه الاختيار ويرسله استاذ ابراهيم لجلب الكرات من غرفة الرياضة في زاوية الساحة، غير انه في سنتي الصف الاول والصف الثاني لم يكن يسمح لنا كثيرا باستخدام الكرات ، وانما نقضي وقت الدرس بلعبات جماعية هي ذاتها التي نمارسها في الازقة بين بيوتنا مثل الطفر العريض ، والقفز العالي، وطفر الثلاثية، ولعبة المنديل المخبأ، وهي تحوير عن لعبة المحيبس حيث يستخدم منديل بدل الخاتم ، وفيها يجلس التلاميذ على الارض بشكل حلقة او مستطيل ، ويضعون ايديهم خلف ظهورهم ، بينما يدور احدهم حولهم ويضع المنديل في يد ممدودة، وحين يعود يجلس على التلاميذ ان يحظروا من منهم يحمل المنديل. كان اختبارا للقدرة على كبت المشاعر والتحكم بها، اذ ان بعضنا تحمر وجنتاه اذ تم اختياره، واخرون يصمتون كأن على رؤسهم الطير، والبعض تتراقض كرات عيونهم، والجميع يمرح ويفرح على النتائج. واخذ مكانه ضمن الواقفين معلم أتسم درسه بالجدية وكثرة الحوار والمتابعة حين عبرنا الصف الاول، فدرسه واحد من دروس تتطلب التحضير المسبق بين حفظ مادة الموضوع والرسوم المرفقة، انه الاستاذ وديع حسين، معلم العلوم. تمتع استاذ وديع بطريقة محببة للتدريس جمعت بين حزم ومتابعة جادين ، وقليلا من ملح مرح لكسر الجفاف النسبي لمادة الدرس. وسائل الايضاح التي يعلقها بجانب السبورة بجانب ما يرسمه عليها طُبعت بوضوح في ذاكرة غالبيتنا. وكثيرا ما بسط المحتوى بامثلة من حياتنا اليومية.

اغلق جمع المصطفين افواههم حين تنحنح المدير وانطلق في القاء كلمة الادارة ببداية عام دراسي جديد حاثا التلاميذ على الدراسة والالتزام. تفرق جمع المعلمين وبقي الطلاب كما هم، عاد الاستاذ حسن بريسم ليقف عند اول تجمعنا ويؤشر بيده مع امر: الى الصف سر. سرنا ومعظمنا يتلفت بكل اتجاه من دهشته، بينما اطرق البعض نحو الارض. دخلنا الصف بشيء من جلبة وجلس كل في مكانه. وقف استاذ حسن في اول الصف وخلفه السبورة ،يتطلع الينا بصمت جعلنا نخفض النظر وكأنّا مذنبون. أبني انت في الرحلة الاخيرة لماذا جلست هناك سأل الاستاذ، أجابه طالب صغير الحجم كان مخفيا في مكانه: لم اجد مكانا اخر. تعال الى هنا قال الاستاذ. تقدم التلميذ سعد علوش فأجلسه المعلم على الرحلة الاولى في الصف الوسط . ثم اعاد اختيار تلميذا اخر وبعده غيره حتى اعاد توزيع اماكن الجلوس، فكانت حصتي الانتقال الى الرحلة الثالثة في صف الرحلات عند الشباك . كنت اجلس عند الممر بين الرحلات بينما جلس باسم صاحب السباك بمحاذاة الشباك. والان وبناء على طلب الاستاذ اخذ كل تلميذ يقف ليعلن عن اسمه، ثم يجلس بدءا من الاقرب لباب غرفة الصف الى اخر تلميذ عن الزاوية البعيدة. ومن التلاميذ الحضور ايضا علي حسين بارح، وحربي حمزة، وفلاح حسن وتوت.

اعلن الجرس انتهاء الدرس الاول فاسرع التلاميذ نحو الساحة كل يلتقي بمعارفه فغالبيتهم له قريب وجار واكثر في المدرسة، أما انا قضيت الفرص في اليوم الاول وحيدا. حين عدنا الى الصف للحصة الثانية ، علق الاستاذ حسن لوحة على الحائط بجانب السبورة ، وصاح بصوت عالِ : أ. فرددنا بعده : أ، وعلى السبورة كتب الحرف ست مرات على امتداد سطر، وقال: كل واحد يفتح دفتره ويكتب في الصفحة الاولى ماموجود على السبورة ، ثم دعا عدد من التلاميذ للتقدم نحو السبورة وكتابة الحرف. كانت وظيفتنا الاولى كتابة صفحة كاملة لحرف أ. ومن يومها كرت مسبحة الدروس وتراكمن الحروف، والكلمات، والجمل، والمعرفة وتعقدت المعلومات مع تقدم المراحل الدراسية التي انتهت بي لأصبح مهندسا كيمياويا عام .1976

الاستاذ حسن بريسم يصعب الكتابة عنه كما تصعب الكتابة عن زميله الاستاذ عباس الاعرجي، فكليهما يدخلان القلب من اوسع ابوابه، فقول احدهم ان المعلم أبا يتجسد فيهما. الاستاذ حسن بريسم كان المعلم الاول لصفنا، الصف الاول ب، والاستاذ عباس الاعرجي كان المعلم المسؤول عن الصف الاول أ. وتقاسما تدريس الصفين. استاذ حسن علمنا مادتي القراءة والحساب، واستاذ عباس علمنا درس الدين. معلمنا حسن بريسم شخص قصير القامة على سمنة واضحة، سهل التعامل لدرجة لاتعيق الدرس، حنونا، ولم يمنعه هذا الحنان من استخدام المسطرة عند الحاجة في حالة عجز الكلام بنصح التلميذ المشاكس والتلميذ الكسول. لما كانت مادتي القراءة والحساب اصعب وأهم دروس الصف الاول الابتدائي فقد كان ثقل تعليمنا يقع على مسؤوليته. درسه اقرب مثلا لخلية نحل في تحضير الواجبات ومتابعته اليومية. فالكتاب امامنا ووسيلة الايضاح على الجدار الامامي، وحكاياته الظريفة المصاحبة للدرس قربت محتوى الموضوع لعقول الموجودين. وكم كان صعبا عليَ في بداية السنة ان اكتب الواجب بخط مستقيم دون الخروج جانبيا من سير خط ورقة الدفتر، وكثيرا ما اسودت اوراق دفاتري لكثرة الكتابة والمسح. كانت علامة الصح والحصول على كلمة جيد او جيد جدا وامتياز احب من الحصول على سندويشة عمبة وصمون من البائعة ام احمد. مثل الاستاذ حسن بريسم النموذج العملي للمعلم الكادح، فبعد ان تعرفت عليه ، صار من شبه اليومي أن أراه يقود دراجته الهوائية متنقلا بين محلات السوق المسقوف ، وسوق الدهديوة وسوق القصابين، ليجمع احتياجات بيته في علاقة تتدلى امام مقود دراجته ، ويضعها احيانا على مقعد الراكب خلف سائق الدراجة. لم يترك المعلم حسن في ذاكرة التلاميذ ولا زميله الاستاذ عباس الاعرجي غير شتلات محبة.

بعد عودتي للعراق من غيبة زادت عن خمسة وعشرين سنة ، بحثا عن الروابط القديمة كان عليَ زيارة الاقارب والاصدقاء، ويوما حل موعد اجابة دعوة واحدة من بنات العم. قدت سيارتي الى منطقة البكرلي حيث دارهم ، بصحبة اختي سعدية كدليل وصول. انتظرنا ان يُفتح الباب الذي طرقناه، ويا للمفاجأة فقد طل من فتحة الباب الاستاذ حسن بريسم يرتدي دشداشة رمادية ، غير انه في ثلاثينيات العمر. دهشتي وانشغالي بتفحصه جعلتاني أبدو غير متحمسا للقاء ، حين لكزتني سعدي قائلة " عماد.. سلم. قادني الرجل خطوات ليدخلني غرفة وضعت على جدارها مقابل الباب صورة كبيرة للاستاذ حسن بريسم بعمر متقدم، فقرأت الفاتحة على روحه الطيبة، والتفت الى مضيفي وقلت : انت ابنه.. انت نسخة فوتوكوبي منه، فابتسم واجاب انا ماجد حسن بريسم، عندها جاءت ابنة عمي جميلة واولادها للترحيب بنا.

يتبع


 


 

free web counter