عماد خليل بله
ekbelah@yahoo.com
اوراق متناثرة من الحلة (5)
الطريق الى الشرقية الابتدائية
عماد خليل بِله
في السنوات الثلاثة الاولى للمدرسة ، كان الدوام يتشكل من ستة دروس ، الجزء الصباحي يضم اربعة دروس بين الساعة الثامنة صباحا ، وحتى الثانية عشر ظهرا، ويبقى درسان يشكلان الجزء الثاني بين الساعة الثانية بعد الظهر ولقُبيل الرابعة عصرا بدقائق،استمر الوضع بهذه الالية لغاية انشاء مدرسة ابن الاثير الابتدائية للبنين ، التي شاركت مدرستنا اشغال البناء ، فاصبح الدوام فترة واحدة بخمسة دروس، بين الثامنة صباحا ، ولمايقارب الواحدة ظهرا. في النظام الاول كانت الفترة بين انتهاء حصص دروس الصباح وابتداء حصتي درسي بعد الظهر ساعتين نقضيها داخل المدرسة. وتبين لنا الاستراحة الاستاذ حسن عذاب حين يكون مراقبا للتلاميذ وهم يلهون في الساحة. لما كان على التلاميذ البقاء في المدرسة خلال هذه الفرصة الطويلة ، يجلب معظمهم غداءه مع كتبه صباحا، ليتناوله متعجلا خلال الدقائق الاولى عند بداية الاستراحة ، ثم يهرع الى زملاءه ، ليقضوا باقي الوقت في اللعب واللهو. تزدحم الساحة ، فتبدو المدرسة وكأنها ساحة ملعب لكرة القدم، نزل لارضها جمهور متفرجين ليشارك اللاعبين حفلهم بنشوة الفوز بمباراة حاسمة . يلمع خلال الاستراحة تلاميذ عددهم اقل من عدد اصابع يد واحدة، يصنفون في المدرسة الشرقية الابتدائية بين زملائهم أعلاما للمدرسة. صبيان تمرسوا الحياة الدراسية، واكتسبوا خبرة واعتادوا على وسائل المعلمين بمعاملة التلاميذ عبر تجارب اخذت سنين، وهؤلاء المخضرمون كأنهم وجدوا فيها منذ قدم، وسيبقون بعد ان تغادر مجموعتنا مرحلة الدراسة الابتدائية. انهم يبقون يعرضون عضلاتهم على من يأتي متواليا. (ابو داود) سلمان ديكَان درويش احد أبرز المخضرمين. صبي يمتلك وجها مرحا، ورغم ذلك عليك ان تخافه فهو أكبر منك حجما، ودراية، ويبذل جهده ليعطي انطباعا بانه شرير. سلمان ديكَان أول من تتعرف عليه منهم، وهو لاينتمي للمجموعة المخضرمة التي تشكل عناصرها الفريق الرياضي للمدرسة امثال سامي وكاظم وفوزي. ومثل الفريق الرياضي للمدرسة النقيض لما حاول معلمون اقناعنا بأن العقل السليم بالجسم السليم، فاعضاء فريقنا واصلوا البقاء في المدرسة لسنوات ربما مضاعفة للعدد سنين المرحلة الابتدائية. ما ان تبدأ الاستراحة ونخرج من الصف حتى نجد ابا داود قدسبقنا ونط فوق السور ليجلس هناك كأنما يمتطي صهوة جواد، مستمتعا بالنظرالى غالبية التلاميذ وهي تتدافع عند بوابة الخروج الحديدية، وتمتد الايدي الصغيرة من خلال الفتحات بين قضبان الباب ، والافواه تصرخ، تنادي على الباعة المتجولين الذين يتوافدون الى مقربة من هذه البوابة اثناء فترة الاستراحة. ولولا كونها ظاهرة يومية تتكرر في الوقت ذاته لظنها المار قرب المدرسة بان الصغار في ورطة ويريدون الخروج. يقوم سلمان ديكَان احيانا بلعب دور الوسيط بين الباعة ومعارفه من التلاميذ، فمن فوق صهوة السور تنتقل يديه بين جانبي السور ناقلا الطعام لجهة ومقدما الفلوس للجهة الاخرى، واستجابة الباعة السريعة لطلباته تشعره بفخر، كما يشعر من يساعدهم اذ يتخلصون من التدافع. لقد وفرت السنوات العديدة التي تواجدها ابو داود في المدرسة فرصة للمعرفة والتعود بينه وبين الباعة. وبهذا لم يكن ينافس التلاميذ بالوصول الى البوابة. ولن يضر ابا داود ، ولا اثار حنقه تمكن بعض التلاميذ صغيري الحجم من المرور من خلال الفتحة بين درفتي الباب التي يتركها ارتخاء السلسلة الحديدة الرابطة بينهما ، ووصولهم السريع الى عربات الباعة،كان هولاء الصغار يتمتعون بتناول ما يشترونه دون صخب وربما أحترمهم كونهم مثله حالات استثنائية، ودائما ما قلدوه بدور الوسيط. كان ابو داود يسبقنا في عضوية المدرسة الشرقية الابتدائية بسنوات ، وحدث خلاف عميق بينه وبين الجد في الدراسة، فالتواجد في الشرقية وجد في نفسه هوى طاب له ،ولم يكن مؤذيا ، لكن كبره يفرض هيبته على الصغار الذين يخشون مخالفته، وهو لايتردد من تبيان سطوته حين يتطلب الامر. لم يكن الخوف يشملنا نحن تلاميذ الصف ب في اية مرحلة دراسية فحماية ابي داود توفرت لنا بضمانة أخيه عباس ديكَان تلميذ صفنا. تناقضت حالة عباس عن حالة اخيه سلمان، فعباس تلميذ هاديء نسبيا، مجتهد حريص. حين تحرينا عن سر سلمان ديكَان ورسوبه المتكرر، حصلنا على أجابة خرجت عن قدراتنا الادراكية. قال عباس: ان الامر يرجع لغرام ابو داود بدور مراقب الصف، وعادة ما يمنح هذا الدور للطالب الاكبر سنا ، والذي يكون في غالب الاحيان تلميذ يعيد المرحلة الدراسية ، وكي يحصل سلمان على هذه الوظيفة التطوعية يسعى للرسوب. ليكون المراقب، وطبيعة الدور غير الرسمية للمراقب تمنحه سلطة على زملاءه تتمثل بقدرته على ان يسبب لمن يشاء عقابا يبتعد عنه التلاميذ قدر المستطاع اذ يقدم المراقب كشفا باسماء زملاءه من سبب ضوضاءا منهم في الصف قُبيل وصول المعلم. هنا تكمن قوة المراقب حيث المحسوبية والرشوة يلعبان دورهما في صدق محتويات القائمة، فهناك اسماء لاتسجل رغم انها مصدر رئيس للضوضاء، وكانت الدقائق الحرجة بين دخول غرفة الصف بعد دق الجرس ومجي المعلم متعبة لمن على خلاف مع المراقب.
في خضم المشهد الصاخب يدور المعلم حسن عذاب عابس الوجه بين هرج ومرج مراقبا ، يقف كالصقر عند مرتفع الممر القادم الى الساحة حينا ، ومتمشيا بين جموع الصاخبين حينا اخر، تلك الساعتان لن تمرا دون سماع عويل احدهم وهو يستقبل عصا الاستاذ حسن تهبط عليه قاسية، ثم تعلو وتهبط مرات لم نحسبها يوما، فألم الضربة الاولى يفقد الصغير القدرة على الحساب. لكن استعمالها لم يحد من صخب التلاميذ الا قليلا بفعل انكماش من يخشى منهم تعرضه للضرب من عينتي، ولجؤا لقضاء شطرا كبيرا من زمن الاستراحة داخل غرفة الصف في الشخبطة على السبورة والمحادثة واللعب بين مقاعد الجلوس.
عند باب الصف الاول ج دائما تجده واقفا الاستاذ ياسين ، هو معلم الصف المختص ، ومعلم موسيقى. كنا نتحاشى الاقتراب منه ، فحين يكون واقفا عند باب صفه، نترك رصيف الممر امام الصفوف، ونمشي بهدوء في ساحة المدرسة نحو مقصدنا. كانت سعة عيناه الحمراوان دائما، وحدة نظراتهما مصدر خشيتنا. تولد شعور الخوف ليس لان استاذ ياسين معروف بشدته بالتعامل مع تلاميذه فقط، وانما ايضا لأن احدهم قال للقادمين الجدد محذرا ان الاستاذ ياسين يدمن شرب العرق كل يوم ويأتي للمدرسة نصف صاحٍ ، فجفلوا منه وباتوا يخشونه وان لم يكن معلمهم. وحمدنا الله انه لم يكن معلم الموسيقى الوحيد بالمدرسة فهناك الاستاذ عدي صاحب عبيد الجامع بين تعليم الموسيقى واللغة الانكليزية للصف الخامس، والاستاذ رشيد محمد علي معلمنا، اذ كان درسنا للنشيد والموسيقى حصته. الفرح والمتعة سمتا درس النشيد والموسيقى. رقة المعلم رشيد وحركته المتواصلة، وابتسامته الدائمة، تفرحنا كفرح لهونا يوم عيد، فنحصل على عيدية من موسيقى. كنا خلال الدرس نطلق الضحكات دون عقاب حين يدع كمنجته تصيح صادحة بصوت خوار بقرة ، ونهيق حمار، وأصوات لحيوانات اخرى. بحضوره تتغير طباع الدرس حيث تُمنح درجة من حرية الحركة ، وكان تكرار مقاطع النشيد تدفعنا للتنافس باداءها فنتفاعل معها باندفاع وحماسة. لكن استاذ رشيد كان يقضي معظم زمن الدرس قرب باب الصف ولم يحدث ان تجول بين المقاعد، او اقترب من شبابيك الغرفة الا نادرا. يحدق بساحة المدرسة وكأنه ينتظر احد ياتيه بخبر. ذات يوم بعد ان تجاوزنا النصف الاول من السنة الدراسية سأل الاستاذ رشيد محمد علي ان كان احد منا يعرف نشيدا غير ما تعلمناه. تلفتُ فرأيت الرؤوس متلفتة الا رأس احسان صالح العطار الذي وقف ورفع يده وهو يردد: أستاد أنا اعرف. أشار الاستاذ رشيد الى احسان أن تعال الى مقدمة الصف. فتقدم التلميذ، ووقف بثقة امام الرحلة الاولى في وسط الصف ، ووجه كلامه الينا: سأقرأ النشيد وعليكم بعد نهاية كل كلمة وجملة اقولها تردون بصوت عالي كلمة (أيوه)، فارتفع صوت الجمع : أيوه، وبدأ احسان :
هاي البطة
أيوه
بالمحطة
ايوه
شايلة جنطة
أيوه
تاكل حنطة
أيوه
لعلاله اجدادكم
أيوه
ران صمت للحظة، وتبادل التلاميذ نظرات غضب ثم انفجروا بصوت واحد: لعلاله جدك.. أيوه. قال استاذ رشيد لاحسان وهو يضحك : لك هاي اشسويت؟ فوت اكعد، ثم وجه كلامه لبقية الحضور المشغولين بالاحتجاج : هدوء لم يكن احسان يقصد شتم اجدادكم. لم يهدا الصف كفاية فسحب المعلم مسطرة ودق على رحلة امامه حتى ران السكون. وأنتهى الدرس ولايام طويلة تلته كان أحسان يتلقى من زملاءه عبارة " لعلاه جدك".
يتبع
30 حزيران 2013